نبيل عبد الأمير الربيعي
في العاشر من تشرين الأول، تحل ذكرى رحيل المؤرخ والجغرافي والباحث والمترجم الكوردي كريم زند (1924–2017)، الذي ترك بصمة في الثقافة الكوردية من خلال اهتمامه بالتاريخ والجغرافيا والتأليف والترجمة، جامعاً في مسيرته بين المعرفة الأكاديمية والانتماء الوطني، ومكرساً جهده لتوثيق جوانب من تاريخ كوردستان وتراثها.
ولد كريم محمد صالح سليم زند في مدينة السليمانية عام 1924، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها، ثم تخرج في دار المعلمين ببغداد عام 1944. وخلال سنوات دراسته، انضم إلى حزب هيوا أحد التنظيمات القومية الكوردية آنذاك، وارتبط بمجموعة من الطلبة والناشطين، وكان المناضل صالح اليوسفي مسؤولاً عن الطلبة في تلك المرحلة.
شكلت مشاركته في تجربة جمهورية كوردستان في مهاباد، التي أُعلنت عام 1946 بقيادة القاضي محمد، محطة بارزة في حياته. فقد عمل في مجال التعليم، وأسهم في التدريس باللغة الكوردية، في تجربة عكست أهمية اللغة في بناء الهوية الثقافية والوطنية. وبعد سقوط الجمهورية عام 1947، غادر مع الملا مصطفى البارزاني ورفاقه إلى الاتحاد السوفيتي، حيث واصل توسيع معارفه، قبل أن يكرس جانباً كبيراً من حياته للبحث والتأليف والعمل الثقافي.
ترك كريم زند نتاجاً فكرياً متنوعاً، شمل أكثر من خمسة وثلاثين كتاباً في التاريخ والجغرافيا الكورديين، فضلاً عن مؤلفات أخرى وعشرات المقالات. وقد أسهم هذا النتاج في رفد المكتبة الكوردية بمواد بحثية تتصل بتاريخ الشعب الكوردي وجغرافيته وتراثه، بما يجعل أعماله جديرة بالدراسة والتوثيق وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
ومن الأعمال ترجمته الإنجيل إلى اللغة الكوردية، وهو إنجاز يعكس اهتمامه باللغة بوصفها أداة للتعبير الثقافي والتواصل بين الشعوب. فالترجمة لا تقتصر على نقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل تفتح المجال أمام التفاعل المعرفي، وتمنح اللغة إمكانات أوسع لاستيعاب النتاج الفكري والإنساني.
وحظيت مؤلفاته بالتقدير في الأوساط الثقافية، وتشير روايات منشورة عن سيرته إلى أن الكاتب البريطاني جيفري آرشر بعث إليه رسالتي تقدير بشأن بعض أعماله. كما كرمته جمعية الثقافة الكوردية في سبعينيات القرن الماضي، خلال فترة تولي المناضل صالح اليوسفي رئاسة الجمعية واتحاد أدباء الكورد. ونال زند ميدالية الملا مصطفى البارزاني بعد انتفاضة عام 1991.
من التفاصيل اللافتة في سيرته قبعة ظل يرتديها عقوداً طويلة؛ إذ ذكر في إحدى مقابلاته التلفزيونية أنها هدية من القاضي محمد، الذي تلقاها بدوره من عبد القادر النهري. وتكتسب هذه الحكاية دلالتها من ارتباطها بذاكرة جمهورية كوردستان في مهاباد وشخصياتها، لتغدو تفصيلاً شخصياً يحتفظ بصلته بمرحلة تاريخية مهمة.
في العاشر من تشرين الأول عام 2017، توفى كريم زند في منزله بمدينة السليمانية، عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، بعد مسيرة امتدت بين التعليم والعمل الوطني والبحث والتأليف.
إن استذكار كريم زند يتجاوز استعادة سيرة شخصية ثقافية؛ فهو مناسبة للتأكيد على أهمية توثيق تاريخ كوردستان وصيانة تراثها، والاهتمام بالباحثين الذين جعلوا من الكتابة والبحث وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية. كما أن إعادة نشر مؤلفاته ودراستها تمثل خطوة ضرورية لتعريف الأجيال الجديدة بإسهاماته، وإبقاء منجزه حاضراً في المشهد الثقافي.
رحل كريم زند، وبقيت سيرته شاهداً على ارتباط المعرفة بالهوية، وعلى دور المؤرخ والمثقف في حفظ ذاكرة شعبه. الرحمة لروحه، والتقدير لإرثه الفكري والثقافي، ولتبقَ أعماله حاضرة في ذاكرة كوردستان ومكتبتها.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






