الأنفال وحقوق الضحايا المؤجلة

مهند محمود شوقي

لم يكن ذلك الليل عاديًا في كوردستان. كانت البيوت تغفو على تفاصيلها اليومية البسيطة: أمّ تحتضن طفلها في هدوء، أبٌ يراجع يومه قبل النوم، وأطفال ينامون بثقة كاملة بأن بيوتهم هي أكثر الأماكن أمانًا. لكن في لحظة واحدة انكسر كل شيء. تحوّل الهدوء إلى صدمة، والأمان إلى خوفٍ لا يُنسى، والبيوت إلى أهداف اقتحمتها المأساة دون إنذار.
من هنا تبدأ حكاية الأنفال… حين يُستهدف الإنسان وهو في أكثر لحظاته أمنًا، داخل بيته وبين عائلته.
تُعد جريمة الأنفال من أكثر الصفحات قسوة في تاريخ العراق الحديث، إذ لم تكن مجرد حملة عسكرية، بل مشروعًا استهدف وجود شعب كوردستان نفسه. وقد وقعت أحداثها الأوسع بين شباط وأيلول عام 1988، في المراحل الأخيرة من الحرب العراقية–الإيرانية ، ضمن عمليات منظمة شملت مناطق واسعة من إقليم كوردستان.
لم تكن المسألة مواجهة عسكرية، بل استهدافًا مباشرًا للمدنيين. وتشير التقديرات إلى أن نحو مئة واثنين وثمانين ألف إنسان فقدوا حياتهم، دون تهمة أو محاكمة أو حتى فرصة للدفاع عن أنفسهم، فقط بسبب انتمائهم القومي.
ولم تتوقف المأساة عند القتل. فقد دُمّرت آلاف القرى، وتشتتت عوائل بأكملها، وهُجّر الناس قسرًا من ديارهم، إلى جانب حملات اعتقال واسعة وسياسات تغيير ديموغرافي في بعض المناطق. كما استُخدمت أسلحة كيميائية ضد المدنيين، في واحدة من أشد صور العنف قسوة في تلك المرحلة.
ومن بين مشاهد تلك الفترة، يبرز ما حدث في حلبجة في السادس عشر من آذار عام 1988، حين تعرّضت المدينة لهجوم كيميائي أودى بحياة أكثر من خمسة آلاف مدني وأصاب الآلاف، لتبقى شاهدًا صارخًا على حجم الكارثة الإنسانية التي عاشها المدنيون آنذاك.
ما يجعل جريمة الأنفال أكثر قسوة ليس فقط حجمها، بل الطريقة التي جرى تبريرها أو التعامل معها، وكأنها يمكن أن تقع خارج دائرة المحاسبة. لكنها في جوهرها كانت انتهاكًا صارخًا لكل القيم الإنسانية، ولكل مبادئ العدالة.
لهذا، لا يمكن أن يبقى الحديث عن الأنفال مجرد استذكار سنوي. إنها قضية حقوق أولًا وأخيرًا. حقوق ضحايا فقدوا حياتهم، وحقوق عوائل ما زالت تعيش آثار الفقد حتى اليوم. هذه الحقوق ليست رمزية، بل واجب قانوني وأخلاقي.
وتتحمل الدولة العراقية مسؤولية واضحة في هذا الملف، من خلال تعويض عوائل الضحايا تعويضًا عادلًا وشاملًا، لا يقتصر على الجانب المادي، بل يتضمن اعترافًا رسميًا صريحًا بما حدث، وجبرًا للضرر، وإنصافًا حقيقيًا للضحايا وذويهم بما يليق بحجم المأساة.
وتؤكد تقارير دولية وحقوقية متعددة، إضافة إلى اعترافات وقرارات لاحقة من جهات رسمية، أن ما جرى يرقى إلى جريمة إبادة جماعية وفق القانون الدولي.
ومع ذلك، يبقى واضحًا أن أي تعويض، مهما كان، لا يمكن أن يعيد من فُقد، ولا أن يمحو أثر الألم. لذلك تبقى المسؤولية الأهم هي ضمان عدم تكرار هذا التاريخ تحت أي ذريعة أو عنوان.
واليوم، بعد مرور ثمانيةٍ وثلاثين عامًا على جريمة الأنفال، لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الجمعية لشعب كوردستان. ثلاثة عقود وثمانية أعوام مرّت، لكنها لم تنجح في إغلاق الجرح أو تخفيف ثقل الفقد. فالمقابر الجماعية ما زالت شاهدة، والعوائل ما زالت تحمل أسماء أبنائها الذين غابوا، والذاكرة ما زالت حيّة كأن الزمن لم يمر. إن مرور هذه السنوات الطويلة لا يُسقط الحقيقة، بل يرسّخها أكثر، ويجعل مطلب العدالة والتعويض والاعتراف أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لهذا فإن الأنفال ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل اختبار دائم لمفهوم العدالة في الحاضر: هل يمكن إنصاف الضحايا فعلاً، والاعتراف بالجريمة، ومنع تكرارها، لا بالقول فقط بل بالفعل؟

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top