لن يقتلوا كوردستان بقتل أبنائها

تكبير الصورة

د. محمود عباس

الرحمة للشهيد حسن كلش والعزاء لعائلته وطلابه وأحبّته. لكنّ الوفاء له يفرض مواجهة المناخ الذي يسمح للخاطف بالقتل، وللتكفيري بالتباهي بالإهانة، وللعنصري بالتحريض على شعبٍ كامل. لن تصبح جنازاتنا أخبارًا عابرة، بينما يواصل دعاة الكراهية عملهم تحت رايات الدين والوطن.

من قتل حسن كلش؟ سؤالٌ لا يجوز دفنه تحت عبارة «جهات مجهولة». وفي مواجهة المناخ المعادي للوجود الكوردي، يجب تسمية داعش وخلاياها، والجماعات التكفيرية، وبقايا البعث، والعروبيين العنصريين، وفضح خطابهم وممارساتهم. تختلف عقائد هذه القوى ومصالحها، لكنها تلتقي كلّما حوّلت الحقوق الكوردية إلى تهمة، والتعدّد إلى خطر، والإقصاء إلى سياسة. التكفيري يجرّم المختلف باسم الإيمان، والبعثي يجرّمه باسم القومية، والعنصري يطالبه بالتخلّي عن هويته كي يقبله في الوطن.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

تركيا وأجهزتها الأمنية، وإيران وأجهزتها وشبكات نفوذها، في صلب المساءلة السياسية عن محاربة الحقوق القومية الكوردية. ولا تنتهي المواجهة عند المنفّذ؛ تمتدّ إلى المموّل والموجّه ومن يمنحه الحماية. المطلوب كشف صلات الجماعات المسلحة بهذه الأجهزة، وفضح كلّ طرفٍ محلي يضع أرضه ومجتمعه في خدمة أنقرة أو طهران. تعدّد الرايات لا يُسقط المسؤولية، وسرّية العلاقة لا تمنح أصحابها حصانة؛ وتحديد هذه الصلات هو ما يحوّل الاتهام إلى إدانةٍ يصعب التهرّب منها.

والسلطة السورية الانتقالية ليست خارج هذه المواجهة. كلّ جماعة تكفيرية أو مسلّحة تتستّر بمؤسساتها، وكلّ محرّض يحتمي بصفة رسمية، يضعان السلطة أمام مسؤولية مباشرة لا تُمحى ببيان استنكار. المطلوب كشف هؤلاء، ونزع الحماية عنهم، وإعلان مواقعهم وصلاتهم. الغطاء الحكومي لا يطهّر تاريخ الفصيل، ولا يحوّل الترهيب إلى عملٍ مشروع.

من اغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي، إلى قتل سامي شيخموس حسو، المعروف بـ«سيبان»، والتنكيل بجثمان دينيز جيا، والغدر بالمقاتلين الكورد بعد اتفاق الشيخ مقصود، وصولًا إلى حسن كلش، تتراكم في الذاكرة الكوردية وقائع لا يجوز دفنها تحت تبدّل السلطات والرايات. وتكشف هذه الوقائع الأثر المتراكم للقتل والتنكيل: إخافة الكورد من البقاء، وإضعاف ثقتهم بالحماية، وتحويل هويتهم إلى مصدر تهديد لحياتهم.

وهنا تلتقي الجريمة مع التحريض الذي يغذّيه العروبيون العنصريون ومروّجو خطاب البعث والجماعات التكفيرية. من يروّج أن الكورد غرباء عن الجزيرة، ومن يحرّض على رموزهم وحقوقهم، ومن يقدّم وجودهم السياسي خطرًا يجب اقتلاعه، يهيّئ الأرض لقبول الاعتداء عليهم. الكلمة التي تنزع عن شعبٍ حقّه في أرضه تمهّد لتسويغ طرده منها، والمحرّض لا يصبح بريئًا عندما ينتقل التهديد من الصفحة إلى الشارع.

لن نسمح بأن تصبح خلافات الحراك الكوردي ممرًّا لاستباحة شعبه. على القيادات أن تواجه مسؤوليتها، حماية الناس، وتوحيد الموقف أمام الخطر، وفضح المحرّضين، وتوثيق الجرائم، ومنع تحويل المكتسبات إلى ملكيات حزبية يتنازعون عليها بينما تُهدَّد حياة أصحابها. داعش وخلاياها لا تنتظر مصالحة الأحزاب، والقوى الإقليمية تستثمر كلّ ثغرة نتركها. لا قيمة لزعامةٍ تعجز عن جمع الكورد دفاعًا عن حقّهم في الحياة والبقاء.

ونداؤنا إلى العرب وسائر مكوّنات المنطقة، واجهوا العروبيين العنصريين والتكفيريين الذين يتحدثون بأسمائكم. هؤلاء يحوّلون مطالبكم بالأمن والخدمات والكرامة إلى تعبئة ضدّ جيرانكم، ثم يتركونكم أمام البؤس نفسه. لا تمنحوهم حربًا بين الكورد والعرب تخدم مشاريع إخضاع الطرفين. رفض التحريض دفاعٌ عن حقّكم في القرار، وحمايةٌ لمجتمع يريد تجّار الفتنة تحويله إلى ساحة اقتتال. حماية التعايش تحتاج إلى قوةٍ وموقف؛ وترك العنصرية تتمدّد باسم تجنّب الصدام يترك الضحايا وحدهم.

الحكمة ليست تخديرًا للناس، والسياسة ليست تدريبًا على قبول الإذلال. نختار التفاهم لأننا نريد حياةً مشتركة، ونتمسّك بالأخوّة لأننا نرفض تحويل المجتمع إلى ساحة قتل؛ لكننا لن نحذف كوردستان من لغتنا، ولن نتنازل عن حقوق شعبها لإرضاء أنقرة أو طهران أو أدواتهما. ولن نقبل أن يحدّد داعش معنى إيماننا، أو يحدّد البعث معنى وطننا، أو يفرض العنصري شروط انتمائنا.

لن تتحوّل جنازاتنا إلى طريقٍ لإخلاء غربي كوردستان. ولن يصبح خوف العائلات وسيلةً لقتل حلم العودة والشراكة والحرية. من يريد للكورد أن يختاروا بين إنكار أنفسهم والرحيل، عليه أن يواجه شعبًا يرفض الخيارين، سنبقى، وسندافع عن وجودنا، ولن نمنح الجريمة حقّ تقرير مستقبلنا.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية
10/10/2026م

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top