شروق أحمد
هناك دول تراهن على بناء الدولة وعلى الحضارة والتقدم والمنفعة الاقتصادية لشعوبها، وهناك دول تكذب على شعوبها وتتفنن بالمناورة على مناصريها، والمثال الأهم هو ملف إيران الذي صدعت رؤوسنا الدول العربية على أنها الخطر الوجودي، وسوقوا لشعوبهم أن الخطر هو إيران وفي بعض الأحيان كانوا يصرخون ليلاً نهاراً لإسقاط النظام الفاشي في إيران لأنهم كانوا على قناعة أن الغرب ليس جاهزاً يوماً لإسقاط النظام في طهران، لذلك كانوا يحضرون خطاباتهم كلها بشكل شاعري ليدغدغوا مشاعر شعوبهم عن الخطر الإيراني، بل وكانوا يكذبون وهم يعلمون أنهم أذا حلت ساعة الحقيقة سيحاولون إنقاذ النظام البالي في طهران، واليوم تكشفت هذه الألاعيب التي حبكوها طوال العقود الماضية وباتوا يتوسلون ترامب للإبقاء على النظام المتعفن في سدة الحكم، وهو في النهاية سيكون رهان خاسر وسوف ينصدم العرب بسقوط النظام المدوي وأصدائه التي ستهز المنطقة عن بكرت ابيها.
ومن ملف إيران إلى الملف الإسرائيلي والرهان على السمك في البحر، والخطط الذي وضعتها المنطقة على أساس أن نتنياهو سيسقط في الانتخابات الإسرائيلية والتعامل مع الانتخابات البرلمانية في إسرائيل وكأنها إحدى الانتخابات الصورية التي عادة ما تجري في الدول العربية، واليوم هذا الوهم سقط في مهده ، كانت القنوات الإخبارية العربية والخليجية تأتي بأرقام مراكز استطلاعات الرأي اليسارية في إسرائيل وكأنها النتيجة النهائية، وكل المحللين على تلك القنوات صدعوا رؤوسنا مرة أخرى كيف أن نتنياهو في ورطة و أنه سيقُدم على ضرب إيران لأنه في ورطة داخلية وأنه سيهرب من الانتخابات والمحاكمات الداخلية، يحللون بعقلية الحاكم العربي والحاكم الأوحد الذي يختلق المشاكل في الداخل للهرب من مسؤولياته، ولكن الحقيقة التي تكشفت أن القنوات العربية والخليجية معاً يعبرون دائماً عن تمنيات والأحلام ولا يقرؤون الواقع ولا يحللون المعلومات بشكل علمي وموضوعي وهذا أنعاكس لتفكير الحكام وتمنياتهم وليس تحليل استراتيجي وقراءة موضوعية عن الداخل الإسرائيلي واكبر مثال اليوم صدمتهم بفوز حزب الليكود بالأغلبية في الكنيسيت، صحيح أن الحزب لا يستطيع تشكيل حكومة إلا بائتلاف ولكن في إسرائيل من يحصل على أغلبية الأصوات يكون هو في العادة من يكلف بتشكيل الحكومة لأن الناخبون أعطوه الأكثرية، وكل الأحلام التي بناها العرب وقنواتهم والوعود بالتطبيع عند سقوط نتنياهو وبقدوم المعارضة بقيادة غادي أيزنكوت وبناء مشاريع وأحلام خفض التصعيد والانسحاب من لبنان وسوريا وغزة كانت تبنى على أوهام، وكأن اليسار الإسرائيلي ليس صهيوني بل عربي بأجندات عربية، اليسار يا عزيزي لا يختلف عن اليمين سواء فقط أنه يفتح أذنه للعرب لكسب الحكام العرب لا غير، أما في العقيدة جميع الأحزاب في إسرائيل صهيونية ولا تؤمن بحل الدولتين إلا قلة قليلة مثل يائير غولان. واليوم الصدمة على وجوه الجميع في الوطن العربي شعوب وحكام الذين بنوا كل آمالهم وخططهم على سقوط معسكر الليكود، ولم يضعوا في الحسبان ولا حتى تكهنات في حالة فوز اليمين في إسرائيل، وكأي ملف لا يتحضرون لكل السيناريوهات والاحتمالات التي ممكن أن تحدث، بل يضعون البيض كله في سلة واحدة. وبعد ظهور النتائج غير المتوقعة تراهم ككل مرة يتعاملون معها بردة فعل فقط لا غير، ويتخبطون في كل مرة ولا يتعلمون من النتائج السابقة التي راهنوا عليها وخسروها، كما حصل مع بشار الأسد راهنوا عليه وهو في طريقه إلى سقوط، استقبلوه في القصور وفرشوا له السجاد الأحمر وبعدها بأقل من أشهر سقط نظامه في أسبوع واحد، واليوم نفس الخطأ ونفس الرهانات على جزارين طهران وعلى سقوط نتنياهو، كلها رهانات على فرس خاسر.
وأخيراً اذا أراد هذا الوطن العربي من انتشال نفسه من الهزائم المتكررة وخصوصاً مع إسرائيل، نصيحتي هي اقرأوا مزاج الشارع الإسرائيلي، المجتمع الداخلي وليس تمنيات محللون على قنوات يدفع لهم ليقولوا لكم ما تريدون سماعه، المجتمع الإسرائيلي غير ما يتم تصوريه لكم، هو شعب وإن كان ضاهر لكم يساري علماني، فالغالبية منهم حتى وإن كانوا علمانيين فهم شعب يميل إلى اليمين دائماً، وكفوا عن هرطقات والتسميات التي أسمعها على قنوات خليجية أخباريه تدعي الموضوعية ولكنهم طوال النشرة يطلقون تسميات معادية للسامية مثلا “اليمين الإسرائيلي الفاشي” “اليمين المتطرف” الشعب الإسرائيلي 70% منه يميني، فهل يعني ذلك كلهم يمين متطرف؟ تقربوا من الواقع بدل من الأوهام التي دمرت الشعوب والعقول وحتى النفوس، لا تطلقون أحكام ورهان على مجموعة محللين أو مستشارين يصورن لكم شيء والواقع شيء آخر، حاولوا أن تفهموا الشعب في إسرائيل فالتطبيع بدون تقارب ثقافي وفكري لن يقود إلى سلام أبداً.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






