سيلفي مع المرحوم

تكبير الصورة
قصة ساخرة بقلم: كنعان بليج

 

قضى الرفيق أبو آزاد أربعين عاماً من عمره في النضال. حمل البندقية حين كانت البندقية لغة الثورة الوحيدة، وحمل الشعارات حين أصبحت الشعارات أكثر فتكاً من الرصاص، ونام في الجبال على صخرة، وفي المخيمات على حصيرة، وفي سنواته الأخيرة على سرير متهالك في غرفة رطبة لا تدخلها الشمس إلا بالخطأ.

 

كان أبو آزاد يؤمن بأن الرفاق عائلة لا يفرقها الموت، وأن التضحية لا تضيع، وأن الذين تقاسموا رغيف الخبز اليابس في أيام الثورة لن ينسوا بعضهم حين تصبح الموائد عامرة.

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.
لكنه لم يكن يعرف أن الذاكرة الحزبية تشبه بطارية الهاتف؛ تفرغ بسرعة حين لا يكون هناك ما يستحق التصوير.

 

عندما اشتد به المرض، اتصل بأحد رفاقه القدامى، الذي أصبح عضواً في القيادة، وطلب منه أن يزوره.

 

قال الرفيق القيادي لمساعده:

 

— من هذا؟

 

— الرفيق أبو آزاد، يا سيدي، من رفاق الجبال القدامى.

 

— أبو آزاد؟!

 

قالها الرجل كأنه يحاول تذكر اسم مطعم تناول فيه الغداء قبل عشرين عاماً.

 

ثم أضاف:

 

— أخبره أنني مشغول باجتماعات مهمة، وسأزوره قريباً.

 

وكانت كلمة «قريباً» في قاموس الحزب تعني زمناً أطول من عمر المريض.

 

اتصل أبو آزاد برفيق آخر، ثم بثالث، ثم رابع. بعضهم لم يرد، وبعضهم ردّ بحجة أنه خارج البلاد، وبعضهم كان خارج البلاد فعلاً، لكنه لم يكن خارج متناول الإنترنت، إذ ظهر بعد دقائق في صورة من مطعم فاخر، يرفع كأس العصير إلى جانب مجموعة من المسؤولين الجدد.

 

أما الرفيق الذي كان يردد يوماً: «نموت معاً أو نحيا معاً»، فقد غيّر رقمه، وربما غيّر رأيه أيضاً.

 

مات أبو آزاد في صباح شتوي بارد، وحيداً، إلا من صورة قديمة معلقة على الجدار، يظهر فيها شاباً يحمل بندقية، ويبتسم ابتسامة رجل لم يكن يعرف بعد أن أصعب المعارك ليست معارك التحرير، بل معارك الحصول على زيارة من رفاق الأمس.

 

دُفن الرجل في مقبرة صغيرة عند أطراف المدينة. لم يحضر جنازته سوى عدد قليل من الجيران، ورجل مسنّ كان قد تقاسم معه الخبز في سنوات المنفى، وطفل لا يعرف من الميت شيئاً، لكنه جاء لأن أمه طلبت منه حمل إبريق الماء.

 

مرّ أسبوع.

 

ثم أسبوعان.

 

ثم شهر.

 

لم يتذكر أحد أن أبا آزاد مات، باستثناء صاحب الدكان الذي بقي يطالب ابنه بدين قديم، والبلدية التي أرسلت إنذاراً بشأن رسوم القبر.

 

وفي الذكرى الأربعين لوفاته، قرر أحد المسؤولين الحزبيين زيارة المقبرة.

 

لم يكن الرجل من رفاق أبي آزاد المقربين، ولم يشاركه يوماً خندقاً أو رغيفاً، لكنه كان ذكياً بما يكفي ليعرف أن الموتى لا يصوتون، ومع ذلك يمكن أن يمنحوا الأحياء بعض الإعجابات.

 

وصل بسيارته الحديثة، ونزل منها مرتدياً معطفاً أنيقاً ونظارات سوداء، يرافقه مصور شاب يحمل هاتفاً من أحدث طراز.

 

وقف أمام القبر، وتأمل الاسم المكتوب على اللوحة الرخامية، ثم قال للمصور:

 

— انتظر، يجب أن نختار زاوية مؤثرة.

 

اقترب من القبر، ووضع باقة ورد حمراء فوقه. حرّكها قليلاً إلى اليمين، ثم أعادها إلى اليسار، قبل أن ينحني بجانب القبر ويبتسم ابتسامة حزينة، من النوع الذي يحتاج إلى تدريب طويل أمام المرآة.

 

قال للمصور:

 

— التقط الصورة الآن، لكن انتبه! أريد أن يظهر القبر والورد ووجهي. لا تقصّ شيئاً.

 

التقط الشاب الصورة.

 

نظر المسؤول إليها، ثم طلب إعادة التصوير.

 

— وجهي يبدو سعيداً أكثر من اللازم.

 

— لكنك تبتسم يا سيدي.

 

— إذن اجعلها ابتسامة حزينة.

 

أُعيد التصوير ثلاث مرات، حتى حصل الرجل على الصورة التي تجمع بين وقار المناضل ووسامة المسؤول ودموع لم تجد ضرورة للنزول.

 

ثم فتح حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر الصورة مع العبارة التالية:

 

«لن ننساك ما حيينا! ستبقى حياً في قلوبنا، أيها المناضل الكبير، رفيق الدرب والكفاح. نم قرير العين، فقد أوفينا العهد».

 

لم تمر دقائق حتى بدأت التعليقات تنهال:

 

«رحم الله شهداءنا ومناضلينا الأبطال».

 

«أنتم أوفياء دائماً».

 

«قائد وإنسان، ما أروع هذه المبادرة!».

 

«هكذا يكون الوفاء، لا كما يفعل الآخرون».

 

ووضع أحدهم قلباً أحمر، ووضع آخر باقة ورد افتراضية، بينما كتب ثالث: «أين كنتم طوال السنوات الماضية؟».

 

حُذف التعليق خلال ثوانٍ، ثم حُظر صاحبه.

 

في المساء، جلس المسؤول في مكتبه، يتابع عدد الإعجابات، ويبتسم كلما ارتفع الرقم.

 

دخل مساعده وسأله:

 

— سيدي، هل كنت تعرف المرحوم جيداً؟

 

رفع المسؤول رأسه عن الهاتف، وفكر قليلاً.

 

— طبعاً! رجل عظيم، ومناضل لا يُنسى.

 

— هل عملت معه في الجبال؟

— ربما.

— هل شاركته الخبز في المعتقل؟

 

— لا أتذكر التفاصيل يا بني. المهم أنني كنت وفياً له.

 

صمت المساعد لحظة، ثم قال:

 

— لكن يا سيدي، هناك من يقول إن المرحوم كان يتصل بكم طوال أشهر مرضه، ولم تجيبوا عنه.

 

تغير وجه المسؤول، ووضع الهاتف على الطاولة.

 

— اسمع، هناك فرق بين الوفاء الشخصي والوفاء العام.

 

— وما الفرق بينهما؟

 

اعتدل المسؤول في كرسيه، كأنه يستعد لإلقاء محاضرة سياسية:

 

— الوفاء الشخصي يكلّفك زيارة، ووقتاً، وربما بعض المال. أما الوفاء العام فيكفيه منشور جيد وصورة واضحة.

 

هزّ المساعد رأسه بإعجاب، ودوّن العبارة في دفتر صغير، فقد وجد فيها حكمة تصلح لمرحلة جديدة من النضال.

 

بعد أيام، زار المسؤول قبر مناضل آخر، كان قد مات قبل سنوات ولم يتذكره أحد.

 

اشترى باقة ورد أكبر، واصطحب معه مصوراً محترفاً هذه المرة، ونشر صورة جديدة كتب تحتها:

 

«لن ننساك ما حيينا!».

 

وبعد شهر، زار قبراً ثالثاً، ثم رابعاً.

 

تحولت المقابر إلى محطات في برنامجه الإعلامي، وتحول الموتى إلى شركاء في حملته الدعائية، من دون أن يطالبوا بحصة من الموازنة أو مقعد في القيادة.

 

أما أبو آزاد، فقد بقي في قبره، تحت باقة الورد التي ذبلت بعد يومين.

 

وفي صباح اليوم الثالث، مرّ عامل المقبرة، رفع الباقة اليابسة، ووضعها جانباً.

 

نظر إلى صورة أبي آزاد على اللوحة، وقال بحزن:

 

— مسكين! يبدو أنك كنت مهماً جداً بعد موتك.

 

ثم تابع عمله.

 

وفي مكان ما من المدينة، كان المسؤول يراجع عدد الإعجابات على صورته الأخيرة، ويستعد لزيارة قبر جديد.

 

فقد اكتشف أخيراً أن الموتى هم أفضل الرفاق: لا يعاتبون، ولا يطلبون المساعدة، ولا يفضحون أسرار الماضي، ولا يسألون أين كنت حين كنت أحتضر.

 

كل ما يحتاجونه باقة ورد، وهاتفاً جيداً، وعبارة تصلح للنشر


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top