الأبوجيون أم
الأوجلانيون؟!
هوشنك أوس
حين كنت في زيارتي
الوحيدة، (وأتمنّى أن تتكرر)، لجبال قنديل، صيف 2007، طرحت فكرة للنقاش بين
المقاتلين، مفادها: ان مصطلح الحركة الآبوجيّة، هو مصطلح دخيل، وغريب، وغير لائق
بحركة نضاليّة ثوريّة، تنظر الى نفسها بأنها خلقت نهضة فكريّة، قوامها الفلسفة
والسؤال وجدل الحياة والتغيير والتحرر. وهذه الفكرة، طرحتها على كوادر قياديّة
أيضاً، ذكراً: كيف ولماذا، بات مصطلح الأبوجيّة والآبوجي، رائجاً ومشرعناً
ومستساغاً، مترسّخاً، في أدبيّات وتصريحات، قيادات حزب العمال الكردستاني؟. في حين
أن الشهيد العظيم مظلوم دوغان، وكل القادة الأوائل للعمال الكردستاني، رفضوا هذه
التسميّة/ الاصطلاح، حين طرحها عليهم القاضي، أثناء محاكمات سجن آمد سنة 1982،
ذاكرين: "أننا حزب العمال الكردستاني، ولسنا آبوجيين". وأثناء استفسار
القاضي عن الفرق، اجاب دوغان، بما معناه، وبحسب ما تسعفني الذاكرة، في كتاب
"المقاومة حياة": "الآبوجيّة، مفهوم ريفي، قروي، اطلقه القرويون
علينا، وليس اسمنا الحقيقي، السياسي، الايديولوجي". ويمكن للقارئ والباحث
العزيز، العودة للكتاب المذكور، للتأكد، من رفض مظلوم دوغان، كمال بير، محمد خيري
دورموش…، تسمية الآبوجيين، واصرارهم وتأكيدهم على صفة الانتساب والانتماء لحزب
العمال الكردستاني. زد على ذلك، أن زعيم الحزب نفسه، السيّد عبدالله أوجالان، ولا
مرّة، اطلق وصف الحركة الآبوجيّة على حزبه!. وكلنا نعي وندرك الوزن والثقل
والاهميّة التي يشغلها أوجالان، لدى محازبيه ومناصريه!. لكن، والحال هذه، مَن كرّس
ورسّخ وفلسف هذا الوصف الريفي (الأبوجي) ضمن أدبيّات وأعلام وخطاب وتداولات قواعد
وقيادات حزب العمال الكردستاني؟!، ولماذا؟!.
وحين كان يندهش
المقاتلون من كوني احاول التشكيك في اصطلاح رائج ودراج بينهم، وهم لا يدركون، انه
كان مرفوضاً من الرعيل الأوّل في الحزب، وان أوجالان، لم يؤكد عليه مطلقاً، كانوا
يستاءلون: طيب، والحال هذه، ما هو البديل الذي تراه مناسباً؟. وقبل طرحي للبديل،
شرحت لهم، لماذا رفض دوغان، مفهوم الآبوجي، ليس لأن دوغان لم يكن يحب ويحترم آبو
(الاسم الحركي لأوجالان)، بل لأن هذا الاصطلاح، فضلاً عن كون جذره اللغوي، تركي،
اعتماداً على لاحقة (جي çî) الموجودة في اللغة
التركيّة وحسب، مثال (إيشجي îşçî
/ عامل)، (بيشكجي bîşîkçî). وهنا، يكون
المنتسبون لحزب العمال، وفق الوصف الريفي هذا، ينتسبون لآبو، او التابعين له!.
وبذا، تفقد الحركة، بهذه التسميّة، صفتها السياسيّة، الأيديولوجيّة، النضاليّة،
وتكتسب ما يمكن تسميته مجازاً، صفة العصبة!. وطرحت ان البديل المناسب لهذه
التسميّة، والمنسجم مع الحال والهويّة السياسيّة النضاليّة والفكريّة، ويمكن نسبها
لشخص أوجالان، بصيغة ذات وقع علمي، اجتماعي _ سياسي، بأن يكون الاسم المرادف لحزب
العمال الكردستاني، هو؛ الحركة الأوجالانيّة. أو الأوجالانيزم، إن جاز التعبير،
بدلاً من الحركة الآبوجيّة وآبوجيزم!. البعض، رفض التغيير، وبل شككوا في جدوى
النقاش، رغم ان الأمر، بسيط، لكن ذو دلالة عميقة، بان يتبنّى الحزب، تسمية رفضها
مؤسسوه في قاعات المحاكم سنة 1982!، لجهة مدولالتها التي اتينا على ذكرها!.
ولعمري، ان تكريس وتريسخ
هذه التسمية الريفيّة من قبل قيادات حزب العمال الكردستاني، يمكن إدراجها، في إطار
مساعي التوثين والتأليه التي يمارسونها بحقّ أوجالان، بشكل سطحي، ظنّاً منهم، أنهم
يعبّرون عن ولائهم وارتباطهم العميق به!. ولئن التأثير الفاعل والكبير للحركات
العقيديّة الأيديولوجيّة التي من طينة حزب العمال الكردستاني، على مجتمعات ريفيّة،
كالمجتمع الكردي، يكون قويّاً جدّاً، فأن كل ما يصدر من القيادة، يتلقّفه الموالون
والمناصرون، بقلوبهم وليس بعقولهم. وحين يسعى أحدهم لطرح أسئلة، قد تتسبب في خلق
قلق عقلي، وكأنّ العقل، تعرّض لوخزة كهربائيّة خفيفة، لتنشّط وظيفة العقل، وتخلق صدعاً
في طبقة الدوغما المحطية بالعقل الحزبوي، نرى المناصرين والحزبيين، يهيجون
ويثورون، على من يحاول إدخال بصيص نور لحجرات عقولهم!. لذا، تراهم، ناقمين على
الرأي الآخر، ومتهمين أيّاه بأشنع التهم، أقلّها التخوين.
وفي الآونة الآخيرة،
تفاقمت هذه الحال، لدى اعضاء حزب العمال الكردستاني، بخاصّة منهم، الكرد السوريين،
مع الأسف الشديد. وصار نفر من الموالين للحزب، يصرخ في وجهك، قائلاً:
"المرحلة حساسة، والهجمات كثيرة، والمؤامرات تشتدّ، والاستهداف يزداد…، وأي
نقد الآن، هو مؤذي، وسيخلق ويثير البلبلة، وسيخدم الاعداء، ويعادي القضيّة والشعب
والثورة والحركة…، بالتالي، يرجى إرجاء انتقاد الحركة، لأجل غير مسمّى، حتّى
تنتهي الغمّة وتزول سحب المؤامرات والتواطؤات والاستهدافات!". وسط هذه الحال،
ارتأيت انه من الاهميّة بمكان، الاستعانة، بفقرة "حريّة الرأي"، من
الفصل السادس "أوجالان والمرأة"، من كتاب "خلوة زعيم ومحنته: اضواء
على تجربة عبدالله أوجالان ومراجعاته النقديّة"، الذي قمت بإعداده أثناء
تواجدي في اسطنبول صيف 2010، على أمل أن يعود (الأوجالانيون) لأفكار أوجالان،
للتمعّن فيها، حينئذ، سيدركون كيف أنهم يشتطوّن ويشطحون عن أفكار وتعالم الزعيم
الكردي الأسير، وبل أحياناً، يكونون نقيضها!.
23/1/2012
حريّة الرأي
رغم أن أوجالان دائم
التركيز على الجانب الإيديولوجي، ورغم كل ما يقال عنه؛ بأنَّه "مستبدّ في
رأيه"، و"لا يقبل الرأي الآخر"، و"دكتاتور"…الخ، فإنّه
في كتابه "من دولة الكهنة السومريَّة نحو حضارة ديمقراطيّة"، مع حريّة
الرأي والتعبير، وقبول الآخر، بقوله: "لأنني أعلم أن الحياة تتطلب التنوع
والغنى، فأنا على يقين بأنها لن ترغم على وضع الحدود. يجب تناول كل صاحب موقف
وصاحب رأي، سواء أكان من داخلنا أم من خارجنا، بمنتهى الحبّ والتسامح، ما دام لا
يشكل تهديداً مصيرياً بالنسبة لنا. والنظر إليه واعتبار تمايزه على أنه
مصدر تحوّل وغنى. كما يجب النظر إليه انطلاقاً من مفهوم ونظام وأسلوب أن
الحياة تتحرك بواسطة الإمكانيات والقدرات الطبيعيّة التي تَعِدُ بخلق أجواء حرّة،
وليس التصرف بسلطويّة وبسلوك قمعي". ومراراً يشير أوجالان إلى رفضه
اتخاذ حزبه له كمركز، والتمحور حوله، واختزال القضيّة فيه، موجّهاً كلامه لأعضاء
حزبه بالقول: "أتمنى عدم القيام بأنشطتكم التنظيميّة والتطبيقيّة بشكل
يرتبط بشخصي. لا سيما فيما يتعلق مع ظروفي في الأسر. والشيء الوحيد الذي يجب
أن يحظى باهتمامكم هو وضعكم السليم والمشرّف والناجح، واتخاذكم ذلك أساساً
لحياتكم".
والملفت هنا، أن أوجالان
أحياناً، يقول شيئاً، ويفعل حزب العمال أحياناً خلافه!. لذا، فأنه يكرر شكواه من
رفاقه بأنهم "لا يفهموه"!. وبالتالي، يحمّل المراقب السياسي مسؤولية ذلك
لأوجالان، وهو منها براء. وربما يكون دمج وضع حزب العمال لوضع أوجالان بالقضيّة
الكرديّة، واعتبار ذلك أحد المفاعيل الاستراتيجيَّة لتحريك الرأي العام الكردي
والعالمي حيال القضيّة الكرديّة، هو الذي يدفع بالحزب إلى إثارة وضع زعيمه في كل
لحظة. ذلك أن وجود زعيم كردي كبير، من وزن أوجالان، في الأسر، كفيل ببقاء القضيّة
الكرديّة عالقة وملتهبة. ومسألة تحريره، أو أقلَّه، تحسين أوضاعه، أولويَّة
استراتيجيَّة لدى العمال الكردستاني. إلاّ أن ذلك، لا يبرر التعاطي الفوق-نقدي، إن
جاز التعبير، مع أوجالان، من قبل شرائح واسعة من مناصريه ورفاقه. ما يجعل البعض
يشطح الى كيل التهم بأنّ ذلك اختصار القضيّة بالزعيم، دون أن ننسى الدور الإيديولوجي
والسياسي والتنظيمي لهذا الزعيم في استنهاض القضيّة وتفعليها وتثويرها، خلال كل
مراحل تجربته.
وهذه الخصلة، وأعني؛
تنزيه الزعيم وإضفاء العصمة والقداسة عليه، موجودة في كلّ الأحزاب اليساريّة
والقوميّة والاسلاميّة الشرق أوسطيّة، عربيّة وكرديّة. ولعلّ سيكولوجيَّة
المجتمعات الشرق أوسطيَّة، المتلهِّفة إلى ظهور النبوءات والأولياء والمخلِّصين
والقادة المنقذين…الخ، هي التي تتيح الفرصة أمام هكذا تعاطي.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






