| کوردی
نقاش | هوشنك أوسي | بروكسل | 09.02.2012
ما أن انسحب آخر جندي أمريكي من البلاد، حتى طفا على سطح المشهد العراقي انقسام داخلي حادّ، سرعان ما انتقل إلى خارج الحدود ليأخذ شكل أزمة سياسيّة مع الجارة الشماليّة تركيا.
الخلاف ظهر إلى العلن مع مذكرة الاعتقال التي أصدرها القضاء العراقي بحقّ نائب الرئيس طارق الهاشمي بتهمة "الإرهاب" وهو شخصيّة سنيّة تحظى بدعم الأتراك، ومن ثم تعليق الكتلة "العراقيّة" مشاركتها في العمليّة السياسيّة، وهي بدورها مقرّبة من تركيا.
استهداف حلفاء أنقرة في البلاد دفع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى التحذير في خطاب له أمام البرلمان إن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شجّعت الحكومة في بغداد نزاعاً طائفيّاً. وهو ما استدعى رداً سريعا من نظيره نوري المالكي اتهم فيه أردوغان "بالتدخّل في الشؤون العراقيّة"، وأن أردوغان "يستفز العراقيين جميعاً، شيعة وسنّة".
السجال الدائر بين الطرفين على ملفات داخليّة لا يعدو كونه الرأس الظاهر من جبل الجليد، في حين يقبع مركز الأزمة في مكان آخر، ليس بالبعيد عن عاصمتي البلدين. إذ يعتقد مراقبون بأن شقاقاً جذرياً في تقييم الموقف من الاحتجاجات السوريّة، دفع بهما إلى "حرب التصريحات" هذه.
النفوذ التركي
كانت العلاقات التركيّة _ العراقيّة في السنوات الماضية تسير من جيد إلى أفضل. فدبلوماسيّة أحمد داوود اوغلو النشطة التي لفتت أنظار العالم في السنوات الثمانيّة الأخيرة، بحثت عن دور سريع لها في بغداد فور سقوط تمثال صدام حسين عام 2003، وقد نجحت بالفعل، في التحوّل إلى لاعب أساسي، لا يمكن تجاهله.
وفي فترة تولي المالكي رئاسة الحكومة، وصلت العلاقات بين البلدين إلى ذروتها. ولعب الأتراك دور الوسيط المباشر في العديد من الملفات الداخليّة الساخنة.
وكان صيف 2007 هو فترة التحوّل الأبرز في العلاقة، حين استقال 17 وزيراً سنيّاً من حكومة المالكي، فلجأ الأخير الى أنقرة طالباً الوساطة كي يعدل الوزراء عن قرارهم.
وقتئذ، استجابت تركيا لهذا الطلب، وكان الثمن الذي تقاضته موزّعاً على ثلاثة محاور أساسيّة: تكريس الأتراك كمرجعيّة سياسيّة للمكوّن السنّي والتركماني أولا، وتوقيع المزيد من الاتفاقات الاقتصاديّة مع كلّ من أربيل وبغداد ثانياً، وغضّ الطرف عن عمليّات القصف المدفعي والتوغّل البري للقوات التركيّة عند ملاحقتها عناصر حزب العمال الكردستاني على الحدود مع إقليم كردستان.
وعلى الرغم من بعض الملفّات التي عكّرت صفو العلاقة، وأبرزها "التعديّات المائيّة" التركيّة على نصيب العراق من ثرواته في نهري دجلة والفرات، إلا أن التواصل بين الطرفين، حافظ على وتيرته المتصاعدة، ووصل إلى إبرام 50 اتفاقيّة على كافّة الأصعدة، منها اتفاقيّة تأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، تشكّل في تموز (يوليو) 2009.
طوال تلك الفترة، كان الأتراك ينجحون في تثبيت ثقلهم من خلال دعم أطراف أساسيّة في بغداد (سنيّة في معظمها) وكذلك بلعب ورقة الاقتصاد وضخّ المزيد من الاستثمارت في الشمال بشكل رئيسي.
وبحسب البيانات الرسمية، فان تركيا، هي الشريك الاقتصادي الثاني للعراق بعد ايران، إذ وصل حجم تجارتهما الثنائية عام 2011 لحد 11 مليار دولار وقفز بنسبة 50% عن العام السابق، علما أن قرابة ثلثي الاستثمارات في إقليم كردستان.
أبرز ما يميّز سياسة "العثمانيين الجدد" اعتمادها على خلق حالة من "توازن الضغط الدائم" على كل من بغداد وأربيل، فإن توتّرت العلاقة مع الأولى شهدت تحسّناً من الثانية، والعكس صحيح، ما يضمن الحصول من الطرفين على أكبر قدر ممكن من المكاسب.
وكان آخر مشاهد الحضور التركي في الأزمات العراقيّة مع نهاية العام 2010، حين بذلت تركيا مساعٍ حثيثة في إقناع "القائمة العراقية" بقبول نوري المالكي رئيساً للحكومة، وفق اتفاق إطار لتقاسم السلطة عقد في أربيل.
وعاد أردوغان في نهاية آذار (مارس) الماضي وتوج حصيلة انجازاته السياسيّة بزيارة إلى العراق على رأس وفد ضمّ وزراء الخارجيّة والطاقة والموارد والتجارة والصناعة و200 من رجال الإعمال، التقى خلالها كبار المسؤولين في بغداد وإقليم كردستان، مفتتحاً مطار أربيل الدولي الذي أشرفت على تنفيذه شركة تركيّة.
ما الذي تغيّر؟
في الأيّام التي كان أردوغان يزور فيها العراق، كانت بوادر انتفاضة شعبيّة تظهر في جنوب سوريا، سرعان ما وصلت شرارتها إلى مناطق واسعة أخرى من البلاد.
الانتقاضة السورية دخلت بشكل فاعل على خط الأزمة، ليس بين تركيا والعراق فحسب، بل بين تركيا وإيران إيضاً. ذلك أن افتراقاً جذرياً حكم رؤية كل من هذه الأطراف لمستقبل النظام في دمشق.
تركيا بادرت، ومنذ الأشهر الأولى، إلى دعم مساعي إسقاط نظام الأسد، ومن ثم آوت المعارضة السوريّة، ممثلة بالمجلس الوطني السوري والجيش السوري الحرّ وجماعة الاخوان المسلمين، في حين تغيّرت أحوال الحكومة العراقيّة مع دمشق، من اتهامها، في صيف العام 2009، بالمسؤوليّة عن دعم وتسليح الإرهابيين، إلى مساندة النظام السوري بشكل علني، بضغط من إيران.
زيارة "التهدئة" للعاصمة التركيّة، التي قام بها رئيس "المجلس الإسلامي الأعلى"، ولقائه بالمسؤولين هناك، أشارت الى أن المشكلة بين البلدين لا تتصل بطارق الهاشمي أو القائمة العراقية بقدر ما بالملفّ السوري على وجه التحديد.
الحكيم الذي تربطه صلة وثيقة بكل من إيران وأنقرة ودمشق، أعلن هناك أن إنهاء الأزمة السورية "يجب أن يكون عن طريق الحوار بين الشعب وحكومته" تماماً كما تطالب حكومة دمشق. بينما جدّد وزير الخارجية داوود وغلو، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه بالحكيم، مطالبته العراقيين بدعم "المطالب المشروعة للشعب السوري"، ما يشي بأن تركيّا والعراق على طرفي نقيض من الأزمة.
ويرى مراقبون أن المعركة الإعلاميّة الأخيرة بين رئيسي وزراء البلدين، تأتي في إطار ما يمكن تسميّه بـ"الحرب الباردة" بين أنقرة وطهران. وبحسب العديد منهم، فان إيران، وعبر حلفائها العراقيين، تحاول التأثير على موقف تركيا من الأزمة السوريّة.
لكن هناك من يرى مصلحة عراقية خالصة في الموقف الذي يتخذه المالكي من السياسات التركيّة لا علاقة له بالنفوذ الإيراني المتشعّب.
فحكومة المالكي، بحسب هؤلاء، لا تجد لها أيّة مصلحة مباشرة في دعم انتفاضة سورية التي قد تجرّ اضطرابات أو حرباً أهليّة عند حدودها الغربيّة، وقد تنتقل عدواها سريعاً إلى الداخل العراقي.
ولعل ما يجري اليوم أشبه بتبادل الأدوار، فالورقة الاقتصاديّة التي كانت تركيا تلعب بها سابقاً للضغط على بغداد صارت اليوم بيد الأخيرة. خاصة بعد أن أصبح العراق اليوم، المعبر التجاري البرّي الوحيد لتركيا على العالم العربي بعد أن انقطعت العلاقات الاقتصاديّة والدبلوماسيّة مع سوريا.
وعلى خطورة الأزمة العراقيّة _ التركيّة، وأبعادها الدوليّة، إلا أنها تبدو مفتعلة، وذات منشأ خارجي بتجليّات داخليّة عراقيّة. وغالب الظن، أن أي من الطرفين لن يقامر بمصالحه الاقتصاديّة إلى النهاية. وأنها ستكون عابرة وطارئة، ستزول، حين يتّضح مصير النظام السوري، ربما قريباً.
عن موقع نقاش الالكتروني
http://www.niqash.org/
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






