الخميس, مايو 30, 2024

نزار جاف: أوراق العمر؛ تجربتي مع المسرح

القسم الثقافي

الحاجة أم الاختراع! مثل أنکليزي يذکرني بأول تجربة لي في المسرح، إذ کنت في ذلك الوقت وتحديدا في العام 1973، في مدينة السعدية الصغيرة وصادف أنه کان هناك عزم على أقامة حفل في ثانوية السعدية للبنات، ولئن کان من المعتاد أن تکون هناك هناك وصلات غناء وأناشيد في هکذا حفلات، فقد إقترحت في ذلك الوقت”رغم إنني کنت صغيرا في العمر” تقديم مسرحية في هذا الحفل، فوافقوا عليها، وخلال فترة قياسية کتبت نصا کوميديا تحت عنوان”قاجيك أبو النعلجة”، والمثير في الامر إنني جعلت هناك شخصية نسائية في المسرحية حيث أعلن أحد المشارکين على إستعداده لأداء الدور وحتى إنه قد جلب معه باروکة نسائية، وقمنا ببروفات مکثفة أتذکر بأن الممثلين کانوا لايسيطرون على أنفسهم من الضحك وهم يرددون الحوار، ولأنني کنت مخرجا للمسرحية ومشارکا فيها أيضا بدور موظف فاسد يأخذ الرشوات ويغازل النساء، فقد کنت أسمح لهم بالضحك ولکن أذکرهم بأن يتقمصوا دورهم على المسرح وأن يتصرفوا وکأنهم فعلا تلك الشخصيات.

هذه المسرحية التي تم تقديمها على أردأ مسرح عرفته في حياتي حيث کان يتکون من رحلات الطالبات، لکنه وعلى الرغم من ذلك فاجأ الجمهور السعداوي ونجح نجاحا کبيرا لم أتوقعه، کما أن المطرب الراحل صلاح عبدالغفور”وکانت علاقة صداقة تربطني به” قد شارك في الحفل بأغان للمطرب العراقي فاضل عواد الذي کان يتقن تقليد صوته وکذلك قدم أغنية هزلية بعنوان”حمدية السمينة” أضحکت الجمهور أيضا.

هذه التجربة المسرحية الاولى في حياتي ظلت راسخة في بالي خصوصا بعد نجاح المسرحية الباهر، وفي عام 1974، عندما إنتقلنا الى مدينة السليمانية، قمت بشراء کتب في مجال التأليف والاخراج المسرحي إضافة الى مسرحيات عربية وأجنبية معربة، وطوال العام 1974، کان إنشغالي بهذه الکتب أکثر من إنشغالي بدراستي الاعدادية، حتى جاء العام 1975، حيث وجدت الفرصة لتشکيل فرقة مسرحية في نقابة عمال البناء والمشاريع لأن رئيس النقابة کانت تربطه علاقة صداقة بالمرحوم أخي الکبير.

هذه الفرقة التي سميتها”پڕۆژە” بمعنى”مشروع”، وکان فعلا يجسد مشروعا مهما في حياتي في تلك الفترة حيث تصورت بأنني سأستمر کمسرحي طوال حياتي، والملفت للنظر إن أعضاءا من هذه الفرقة قد برزوا فيما بعد کممثلين بارعين في مجال المسرح بل وحتى السينما، وقدمت الفرقة مسرحيات مختلفة إذ لم نستمر على نوع ونسق واحد، خصوصا بعد أن قرأت کتب لقسطنطين ستانسلافسکي وبرتولد بريشت وأنطونين آرتوا ويوسف عبدالمسيح ثروت وغيرهم، فقد بدأت بتأليف مسرحيات سعيت فيها من حيث المبدأ السير على خطى بريشت وبأسلوب يحاکي اسلوب کليفورد أوديتس في مسرحية”في إنتظار اليسار”، وقدمت الفرقة مسرحية لها في مصيف”قشقولي” تحت عنوان”الشعب يريد” ولکن ليس على المسرح بل على الارض الجرداء، عندما فاجأنا الحضور بتقديم المسرحية حيث بدأته شخصيا بخطاب لفت الانتباه وجعل الناس يتجمهرون وقدمنا المسرحية.

الحقيقة عندما أتذکر تلك الفترة من عمري وحماسي وإندفاعي غير العاديين، فإنني أدرك الان لماذا إن معظم النشاطات الابداعية وحتى الاختراعات وماإليها، ترتبط بمرحلة الشباب وفوران الدم والسعي من أجل وضع البصمات على جبين الزمان!

وقدمنا مسرحية “الشکل” على مسرح تم نصبه على الماء في مصيف سرجنار بالسليمانية، وکانت المسرحية ملحمية أي من مدرسة بريشت وکانت تتناول بصورة رمزية إنهيار الحرکة الکوردية المسلحة ضد النظام في آذار 1975، والملفت للنظر إننا قدمناها في يوم ممطر إذ کان جميعا نٶدي أدوارنا تحت المطر فيما کان الجمهور يتابعون المسرحية والمظلات فوق رٶوسهم!

وبمناسبة يوم المسرح العالمي في عام 1977، وعلى مسرح تابع لجامعة السليمانية، قدمنا مسرحية”السر” من تأليف الکاتب العراقي”محي الدين زنکنة” وإخراج الفنان الکردي المعروف”جليل زنکنة” وقدمنا في أحد مشاهد المسرحية رقصة شارك فيها الجنسين وهو أمر لفت الانظار ولاسيما في ذلك الوقت، وتلك المسرحية کانت تتحدث عن أسر فدائي من قبل الاسرائيليين وتعذيبه حتى يعترف وکنت أمثل دور الفدائي فيما کان يقوم بدور الضابط الاسرائيلي الذي يمارس التعذيب الممثل المسرحي السينمائي المعروف في إقليم کوردستان”آزاد سوراني”.

نشاطات هذه الفرقة لم تقتصر فقط على تقديم المسرحيات بل وقامت بتقديم نشاطات ثقافية وفکرية أيضا حيث عقدنا ندوات ونشاطات حول المسرح والشعر والمسائل الفکرية الاخرى، والحق إنني عندما أتذکر تلك الايام فإن الذي يتبادر لذهني وأنا في هذا العمر ومع الاخذ بنظر الاعتبار إن العراق برمته کان خاضعا لحکم نظام حزب البعث الدکتاتوري، فإننا في تلك الفرقة کنا مجموعة من المراهقين الانتحاريين إن صح التعبير، إذ کانت المبدأية الانفعالية والاندفاع هي التي تطغي علينا وتوجهنا، وجدير بالذکر إنه وفي هذه الفترة دفع عدد من الفنانين الملتزمين بقضايا فکرية ومبدأية حياتهم ثمنا لمواقفهم نظير الشاعر والکاتب والممثل دلشاد مريواني، والمطرب قادر کابان، والشاعر والممثل المسرحي برزان عثمان.

 

شارك هذا الموضوع على