د. محمود عباس
ليست الغاية من استحضار العبارة التاريخية «أيها الكردي المربّى في خيام الأكراد» إعادة إنتاج ما قد تحمله من نبرة ازدراء في سياقها القديم، بل التوقف عند ما تكشفه من دلالات أوسع. فالإشارة إلى «خيام الأكراد» لا تعني أن الكورد كانوا شعبًا محصورًا في حياة الترحال، بل تشير، على العكس، إلى وجود شريحة قبلية ضمن شعب واسع المجالين الجغرافي والثقافي، لا بد أن تكون إلى جانبها شرائح مدينية مستقرة، وأوساط زراعية، ومراكز ثقافية وإدارية وسياسية.
ومن هنا تصبح العبارة ذات دلالة مزدوجة: فهي لا تثبت حضور الكورد بوصفهم شعبًا معروف الاسم والهوية عند مطلع العهد الساساني فحسب، بل تحيل إلى وجود أسبق بقرون طويلة، وإلى جذور تاريخية وحضارية عميقة سبقت قيام الإمبراطورية الساسانية، وارتبطت بكيانات سياسية وحضارات وإمبراطوريات تعاقبت في المجال الجغرافي الذي كان الكورد أحد شعوبه الأصيلة. وفي الوقت نفسه تكشف عن تنوع بنيتهم الاجتماعية. فقول أردوان لأردشير إنه «مربّى في خيام الأكراد» لا يعني أنه نشأ بين الكورد عمومًا، بل بين شريحتهم القبلية تحديدًا؛ وهو ما يفترض، في المقابل، وجود بيئات كوردية أخرى مدينية ومستقرة لم تكن الخيام تمثلها.
وهذا التنوع بين المدينة والقبيلة، والاستقرار والزراعة والترحال، والثقافة والإدارة والقوة العسكرية، هو في ذاته من مقومات المجتمعات الكبرى القادرة على إنتاج السلطة والحضارة، لا سمة لشعب هامشي أو معزول. ومن هذه الزاوية تكتسب العبارة أهميتها؛ فهي لا تنتقص من الكورد، بل تفتح بابًا لقراءة أوسع لمكانتهم الاجتماعية والسياسية والحضارية في المجال الذي نشأت فيه الإمبراطورية الساسانية.
وقد آن الأوان لإعادة قراءة هذا التاريخ خارج القوالب التي كرستها الكتابات السياسية والقومية اللاحقة، وردّ الكورد إلى موقعهم الطبيعي في تاريخ المنطقة، بالاستناد إلى النصوص والشواهد لا إلى المبالغة أو التعويض.
وعند تتبع هذه العبارة، نجد أنفسنا أمام شاهدين مختلفين، أحدهما أكثر وضوحًا ودلالة من الآخر، يفتحان بابًا لقراءة جانب من تاريخ الشعب الكوردي وموقعه في نشأة الإمبراطورية الساسانية وبنيتها، بعيدًا عن الصورة التي استقرت لاحقًا في كثير من الكتابات، والتي قدمت هذه الإمبراطورية بوصفها «إمبراطورية فارسية» شبه خالصة.
وقد تناولتُ هذه الإشكالية بتفصيل أوسع في عدد من فصول كتابي «هل كان للكورد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام؟»، من خلال البحث في أصول الساسانيين، والبنية السكانية والسياسية للإمبراطورية، وموقع الكورد واللغة الفهلوية ضمنها. أما هنا فسأتوقف عند هذين الشاهدين تحديدًا، وأقرأ دلالاتهما في سياقهما التاريخي، وأقارنهما بما ترسخ لاحقًا في الرواية الشائعة عن الساسانيين وهويتهم.
أولًا، عند الطبري، في سياق الصراع بين أردوان الأرشاكي وأردشير، ينقل الطبري في روايته رسالة أردوان إلى أردشير، وفيها:
«إنك قد عدوت طورك واجتلبت حتفك، أيها الكردي المربّى في خيام الأكراد…»
والنص ظاهر في تاريخ الطبري عند خبر أردشير، وهو ليس صياغة حديثة لباحث كوردي.
إذن هذه هي على الأغلب العبارة التي بقيت في ذاكرتك (أيها الكردي المربّى في خيام الأكراد).
واللافت هنا أمران: أردوان لا يقول فقط «تربيت بين الأكراد»، بل يستعمل أولًا النسبة المباشرة (الكردي)، ثم يعززها بـ (المربّى في خيام الأكراد). لغويًا، هذه أقوى من مجرد القول إن شخصًا عاش فترة بين جماعة ما.
ثانيًا، والأقدم من حيث المادة الساسانية، هناك كارنامك أردشير بابكان – Kār-nāmag ī Ardaxšīr ī Pābagān بالبهلوية. في مطلع الرواية يقال عن ساسان:
ud sāsān šubān ī pābag būd … ud abāg kurdān šubānān raft
ومعناها تقريبًا: (وكان ساسان راعيًا لبابك… وذهب/عاش مع الرعاة الكورد). والنص البهلوي مثبت حرفيًا في قاعدة TITUS التابعة لجامعة فرانكفورت.
بل إن Encyclopaedia Iranica نفسها، في موضع آخر عند حديثها عن الأدب الساساني، تلخص الرواية بقولها إن ساسان (اختبأ مع القبائل الكوردية).
وهنا نصل إلى السؤال الأهم الذي تطرحه: إذا كانت هذه النصوص موجودة، فمن أين جاء الحسم الحديث بأن الساسانيين «سلالة فارسية»؟
عندما راجعت صياغة Iranica وجدتها تقول صراحة عن الساسانيينthe last Persian lineage of rulers، أي «آخر سلالة فارسية من الحكام»، ثم تفسر نشوؤهم بصعود «أسرة فارسية» ذات قواعد دينية وسياسية. ومعظم إسنادات إيرانيكا مستقاة من ما خلفته الدولة السامانية نحو 875–999م التي خلفت ملحمة شاهنامه، ورواية كتابتها غريبة لسنا بصددها الأن.
لكن إذا بحثنا عن الدليل المعاصر لأردشير نفسه الذي يقول: أنا فارسي عرقيًا، أو نحن سلالة فارسية، فالأمر ليس بهذه البساطة.
المصادر التي يعتمد عليها هذا التصنيف تقوم أساسًا على مجموعة قرائن: مركز ظهور الأسرة كان پارس/Pārs، أي فارس الجغرافية؛ بابك كان حاكمًا محليًا هناك؛ إصطخر كانت قاعدة الأسرة؛ واللغة الملكية الأساسية كانت الفارسية الوسطى إلى جانب الفرثية واليونانية. ومن مجموع هذه العناصر انتقلت historiography الحديثة من وصف أسرة خرجت من إقليم فارس إلى وصفها بأنها أسرة فارسية. أما نقش أردشير الملكي فيقدم نفسه بصفة (ملك ملوك إيران) ويربط نسبه ببابك، ولا يقدم لنا تصريحًا إثنيًا من نوع «أنا فارسي Iranica نفسها تنقل لقبه بوصفه «King of Kings of Iran).
وهذا بالضبط هو موضع الإشكال المنهجي الذي كنا نتحدث عنه: Pārs الجغرافية ليست بالضرورة مساوية لإثنية فارسية خالصة لكل أسرة أو جماعة خرجت منها. وتحويل المنشأ الجغرافي واللغة السياسية إلى نسب إثني قطعي يحتاج إلى خطوة استدلالية إضافية.
والأكثر إثارة أن Iranica نفسها تعترف بأن أنساب أردشير متضاربة بشدة. ففي مقالتها عنه تقول إن المصادر تختلف في ولادته وأصله، وتعرض رواية الطبري، ورواية نقش شابور، ثم رواية الـ Kār-nāmag والشاهنامة وأغاثياس، ولا تستطيع تحويل هذه الروايات كلها إلى سلسلة نسب واحدة مؤكدة.
لذلك أرى أن علينا التفريق بين ثلاث درجات:
- القول إن الدولة الساسانية نشأت سياسيًا من إقليم فارس، حسب المصادر التي ظهرت بعد الدولة السامانية وكتابة شاهنامه، قوي ومثبت، لكنه ضعيف بناء على الأرشيف الأركيولوجي، وعلى مركز عاصمتها، المدائن. كانت تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة، إلى الجنوب الشرقي من بغداد الحالية، في العراق، على مسافة تقارب 30–35 كم جنوب بغداد. وفي العصر الساساني كانت المنطقة تضم تجمعًا من المدن المتجاورة عُرف لاحقًا باسم تيسفون – المدائن مركز الحكم والبلاط الساساني.
ومن أشهر آثارها الباقية حتى اليوم طاق كسرى (إيوان كسرى) في سلمان باك، وهو من أبرز شواهد العمارة الساسانية.
- القول إن الثقافة الرسمية الساسانية اعتمدت الفارسية الوسطى وموروثًا مرتبطًا بفارس: كذلك، وبناء على التاريخ الذي ظهر بعد الدولة السامانية، ثابت إلى حد كبير، لكنه ضعيف بناء على أرشيف الدواوين التي استخدمتها الخلافة الأموية في بداياتها قبل تعريبها، وكانت تستخدم الفهلوية الغربية، وهي الأقرب إلى اللغة الكوردية، وخاصة اللهجة الهورامية.
- القول إن أردشير وساسان كانا «فارسيين إثنيًا» بمعنى قومي صافٍ، وأن السلالة كلها فارسية عرقيًا: هنا ندخل في إعادة تركيب تاريخي لاحق وليس في تصريح معاصر واضح من المؤسس.
وفي المقابل، بعض الباحثين وخاصة المدرسة الإيرانية يحاولون تفسير عبارة الطبري بمنهجية مغايرة، وهنا لا أريد أن نقع في المشكلة المعاكسة ونقول إن عبارة الطبري وحدها تحسم نهائيًا أن أردشير كوردي بالمفهوم القومي الحديث. مثلما لا يمكن الاستناد إلى المدرسة الإيرانية وبعض الباحثين، ومنهم Garnik Asatrian، يفسرون النصوص البهلوية القديمة حسب المنطق القومي الفارسي العصري والذي ساد بعد هيمنة العنصر الفارسي في الإمبراطوريات المتأخرة والتي أسست المدرسة الإيرانية ومكتبة إيرانيكا. وهو يستند خصوصًا إلى ورود kurdān šubānān (الرعاة الكورد) في الـKār-nāmag. (Azargoshnasp)
لكن هنا توجد نقطة منهجية مهمة جدًا: هذا التفسير نفسه تفسير علمي حديث للنص، وليس ترجمة حرفية لكلمة أخرى تعني (بدوًا) النص الأصلي يقول kurdān والطبري لا يقول (أيها البدوي) بل يقول (أيها الكردي) ثم يضيف (المربّى في خيام الأكراد) لذلك تحويل كل ظهور لكلمة «كورد» آليًا إلى «بدوي» يؤدي هو أيضًا إلى إلغاء الدلالة الإثنية مسبقًا بدل بحثها.
ولهذا أعتقد أن الصياغة الأدق لما نحن بصدده يمكن أن تكون: لا نستطيع من هذه الروايات وحدها إثبات قومية أردشير الكوردية بالمعنى الحديث، لكننا في الوقت نفسه لا نملك مسوغًا علميًا لحذف الدلالة الكوردية من النصوص وتحويلها تلقائيًا إلى مجرد مهنة أو نمط عيش، ثم إعلان الأصل الفارسي للسلالة كحقيقة إثنية منتهية.
بل إن اجتماع الشاهدين مهم جدًا، ساسان مرتبط في الرواية البهلوية بالرعاة الكورد، وأردشير نفسه يُخاطَب في الرواية التي حفظها الطبري بأنه (الكردي المربّى في خيام الأكراد). وهذا على الأقل يثبت أن الذاكرة التاريخية القديمة عن نشأة الأسرة الساسانية كانت تحتوي عنصرًا كورديًا صريحًا؛ أما تحويل الساسانيين بعد ذلك إلى «Persian dynasty» سلالة فارسية، بصورة مطلقة فهو مرحلة أخرى من كتابة التاريخ ينبغي تفكيك أصولها، لا التسليم بها باعتبارها وصفًا ذاتيًا صادرًا عن الساسانيين أنفسهم.
ولذلك أن هذه النقطة تحديدًا تصلح لتكون حجة مركزية قوية جدًا في القسم الذي نبحث فيه كيف ترسخت لفظة «الفارسي» لاحقًا لتحل محل «الساساني» و«الإيراني» الأكثر اتساعًا؛ لأننا هنا لا ننطلق من خطاب قومي حديث، بل من تناقض داخل المصادر التي يستخدمها الباحثون أنفسهم.
الولايات المتحدة الأمريكية
25/8/2026 م
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






