ئاريان كركوكي
من رحم التاريخ القديم، ومن تسميتها الآشورية العريقة “أربيلو” (مدينة الآلهة الأربعة)، وذكرها في الألواح السومرية باسم “أوربيلوم”، تقف هذه المدينة كواحدة من أقدم الحواضر المأهولة باستمرار في تاريخ البشرية؛ فعلى أرضها تعاقبت الحضارات من السومريين والأكديين إلى الآشوريين والبابليين، وشهدت سهولها معركة “غوغاميلا” التاريخية الفاصلة بين الإسكندر المقدوني وداريوس الثالث التي غيّرت مجرى التاريخ العالمي، وهذا العمق الضارب في جذور الزمن لأكثر من ستة آلاف عام هو الروح الحقيقية لأربيل التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الحواضر حضوراً في أحاديث المسافرين وصناع المحتوى، موازنةً بين إرثها السحيق وطموحها المعاصر.
تطل علينا أربيل اليوم كمدينة تضج بالحيوية، حيث الطرق الواسعة والحدائق المنظمة والمشاريع التي تمنح الزائر شعوراً بالأمان والراحة، وهي صورة لمدينة تسعى بكل قوتها للحاق بركب العصر لتصبح واجهة سياحية واقتصادية بارزة في المنطقة، تلفت الأنظار بتنظيمها وعمرانها المتسارع. ولا يمكن الحديث عن أربيل الحديثة دون استحضار قلعتها الشامخة التي تتوسط المدينة كتاجٍ أثري، فهي ليست مجرد معلم سياحي، بل هي “الذاكرة الحية” التي تحفظ هوية المكان وشاهدٌ صامت على إمبراطوريات تلاشت بينما ظلت هي صامدة لتشكل المرجعية الروحية والوطنية التي لا يمكن للمدينة أن تُعرف بدونها أو تُفصل عنها. وخلف هذا التطور العمراني المتسارع، تقف أيدٍ وشركات أجنبية فرضت حضورها على كافة المرافق الحيوية في المدينة، وهذا التدخل الخارجي لم يقتصر على ضخ الأموال، بل امتد ليشمل التخطيط الهندسي وإدارة قطاعات الخدمات والسياحة، فنحن أمام نموذج استثماري تقوده جهات خارجية وجدت في أربيل بيئة خصبة لتنفيذ رؤيتها الاستهلاكية، بعيداً في كثير من الأحيان عن المصلحة المحلية الطويلة الأمد أو الخصوصية الثقافية لأهل الأرض.
إن الفخ الأكبر الذي يقع فيه التقييم الحالي للمدينة هو الاعتقاد بأن الأبراج الشاهقة والواجهات الزجاجية هي الدليل على العمران الحقيقي، فالأبراج ببرودتها وهندستها المكررة ليست سوى استعراض للقوة المالية وقدرة رأس المال، أما العمران الحقيقي بمفهومه الإنساني فهو “فن إسكان البشر” والحفاظ على التناغم الاجتماعي وتوفير جودة الحياة اليومية؛ فالمباني العالية لا تصنع مجتمعاً، بل قد تحوله إلى جزر معزولة تفقد المدينة حيويتها البشرية التي كانت تميز أزقتها القديمة وأسواقها الشعبية.
إن خطر الانهيار الهوياتي بات قائماً وقريباً، فعندما تطغى الرؤية الاستثمارية التجارية على حساب التخطيط القائم على الهوية، تفرغ المدينة من محتواها التاريخي لتصبح مجرد نسخة مستنسخة من عواصم ومجمعات عالمية بلا روح؛ فالتطور الذي يمحو ملامح ماضيه هو تطور انتحاري، وقد يصحو الأبناء ليجدوا أنفسهم في مدينة تحمل اسم أربيل، لكنها خالية من قلبها الكردي والأثري الأصيل. تعيش المدينة اليوم صراعاً صامتاً ومحتدماً بين ثقل ماضيها واندفاع حاضرها، وهو صراع مدفوع بأهداف اقتصادية تسعى لتحويل المدينة إلى مركز جذب لشعوب وخلفيات من كل مناطق العالم، وهذا التوجه نحو “العولمة القسرية” وإن كان يرفع من المؤشرات الاقتصادية المؤقتة، إلا أنه يضغط بشدة على النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة، مهدداً بتحويلها من مجتمع مترابط بذاكرته وتاريخه المشترك إلى مجرد تجمع استهلاكي كبير يلتقي فيه الأفراد للتجارة والعمل دون أي رابط روحي بالأرض وتاريخها.
ختاماً، تقف أربيل اليوم عند أدق منعطف في تاريخها الطويل؛ فإما أن تفرض شروط تاريخها القديم والآشوري والسومري على المشاريع الحديثة لتظل مدينة ذات روح وشخصية، أو أن تذوب تماماً في قوالب الاستثمار الأجنبي المجهز مسبقاً والذي يحول الأوطان إلى مجرد مساحات تجارية عابرة، والرهان الحقيقي اليوم هو حماية الهوية قبل أن تبتلعها الأبراج











