مهند محمود شوقي
في صباح الخامس والعشرين من أيلول عام 2017، بدا إقليم كوردستان وكأنه يستيقظ على عرسٍ طال انتظاره. لم تكن الشوارع تشبه صباحاً انتخابياً عادياً، ولا مراكز التصويت مجرد أماكن يقصدها الناخبون ثم يعودون إلى بيوتهم. كانت الأعلام الكوردستانية تملأ المشهد، والأغاني تنطلق من السيارات والبيوت، والناس يتجمعون منذ ساعات الصباح الأولى بملابسهم الكوردية، وكأنهم ذاهبون إلى مناسبة تتجاوز في معناها صندوق الاقتراع.
في ذلك اليوم شارك أكثر من ثلاثة ملايين ناخب، وبلغت نسبة المشاركة نحو 72 في المئة، فيما صوت 92.73 في المئة من المشاركين لمصلحة الاستقلال.
لكن اختزال ذلك اليوم في الأرقام يحجب جانباً مهماً من قصته. فالاستفتاء، وإن ارتبطت الدعوة السياسية إليه بالرئيس مسعود بارزاني، تحول شعبياً إلى مناسبة شاركت فيها قوى سياسية وشخصيات ومستقلون وشرائح اجتماعية مختلفة، وشعر فيها كثير من الكورد أنهم يعبّرون عن إرادة سياسية جماعية أمام العالم.
ولم تولد تلك الإرادة في عام 2017.
فالاستفتاء كان حلقة في تاريخ طويل من الحركة السياسية الكوردية في العراق، بدأ قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة واستمر مع تأسيسها عام 1921. ومنذ الشيخ عبد السلام بارزاني والشيخ أحمد بارزاني، وصولاً إلى الملا مصطفى بارزاني، خاضت الحركة البارزانية مراحل متعاقبة من النضال والمواجهة مع السلطات العراقية دفاعاً عن المطالب والحقوق الكوردية.
وفي عام 1961 اندلعت ثورة أيلول، وانتهت إحدى مراحلها باتفاق 11 آذار 1970 الذي اعترفت فيه الحكومة العراقية بمبدأ الحكم الذاتي للكورد، قبل أن ينهار الاتفاق وتعود المواجهة المسلحة عام 1974.
ثم جاءت واحدة من أكثر المراحل مأساوية في تاريخ العراق الحديث. ففي عام 1988 تعرضت حلبجة للقصف الكيميائي، وتواصلت حملة الأنفال التي دمرت آلاف القرى وقتلت عشرات الآلاف من الكورد. وأصبحت حلبجة، في 16 آذار 1988، رمزاً عالمياً لمأساة المدنيين الكورد.
بعدها جاءت انتفاضة آذار 1991، التي فتحت مرحلة جديدة في تاريخ كوردستان، ومع تراجع سلطة بغداد في أجزاء واسعة من الإقليم بدأ يتشكل واقع سياسي وإداري جديد أصبح لاحقاً أحد أسس تجربة إقليم كوردستان داخل العراق الاتحادي.
لكن التحول لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً.
ففي أيلول 2002، توصل الرئيس مسعود بارزاني والراحل جلال طالباني إلى اتفاق بشأن العمل من أجل عراق ديمقراطي اتحادي، ثم جاء مؤتمر المعارضة العراقية في لندن في 14 و15 كانون الأول من العام نفسه، ليطرح تصوراً لعراق جديد يقوم على الديمقراطية والتعددية والفيدرالية والشراكة بين مكوناته.
وهنا تكمن نقطة مهمة عند الحديث عن استفتاء 2017. فالحركة السياسية الكوردية لم تدخل مرحلة ما بعد 2003 وهي تطرح منذ اليوم الأول الانفصال باعتباره الطريق الوحيد، بل شاركت في صياغة تصور لعراق ديمقراطي اتحادي، تكون فيه الفيدرالية وسيلة لحماية التنوع والشراكة بين العرب والكورد والتركمان والمسيحيين والإيزيديين وسائر المكونات.
ولهذا جاء دستور 2005 ليضع الفيدرالية في صلب النظام السياسي العراقي. فقد نصت المادة الأولى على أن العراق دولة اتحادية، وأقرت المادة 117 بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً، فيما منحت المادة 121 الأقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن الإطار الدستوري.
لكن السنوات التالية كشفت عن فجوة بين النص والممارسة. فالمادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها لم تُنفذ وفق المسار والمدة المحددين، وبقي قانون النفط والغاز الاتحادي دون حسم، واستمرت الخلافات بشأن الصلاحيات والموارد والموازنة والمناطق المتنازع عليها.
حتى الحرب على داعش قدمت نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين بغداد وأربيل. فعندما تعرض العراق للخطر، وقفت قوات البيشمركة إلى جانب القوات العراقية وقوى عراقية أخرى في مواجهة التنظيم، وقدمت البيشمركة تضحيات كبيرة. كانت تلك الصورة تقول إن المؤسسات والقوات القادمة من المركز والإقليم تستطيع أن تقاتل في خندق واحد عندما يكون العراق أمام خطر مشترك. ويبقى السؤال: لماذا يصعب في زمن السلم بناء شراكة سياسية بالمستوى نفسه؟
في هذا السياق يمكن فهم أحد أهم خلفيات استفتاء 2017. فهو لم يأت من فراغ، بل جاء بعد سنوات من الخلافات حول طبيعة النظام الاتحادي والموارد والمناطق المتنازع عليها والعلاقة بين السلطات الاتحادية والإقليمية. وفي المقابل، كانت بغداد ترى أن الاستفتاء يتجاوز الإطار الدستوري وترفض الاعتراف بنتائجه.
ومن المهم التمييز بين الاستفتاء والدستور العراقي. فالدستور أقر الفيدرالية وإقليم كوردستان، ونص في المادة 140 على استفتاء يتعلق بالمناطق المتنازع عليها، لكنه لم ينص صراحة على حق الإقليم في إجراء استفتاء على الانفصال. لذلك فإن العلاقة بين دستور 2005 واستفتاء 2017 ترتبط بالسؤال الأوسع عن الديمقراطية والفيدرالية والحقوق السياسية وتفسيرها، وليس بتفويض دستوري مباشر بالاستقلال.
لكنني لا أستطيع أن أكتب عن ذلك اليوم بصفتي مراقباً من بعيد.
أنتمي إلى أسرة عاشت تجربة التهجير والتنقل، وعرفت معنى أن يحمل الإنسان ذاكرته وبيته وهويته معه من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان والاستقرار والاعتراف بالحقوق. ولهذا كان الخامس والعشرون من أيلول بالنسبة إليّ أكثر من يوم انتخابي أو مناسبة سياسية.
في ذلك اليوم شعرت أنني أقف أمام لحظة يمكن أن تؤسس لتاريخ جديد؛ تاريخ أريد فيه لأبنائي أن يعيشوا في ظل حقوق واضحة، وأن يعرفوا أن هويتهم وكرامتهم ومستقبلهم ليست أوراقاً مؤجلة في سجلات السياسة.
كنت أعمل في الإعلام، وكانت لديّ في ذلك اليوم تحديات والتزامات مهنية، لكنني وضعتها جانباً. لم أشعر أنني أتخلى عن عملي، بل شعرت أن هناك لحظة أكبر من العمل نفسه؛ لحظة يكون فيها شرف المشاركة في صناعة حدث تاريخي أكبر من أي مهمة مهنية يمكن أن تؤجل. أردت أن أكون واحداً من الذين يقولون بأصواتهم إن لهذا الشعب حقوقاً وتطلعات، وإن من حق أبنائنا أن يروا مستقبلاً أكثر وضوحاً واستقراراً.
لهذا، عندما أتذكر استفتاء 2017 بعد تسع سنوات، لا أتذكر فقط صناديق الاقتراع والأعلام والأغاني والطوابير. أتذكر أسرتي وتاريخها وما عاشته، وأتذكر أنني في ذلك اليوم لم أكن أفكر فقط في حاضر الكورد، بل في مستقبل أبنائي.
لقد كان مسار الحركة الكوردية، منذ الشيخ عبد السلام والشيخ أحمد والملا مصطفى، مروراً بحلبجة والأنفال وانتفاضة 1991، ثم بالمشاركة في إعادة رسم العراق بعد 2003، يقول إن القضية لم تكن يوماً مجرد البحث عن حدود جغرافية. كانت بحثاً عن صيغة سياسية تضمن للكورد حقوقهم، وتمنع تكرار الماضي، وتسمح لهم بأن يكونوا جزءاً من العراق من دون أن يفقدوا خصوصيتهم.
ولهذا تبقى ذكرى 25 أيلول أكثر من ذكرى سياسية لحزب أو حكومة أو قيادة. إنها ذكرى يوم خرج فيه الكورد بأعداد كبيرة ليقولوا إن لهم إرادة سياسية يجب أن تُسمع.
فالإنسان لا يصنع التاريخ دائماً من موقع القيادة؛ أحياناً يصنعه بمجرد أن يقف في الطابور، ويمسك ورقة الاقتراع، ويقول: هذا صوتي، وهذا ما أريده لمستقبل أبنائي.
تسع سنوات مرت منذ ذلك الصباح، وما زالت صورته حاضرة: الأعلام، والملابس الكوردية، والأغاني، والطوابير، وكبار السن والشباب والناس الذين أرادوا أن يكونوا جزءاً من لحظة اعتبروها تاريخية.
انتهى التصويت، لكن السؤال لم ينتهِ: هل يستطيع العراق أن يجعل الفيدرالية التي نص عليها الدستور واقعاً سياسياً حقيقياً، أم تبقى اتفاقاً مكتوباً لم تكتمل ترجمته على الأرض؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي تركه استفتاء 2017 للعراق كله.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






