م. أحمد زيبار
في مطلع عام 1962، وصل إيلي كوهين إلى دمشق بهوية سورية مزوّرة باسم «كامل أمين ثابت»، مقدّماً نفسه بوصفه رجل أعمال سورياً ثرياً عائداً من الأرجنتين. غير أن هذه الشخصية لم تكن سوى غطاءٍ لمهمة استخبارية إسرائيلية، سرعان ما تحولت إلى واحدة من أشهر عمليات الاختراق الاستخباري في تاريخ المنطقة.
لم يكتفِ كوهين بالعيش في دمشق متخفياً، بل عمل على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات سياسية واقتصادية وعسكرية نافذة. واستفاد من المال والمجاملات والعلاقات الاجتماعية في الاقتراب من دوائر القرار، حتى أصبح قريباً من شخصيات مؤثرة في الدولة وحزب البعث والجيش. وكان الهدف من تلك العلاقات أبعد بكثير من بناء مكانة اجتماعية؛ فقد جعل منها وسيلةً للوصول إلى معلومات حساسة تتعلق بالجيش السوري والتحصينات العسكرية ومواقع القوات والأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد، ثم نقل ما جمعه إلى الجهة التي أرسلته. واللافت في هذه القصة أن الخطر لم يكن في وجود شخص غريب داخل البلاد فحسب، وإنما في الثقة التي تمكن من اكتسابها، والمواقع التي استطاع الاقتراب منها، والمعلومات التي أصبح قادراً على الوصول إليها.
وفي يناير/كانون الثاني 1965، انكشف أمره وأُلقي القبض عليه في دمشق أثناء قيامه بنشاطه الاستخباري. وتذكر الروايات التاريخية أنه ضُبط أثناء إرساله رسالةً لاسلكية مشفّرة إلى الجهة التي كانت تدير مهمته. وبعد محاكمته أُدين بالتجسس، وصدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفّذ الحكم في دمشق في 18 مايو/أيار 1965.
لكن أهمية قصة إيلي كوهين لا تتوقف عند شخصه، ولا عند الصراع السوري الإسرائيلي في تلك المرحلة؛ فالقضية الأوسع التي تطرحها هذه القصة هي خطر الاختراق حين يتحول إلى علاقات وثقة ونفوذ، قبل أن يتحول إلى معلومات. فمثل هذه الأنشطة ليست مرتبطة بزمن محدد، ولا بدولة بعينها، ولا بحركة أو حزب أو تنظيم دون غيره. ويمكن أن تظهر، بأشكال مختلفة، في دول ومجتمعات وحركات وتنظيمات سياسية متباينة، خصوصاً عندما تتوافر بيئة تسمح باستغلال الثقة، أو المال، أو النفوذ، أو الحاجة إلى العلاقات والوجاهة. والخطر هنا لا يقتصر على سرقة المعلومات؛ فالاختراق المنظم قد يمتد إلى التأثير في القرار، ومعرفة موازين القوى، واستغلال نقاط الضعف، وإرباك المؤسسات، وزرع الشك داخل المجتمع، وتحويل العلاقات الشخصية إلى أدوات تخدم مصالح خارجية.
ولهذا ينبغي النظر إلى هذه القضايا بوعي يتجاوز الحكاية التاريخية أو الإثارة السياسية. فالدول والمجتمعات لا تُهدَّد فقط بما يأتيها من الخارج بصورة واضحة، وإنما قد تُهدَّد أيضاً بما يدخل إليها متخفياً في صورة صديق، أو مستثمر، أو شخصية اجتماعية، أو صاحب نفوذ، ثم يجد طريقه تدريجياً إلى دوائر الثقة والتأثير.
فالوعي بخطر الاختراق ليس اتهاماً للناس، ولا دعوةً إلى الشك في الجميع، بل هو وعيٌ بضرورة بناء مؤسسات تميّز بين الثقة الشخصية والمسؤولية العامة، وتحمي المعلومات والقرار من أن يصبحا رهينةً لعلاقات لا تخضع للرقابة والمساءلة. فأخطر الاختراقات ليست دائماً تلك التي تقتحم الأبواب بالقوة، بل تلك التي تدخل من الأبواب المفتوحة باسم الثقة. والاختراق قد يأتي من جهةٍ معادية، وقد ينشأ من داخل البيئة نفسها حين تتحول بعض العلاقات أو الولاءات إلى قنواتٍ تخدم أجنداتٍ خارجية. ويبلغ الخطر ذروته حين يمتد إلى مواقع القرار، أو يصبح صاحب القرار نفسه جزءاً من منظومةٍ تخدم مصالح لا تنسجم مع مصالح شعبه.
وفي مرحلةٍ حساسة تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط، وفي قلبها كردستان، تتضاعف الحاجة إلى الوعي وحسن التقدير؛ إذ قد تتبدّل الوجوه والخطابات، ويُستغلّ القرب والثقة لزرع الانقسام واليأس وإضعاف الإرادة. لذلك، ليست الحكمة في الشك بالجميع ولا في الثقة بالجميع، بل في قراءة المواقف من خلال الأفعال، ومعرفة مَن نأتمنه على ثقتنا ومصالحنا. فالحذر ليس سوء ظن، والثقة ليست غفلة؛ وبينهما وعيٌ يحول دون أن تتحول الطيبة إلى ثغرة، والثقة إلى نقطة ضعف. ولا ينبغي استبعاد وجود مثل هذه الحالات في أي موقعٍ أو زمان؛ فاليقظة مسؤوليةٌ دائمة تفرضها حماية المصالح والأمن والاستقرار.
وأقول أخيراً: ما خلا عصرٌ مِنْ مَنْ امتهنوا هذه المهنة، لكن التاريخ لا يساوي بين مَن جعل روحه فداءً لوطنه، ومَن جعل نفسه أداةً في أيدي أعدائه؛ فبينهما برزخٌ لا يُجتاز. كلاهما يكتبه التاريخ، لكن الأول في سجلّ الخلود، والآخر في سجلّ الخزي والعار.
بريمن – 28.08.2026
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






