بين الإيمان والفهم في الحركة الكردية
الجزء الأول
نزعة الإيمان اللاهوتي بالحزب، التي عملت بها وغرزتها القيادة منذ بداية تكوين الخلايا الحزبية الأولى ، خلقت لدى الإنسان الكردي، وخاصة، العضو المنتسب إلى البارتي، رهبة بالتدخل في المفاهيم المبدأية، الفكرية والمنهجية، وجهلاً بالقدرة على معرفة قيمة المفهومية لدى الأغلبية الساحقة، المعرفة التي يجب أن تسبق الإنتماء، لم تبذل القيادة أو الشريحة المثقفة جهداً في فهمه للمنتسبين لكي يعتقدوا ويؤمنوا به، بل أقنِعوا أعتماداً على الروح القومية الضبابية، آمنوا به وأنضموا إليه أغلبية الشعب على أمل الإحاطة به، وبعد الإنضمام أصبحت عملية فهمه في حكم الغائب أو أهمل كلياً. هذه المسيرة لم تكن تختلف بمنطقها الفكري عن المبادئ الأولية للمدرسة اللاهوتية في القرن الحادي عشر أو المبدأ التأويلي والذي أطلقه اللاهوتي (أنسلم) والتي تطلق رؤى منهجية لتثبيت المقولات والأحكام وليس إلى فهمها، أي أن الإيمان بصحة مسيرة الحركة كان يسبق محاولة التحليل والفهم.
تطورت هذه الرؤى الخاطئة وسايرت الحركة الكردية وتلذذ بعض القياديين في أحتكارهم للمعرفة والفهم، ولحقيقة واقع وتاريخ تكوين البارتي، الكتمان الذي أعطاهم خصوصية في التعالي أو التحكم بمصير الحركة ووجهتها. مع الزمن وبدخول أفكار ومبادئ فكرية جديدة إلى المنطقة وتبوء شريحة مثقفة لمراكز قيادية أو حتى في العضوية، برزت من داخل البارتي حركة مناوئة لمنهجيته، تبنى مجموعة من الشباب في الحزب منهجية اللجوء إلى العقل والفهم والتحليل ومعرفة الأنسب للشعب الكردي ولمسيرة الحركة قبل الأيمان المطلق بها والإستمرار في عضويتها، تبينت هذه الطفرة النوعية في البارتي في نقاشات ومحاورات عديدة داخل كونفرانسات، ومن ثم أندلجت هذه الأفكار بعد عقد من تأسيس البارتي إلى قاعة المؤتمرات، وللأسف، لم تخلى هذه النقاشات النوعية من المصالح الشخصية والنعرات العائلية والعشائرية، لذلك برزت كمؤتمرات أنشقاق وليست مؤتمرات نقاش وجدل للوصول إلى الفهم النوعي للمسيرة والنضال.(لست بصدد تبيان أي الأفكار كانت الأصح أو أي جانب كان الأفضل). هذا الجدل الكلامي تكرست بخلق اليميين واليسار، الأسمين الذين أطلقا بشكل أعتباطي من قبل الطرفين، لكن في الواقع بعد الإنشقاق عادت السلطة الفكرية ( تحت شعارات لم تكن بذاك الأختلاف)، إلى المنطق الأول، الإيمان قبل الفهم العميق للمنهج والمسيرة، حيث إن معظم الأعضاء كانوا في الحقيقة في عالم بعيد عن منطق الفهم، خاصة بعد تمرس القيادة في عملية حجب القرارات والمسيرة والعلاقات السياسية عن القاعدة، بل وحتى حجب حقيقة المنهج وأسباب الإنشقاق أو شرحه للأعضاء. بعد مسيرة عقدين من الكفاح والنشاط السري دخلت الحركة الكردية السياسية بين رحى منطقين مختلفين مشابهين لمنطق ابن رشد الذي أنحاز إلى الفهم ومنطق الغزالي الذي إنحاز إلى الإيمان، مدرستي الفهم والإيمان الديني في الإسلام، أو ربما أكثر شبه بالصراع أو الجدل الكلامي الذي دار بين سبينوزا واللاهوت اليهودي، فقد كان منهج القيادة في البارتي في الحقيقة منهجاً لاهوتياً، هو إن الإيمان فقط لدى القاعدة كافية للمسيرة، حيث سينوب عنهم القيادة في الفهم والإدراك ومعرفة الطريق الذي يسير عليه الحزب، نادراً جداً ما كلفت القيادة نفسها بإقامة دورات تثقيفية فكرية أو سياسية للقاعدة، هذين المنهجين كانتا من أهم الأسباب التي أدت إلى الإنشقاق الأول في البارتي.
لم تتوقف هذه المسيرة عند الإنشقاق الأول، رغم تدرج وأتساع مدارك الفهم، معظمها بسبب توسع الشريحة المثقفة في المجتمع الكردي كماً ونوعية، وللأسف ، هذه المدارك في الفهم ووجود حزبين على الساحة لم تؤدِ إلى رفع مستوى الحزبين, ولا إلى زيادة قوتهم للوقوف في وجه السلطة ولم تخرج بصوتهم بشكل كاف إلى خارج المجتمع الكردي، بل أدت إلى صراع بين القيادة والمجموعات المنادية بالبحث والفهم، وأسفرت إلى تصدعات عديدة في البارتي، بدت وكإننا أمام منظمتين لا تستطيع إحتواء أكثر من فكرة أو أثنتين في نفسهما… هناك عوامل أخرى، لست بصددها هنا، أدت إلى عدم مقدرة إحتواء البارتي ومن ثم اليمين واليسار لمفهومين أو أكثر في المسائل التكتيكية أو العملية المؤقتة.
معظم الفصائل التي أنشقت عن البارتي، لا تزال حتى يومنا هذا تعيش في ذاك الواقع، والكثيرين من المثقفين يدركون حقيقة هذه المعلومة، خاصة أولئك الذين لهم اليد الطولى في الإنشقاقات، ولا يقدرون بإن عملية صمتهم أو تجنبهم للتحليل المنطقي دون الإسئثار بالجزئيات مؤذية أكثر بكثير مما هي مفيدة لمسيرة نضال الشعب الكردي.
المثقف الملتزم بمبادئ الحزب لم يتجرأ ولايزال لا يتجرأ إلى محاولات التحليل والتبيان، أوالنٌقد والشرح العلني، خوفاً من اتهام في الخروج عن المسيرة، مسيرة القيادة اللاهوتية، والواقع العملي تبين هذه الحقيقة بوضوح، كم من المثقفين والسياسيين المتبوئين في الحزب إندلجوا إلى اختلافات حادة وصراع ومن ثم إنشقاق لمجرد خلاف فكري أو تحليل مغاير لرؤية قادة الحزب أو تكتيكه، يعول هذه الإنشقاقات، وبالتأكيد، إلى عوامل عديدة أخرى، منها ضغوط السلطة الشمولية، اختلافات تنظيمية، صراع على القيادة، أما عامل الرؤية والفهم والتحليل لمناهج الحركة، غالباً ما أهمل، ومن ثم إعادة البحث في تاريخ بنائها ومسيرتها الأولى.
لو كانت الحركة تحتوي على مفاهيم متفتحة وديمقراطية، كقراءة المنهج التاريخي للحركة وحرية نقدها من الداخل، لوصل بالبعض منهم إلى تبيان وتفسير تلك النقطة التي تتشابك فيها المعرفة مع واقع الحركة و نشاطها والتناقضات التي تواجهها، وكان من الممكن تصحيح مساراتها كلما أنحازت عن المنهج، دون اللجوء إلى عمليات الإنشقاق.
يتبع …
الدكتور محمود عباس
الولايات المتحدةالأمريكية
mamokurda@gmail.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






