العيش بكرامة بات حلماً في سوريا

تكبير الصورة

عبدالرزاق محمود عبدالرحمن

لم يعد الفقر في سوريا حالة استثنائية تقتصر على فئات اجتماعية محددة، لكنه أصبح واقعاً يطرق أبواب شرائح واسعة من المجتمع، ويعيد تشكيل حياة الناس وعلاقاتهم وتطلعاتهم. فالمواطن الذي كان يفكر في تحسين ظروفه المعيشية وتأمين مستقبل أبنائه، بات منشغلاً بتدبير احتياجات يومه، وسط ارتفاع الأسعار وتراجع الأجور وانحسار فرص العمل.
ولعل أخطر ما في الأزمة المعيشية أنها لا تستنزف جيوب المواطنين فحسب، بل تستنزف قدرتهم على الاحتمال، وتدفعهم تدريجياً إلى التخلي عن احتياجات كانت تُعد من أبسط مقومات الحياة الطبيعية. فالحصول على الغذاء والدواء والسكن والتعليم لم يعد أمراً ميسوراً لكثير من الأسر، وإنما تحول إلى سلسلة من الحسابات اليومية المؤلمة.
لقد تركت سنوات الحرب آثاراً عميقة في الاقتصاد السوري، وألحقت أضراراً واسعة بالمنشآت الإنتاجية والبنية التحتية، وأضعفت الزراعة والصناعة، ودفعت أعداداً كبيرة من أصحاب الخبرات والكفاءات إلى الهجرة. غير أن استمرار الأزمة لا يمكن تفسيره بالحرب وحدها، فهناك اختلالات إدارية واقتصادية، وضعف في التخطيط والرقابة، وممارسات احتكارية وفساد، تسهم جميعها في تعميق المعاناة وإبطاء فرص التعافي.
إن الغلاء المتواصل، في ظل محدودية الدخل، يخلق فجوة متزايدة بين ما يحتاجه الإنسان وما يستطيع الحصول عليه. وهذه الفجوة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تتركه من آثار على الصحة والتعليم والاستقرار الأسري. فحين تضطر عائلة إلى تقليص وجباتها، أو تأجيل علاج أحد أفرادها، أو إخراج أحد أبنائها من المدرسة للعمل، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود الاقتصاد إلى انتهاك فعلي لمقومات العيش الكريم.
ولا تقل البطالة خطورة عن الغلاء، ولا سيما بين الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام مستقبل غامض. فالعمل ليس وسيلة لكسب الرزق فحسب، بل هو مصدر للاستقلال والثقة بالنفس والشعور بالمشاركة في بناء المجتمع. وعندما تغيب فرص العمل، تتسع دائرة الإحباط، وتتزايد الرغبة في الهجرة، ويخسر الوطن طاقات يحتاج إليها في مرحلة إعادة البناء.
وفي المقابل، يشكل الفساد عائقاً أساسياً أمام أي إصلاح جاد. فالمال العام الذي يُهدر، والفرص التي تُمنح بالمحسوبية، والامتيازات التي تُوزع خارج معايير العدالة، كلها ممارسات تدفع المجتمع نحو مزيد من التفاوت وتضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات. ولا يمكن مواجهة هذه الظواهر بإجراءات موسمية أو شعارات عامة، بل بتطبيق القانون على الجميع، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الشفافية والمساءلة.
إن معالجة الأزمة المعيشية تحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة، تبدأ بإعادة تنشيط الإنتاج الزراعي والصناعي، ودعم المشروعات الصغيرة، وتوفير بيئة اقتصادية تشجع العمل والاستثمار، ولا تنتهي عند تحسين الأجور وتطوير الخدمات الأساسية وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.
ومن الضروري أن تقوم السياسات الضريبية والاقتصادية على العدالة، بحيث تتناسب الأعباء مع القدرة الفعلية على تحملها، وألا يتحول المواطن محدود الدخل إلى الطرف الذي يدفع دائماً ثمن الأزمات. كما ينبغي إعطاء اهتمام خاص للنساء المعيلات، والأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر النازحة، باعتبارها فئات تواجه أعباء إضافية تستوجب حماية اجتماعية حقيقية.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح ناجح دون إشراك المجتمع في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ. فالقرارات الاقتصادية التي تُصاغ بعيداً عن معاناة الناس قد تبدو متماسكة نظرياً، لكنها تفقد قيمتها عندما تعجز عن الاستجابة لاحتياجاتهم الفعلية.
إن سوريا لا تحتاج إلى إعادة بناء منشآتها وطرقها ومؤسساتها فقط، بل تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والجهات المسؤولة، وإلى ترسيخ مفهوم جديد للإدارة العامة، يقوم على اعتبار الإنسان غاية التنمية وليس مجرد رقم في حساباتها.
فالتعافي الحقيقي لا يتحقق عندما تتحسن المؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما عندما يستطيع العامل العيش من أجره، والمريض الحصول على علاجه، والطفل متابعة تعليمه، والشاب بناء مستقبله دون أن تكون الهجرة خياره الوحيد.
إن كرامة الإنسان ليست نتيجة مؤجلة للتنمية، بل هي أساسها ومعيار نجاحها. وأي مشروع للنهوض بسورية لا يبدأ من حقوق المواطن واحتياجاته اليومية سيبقى مشروعاً ناقصاً، مهما كانت الوعود التي يحملها.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top