هل يَسترد الكاتب عرش المعنى في عصر الاجتياح الرقمي؟

تكبير الصورة
مصطفى بوغازي / الجزائر 
حين يمسك الكاتب بقلمه اليوم، فإنه لا يكتب على بياض الورق فحسب، بل يخطّ خطاه على حافة هاوية تتسع يوماً بعد يوم، ليكون السؤال الوجودي الثقيل حاضراً بكل قسوته: هل على الكاتب أن يقدم  شهادة البصمة الوراثية لما يكتبه وان  المنجز هو من نسج روحه، لا من خوارزميات صممت أن  تحاصر  النبض البشري ونحن نعيش في عصر العولمة التقنية للكلمة؟ عصر تتسلط فيه شركات التكنولوجيا العملاقة على خزائن المعرفة البشرية، مستبيحةً تراث قرون من التأمل والألم والفرح، لتغذي بها وحوشاً رقمية تستهلك طاقة الأرض ومواردها، وتستعد في غفلة من التاريخ لإزاحة صانعها عن منصة الوجود. وهنا تتجلى بصرامة نبوءة الكاتبة الهندية “أرونداتي روي”، حين تقارن إمبراطوريات التكنولوجيا بالاستعمار القديم؛ استعمار لا يرفع الرايات العسكرية، بل يحمل سوط الخوارزميات، حيث تتركز الأرباح الفلكية في أيدي القلة، بينما يتحمل الإنسان العادي، والكائن الحي، وكوكب الأرض بأسره، كلفة هذا الاستنزاف البشع.
 وسط هذا الصخب الرقمي, يتسلل  إلى النفس سؤال مربك يتردد صداه في أعماق الوعي: هل سيتشكل الإبداع الإنساني الأدبي في وعاء واحد؟ أبات الذكاء الاصطناعي مهندساً أوحد للنصوص، ينحت جماليات مستمدة من تراث الأولين والحاضرين، ليصوغ بهاءً مصطنعاً يفقد فيه النص روحه البكر؟ حين تصبح الآلة قادرة على محاكاة أعتى الأساليب الأدبية، وتوليد نصوص مطرزة بالبلاغة في أجزاء من الثانية، فإنها تفرض طغيانيّة معيارية تنذر بتوحيد النصوص وإفراغها من فرادتها البيولوجية والنفسية، فهل يوشك عصر التميز الفردي أن ينتهي؟ وهل تفقد التناصات والتجليات الفكرية معاييرها الجمالية العميقة، لتصبح مجرد استدعاءات إحصائية لا تملك من العاطفة سوى صداها؟ إن الخطر الأكبر لا يكمن في قدرة الآلة على تقليد الأسلوب، بل في نزع الندرة الإنسانية من النص، هذا النص الأدبي الأصيل الذي لم  يكن مجرد صفّ محكم للجمل، بل هو وثيقة دم، وتاريخ شخصي، وخلاصة تجربة لا تتكرر في خريطة الوجود.
لكن، هل يُعد هذا الاندحار الرقمي قدراً محتوماً؟ أم إنه الإعلان الضوئي عن ضرورة ميلاد أفكار جذرية جديدة غير مسبوقة؟ ربما يكون هذا الطغيان التقني هو التحدي الأعظم والأقسى الذي يواجه الوعي البشري عبر التاريخ، فالآلة، مهما بلغت من براعة في المحاكاة، تظل عاجزة عن ارتكاب الخطيئة الكبرى للإبداع: الألم الحي، والخوف من الموت، والدهشة العميقة أمام عبثية الوجود، فالآلة تحسب ولا تتألم، تجمع ولا تختبر الفجيعة. لذا، فإن مستقبل الأدب لن يُصان بالهروب من التقنية، بل بفرار الإنسان نحو مناطق العتمة القصوى في روحه؛ تلك المناطق التي تعجز الخوارزميات عن استيطانها، إذ إننا مطالبون اليوم بإعادة تعريف الكتابة باعتبارها فعلاً مقاوماً، وصوتاً بشرياً عارياً يرفض أن يُختزل في معادلة رقمية أو يُستبدل بمنتج معولم.
أهو إذن أذان بانتهاء عصر الكاتب؟ أم إرهاصات لبداية كاتب جديد، أشد وعياً، وأعمق جرحاً، وأكثر تمسكاً بإنسانيته المهددة؟ إن الكلمة الآن لم تعد مجرد أداة للتعبير الخفيف، بل أضحت آخر القلاع التي إما أن يحميها الإنسان بدمه وروحه، أو يسلّمها للآلة لتكتب، على قبره، خاتمة التاريخ البشري.

اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top