بين رحى الحرب والسلام
Sekîne Cansiz
تمكن حزب العمال الكردستاني أن يستقطب تلاحماً جماهيرياً كردستانياً من خارج منظومتها الكردستانية، مرتين في تاريخها، الأولى يوم اعتقال القائد عبدالله أوجالان، والذي عده الكرد – متجاوزين كل المفاهيم والانتماءات السياسية – أعتداء سافر من عدو على الكيان الكردي وشخصيته، والثانية جرائم باريس والتي وراحت ضحيتها ثلاثة مناضلات من صفوف الحزب. تجاوزاً لكل التناحرات الكلامية وردود الأفعال الشاذة، إلا أنه تجمع طغت عليه عفوية النزعة القومية والانتماء الوطني الكردستاني، أستقبلت آمد جثامينهن الثلاث ( سكينة، وفيدان، وليلى ) دخلن الوطن بجثثهن منتصرات على القوى التي ارادت بقتلهن قطع دابر الذين يناضلون من اجل السلام في اناضول.
عملية أغتيالهن، والابعاد التي تكمن ورائها تكاد تكون بينة لابسط محلل سياسي، وقد تناولها العديد من الكتاب بابحاث مستفيضة. والبعض لا يستبعد اشتراك اعداء الامس بين بعضهم في العملية الإجرامية، بحثوا عن النواة، قياديات لهن مكانة سياسية واجتماعية حضارية على المستويين الكردستاني والدولي، وتعد الشهيدة سكينة أحدى أعمدة الحزب والداعمة لمحاورات السلام، الاختيار كان دقيقاً، وبقتلها أصبحت قضية السلام على محك التداول العكسي، لا شك بأنها أثرت بشكل ما على ما يجري، فمحاورات السلام الجارية والتي أرادوا النخر فيها، قد تكون مهمة لهم، فقط ايقافها لفترة زمنية ما، يأملون ان تظهر مطبات أخرى امام المسيرة، والذين خططوا لها كانت لهم توقعاتهم، واحتمالاتهم، وكما يرى، فالبعض منها نجحت حتى اللحظة.
بلغت القوى المخططة للجريمة أطوار نسبية في نتائجها، نجحوا في أروقة معينة، ولو يخسروا شيئاً، وهم يدركون أن خسارتهم ستكون بديمومة المحاورات والوصول بها إلى بر السلام، بها وعندها سيتلقون النتائج في عمقهم الاستراتيجي، أما اليوم فقد تمكنوا من توسيع الهوة التنافرية بين العديد من السياسيين والكتاب والمثقفين الكرد، فقد ظهر الصراع بينهم على التحليلات والانتقادات المناوئة من قبل أعضاء أو مؤيدي منظومة المجتمع الكردستاني، خلقت الجريمة شرخاً في لغة السياسة والنقد الكردي، بعكس التلاحم الجماهيري العام، والخلافات والتهجمات لا تزال دارجة على الالسن وفي جميع انواع الاعلام، بلغ الوضع ببعض من اعضاء المنظومة إلى حد التوقف عن التحدث عن المجرم الحقيقي، إلى حد نسيان القوى الفاعلة في العملية الشنعاء، وبدأو بالبحث عن كل من يتجرأ في وضع تحليل لا يتلائم ومنهجية قراراتهم في تحليل الجريمة، ألتفتوا إلى الداخل الكردي باحثين عن هدف ما ليفرغون فيه حقدهم وكربهم، وبالمقابل برزت أقلاما لم تبالي سوى بمنطقها الرافض لكل ما يخرج من منظومة المجتمع الكردستاني، مع كل هذا لم تتمكن الجهات المخططة من تحقيق نجاح في الغاية الاساسية التي قتلن من أجلها المناضلات، وهي عملية السلام. الجريمة سوف لن توقف الصراع الدائر بين الهلال الشيعي – السني، رغم أن الاحتمالات تتجه إلى أشتراك ما بين أطراف من القوميون الاتراك السنة و قوى الهلال الشيعي في التخطيط، وأي كانت، فإن الاداة النافذة للجريمة، من أقصى الاحتمالات إلى أسوئها – حتى ولو كانوا أعضاء ينتمون إلى الحزب نفسه، كما يتوقعه بعض المحللين – فإن المدبر لها هم خارج جغرافية كردستان السياسية.
طبيعة الجريمة تنبئ عن قادم أفظع، ما دامت المحاورات ستؤدي إلى تقويض مضاجع البعض الفكرية والروحانية أو السياسية أو تنخر في ثقافتهم العنصرية، والجريمة لها أبعاد، تتشعب إلى اروقة خارج المجال الكردي، ينغمس فيها الوضع السوري – الايراني، لكن الذي يخلق التناحر بين الجريمة والمحاورات الجارية مع القائد عبدالله أوجالان، هو أن الجريمة سياسية في خلفياتها، وبطريقة مافوية في قتل الشخصيات السياسية بيد مجرمين خبراء في عالم الجريمة، والقرار عادة يخرج من سياسيين، وخطط التنفيذ تنطلق من أروقة الاستخبارات، وبالمقابل المحاورات حتى اللحظة والمبانة على صفحات الإعلام لم تخرج من الإطار الأمني، فالذي يجريها ليسوا شخصيات سياسية من حكومة أردوغان، بل رجل الاستخبارات الأول والقابض على الملف الأمني لحزب ب ك ك والسيد عبدالله أوجالان، وهو مخرج لحكومة أردوغان في الاروقة العالمية، من حيث استمرارية الصبغة الإرهابية على القائد والحزب، كورقة ضغط في المحاورات، لذلك فالتحاور لا يمكن بشكل علني ومباشر من قبل جهات سياسية رسمية.
من المتوقع أن يكون هناك محاورة على إزالة هذه الصفة، و تقديم طلب إلى الجهات الدولية لرفع الصبغة عنهما، مثلما حصل لفدائيي الخلق، بعد أن درج دولة إئمة ولاية الفقيه على خط محور دول الشر. وهنا سيتراكم ضغط حجم الخسائر السياسية والمعنوية على الذين يعادون هذه المسيرة، وسوف لن يتهادون إلى حد اشعال حرب عن طريق اغتيالات ستطال قياديين آخرين ولا يستبعد قادة أكراد من أحزاب أخرى، وتفعيل الفتنة إلى أن يظهر صراع دموي بين اطراف عديدة في المنطقة. ولا نشك من وجود مناقشات وندوات سياسية مكثفة جداً داخل منظومة المجتمع الكردستاني، لتداول هذه الابعاد والنتائج التي ستتمخض عن الجريمة في القادم من الزمن، لأننا نتوقع بأن الهيئة التنفيذية العليا تعلم خفايا القتل وربما المجرمين ايضاً.
تكتنف منظومة المجتمع الكردستاني ضبابية، غابت ضمنها العديد من القضايا، والتي عزلتها دون إزالتها، هو الواقع النضالي واسلوب التعامل الشمولي في الداخل التنظيمي، أما بوابة البقاء على المتانة والتراص فهو وجود القائد عبدالله أوجالان في الزنزانة، فما يتبدى في الابعاد المتنوعة بين القوى الداخلية المختلفة والتي يتشكل منها المنظومة، وبشكل خاص ضمن حزب العمال الكردستاني، هو وجود تيارين واضحتي المعالم في التعارض حول الانتماءات والاتجاهات والاستراتيجية ومن حيث المطالب القومية والوطنية والعلاقات السياسية مع القوى الموجودة في الشرق والعالم الديمقراطي، لكن الكتمان يحيط بها للعوامل المذكورة، ولا نستبعد ظهور صراع أو تضاربات في الجسم وفي أسلوب النضال القادم والعلاقات العامة مع الحركة الكردية السياسية والقوى الخارجية المحتلة والمحيطة بكردستان، وسيتبين هذا بوضوح حال خروج القائد من السجن والوقوف على إدارة المنظومة بشكل مباشر، رغم الهيمنة الشخصية لحضوره والتي لها تأثيرها على الحد من هذه الانزياحات المستقبلية، لكن هذا لا يلغي وجود الاختلافات والتناقضات في العمق التنظيمي ما بين العسكري والسياسي، والفكري – المنهجي. وعملية الاغتيال الباريسية توضح البعض من معالم هذه الاختلافات المنهجية، وليست التنظيمية، معظمهم يردونها إلى ما يجري في إيمرالي، لكنها في الواقع أوسع منها وتتعدى جغرافية تركيا نحو الاطراف، ومنها الوضع في سوريا وشمال العراق أن لم يكن العراق كله والبعض من أيران، ولا يخفى الاحتمال الأسع والموجه ليس للكرد بل إلى الحكومة والدولة التركية لتبقيها في حالة حرب دائمة مع الكرد، ودولة بعيدة عن الاعتراف بحقوق الانسان، لتبقى خارج مقومات الانتماء إلى الاتحاد الاوروبي، وابقائها مشتتة أقتصاديا في حالة حرب داخلية دائمة، تهدر الكثير من الدخل الوطني العام على حربها ضد الكرد وليس على التنمية الوطنية، وفي المدى الأبعد وجود ب ك ك ضمن لائحة الارهابيين، فالبعض يريد الحفاظ على القيادات الذين يرسخون هذا الاتهام وتجريم الحزب بأفعالهم، وذلك بإزالة التيار السلمي منه.
نضال سكينة جانسيز باقية أبداً، عزلها البعض عن المسيرة مع صديقتيها الشهيدات، لغاية واضحة، ويكاد أن يجزم بها كل كردي ومحلل عالمي، والتجارب المشابهة لها تملئ صفحات التاريخ الكردي. لكن سيرتهن سيملأنَ الصفحات، وسيذكرنَ على مر التاريخ ، ليس كمثال عن الخديعة والمؤامرات التي تجري وراء الكواليس ضد القضية الكردية، بل حول فتحهن لصفحة متوهجة في وجه الذين اعتبروهن ارهابيين على مر عقود، وعلى عمق ابعاد نضالهن وتأثيراتهن على الواقع السياسي في تركيا والتي دخلنها كشهيدات كردستانيات بدون نقاش أو قدرة على الاعتراض من الدولة الطورانية.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






