الإسلام الجهادي بين الدين والتوظيف السياسي

تكبير الصورة

د. مرشد اليوسف

يُعدّ “الإسلام الجهادي” من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في الدراسات السياسية والدينية المعاصرة، إذ يتداخل فيه البعد العقيدي مع الأيديولوجيا السياسية، كما تتشابك فيه النصوص الدينية مع الظروف التاريخية والاجتماعية والجيوسياسية. وقد اكتسب هذا المفهوم حضورًا عالميًا منذ أواخر القرن العشرين، ولا سيما بعد الحرب الأفغانية (1979–1989)، ثم مع ظهور تنظيمات مثل تنظيم القاعدة، ولاحقًا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
غير أن دراسة الإسلام الجهادي تقتضي التمييز بين الإسلام بوصفه دينًا متنوعًا في مدارسه الفقهية والفكرية، وبين تيارات سياسية تتبنى قراءة محددة للنصوص الدينية وتوظفها في مشاريعها السياسية والعسكرية.
ويؤكد كثير من الباحثين أن اختزال الإسلام في هذه الحركات يؤدي إلى قراءة غير دقيقة للواقع الديني والتاريخي.
ويمثل الجهاد أحد المفاهيم المركزية في الفكر الإسلامي، إلا أن دلالاته تعددت عبر العصور.
ففي القرآن الكريم والسنة النبوية وردت معانٍ متعددة للجهاد، تشمل بذل الجهد في سبيل الخير، والدفاع عن النفس والمجتمع، والقتال في ظروف معينة وفق ضوابط وشروط ناقشها الفقهاء.
وقد ميز الفقه الإسلامي الكلاسيكي بين أنواع مختلفة من الجهاد، كما وضع قيودًا تتعلق بإعلان الحرب، وحماية المدنيين، واحترام العهود، وعدم الاعتداء. واختلفت المدارس الفقهية في بعض التفاصيل، لكن أغلبها لم يربط الجهاد بحالة حرب دائمة مع العالم.
ويرى عدد من الباحثين أن الإسلام الجهادي المعاصر هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل فكرية وسياسية وتاريخية، من أبرزها:
انهيار مشاريع القومية العربية بعد عام 1967.
تصاعد الحركات الإسلامية السياسية.
الحرب السوفيتية في أفغانستان.
التدخلات الإقليمية والدولية.
ضعف مؤسسات الدولة في بعض البلدان.
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق تشكلت شبكات عابرة للحدود جمعت مقاتلين من دول مختلفة، ثم تطورت لاحقًا إلى تنظيمات ذات مشروع عالمي.
ومن أبرز سمات الإسلام الجهادي تحويل النصوص الدينية إلى أدوات تمنح الشرعية لمشروع سياسي. وتستخدم هذه الجماعات آليات متعددة، منها:
انتقاء النصوص وإخراجها من سياقها التاريخي والفقهي.
تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين.
توسيع مفهوم “العدو”.
استخدام خطاب ديني تعبوي لتجنيد الأفراد.
ربط الطاعة التنظيمية بالطاعة الدينية.
ويؤكد عدد من الباحثين أن هذا التوظيف يختلف عن الاجتهادات الفقهية التقليدية، لأنه يجعل المشروع السياسي محورًا تُقرأ النصوص من خلاله.
ولا يمكن تفسير انتشار الحركات الجهادية بالخطاب الديني وحده، إذ تشير الدراسات إلى تداخل عوامل أخرى، منها:
الفقر والبطالة في بعض البيئات.
انهيار مؤسسات الدولة.
الحروب الأهلية.
الشعور بالتهميش.
غياب المشاركة السياسية.
الصراعات الطائفية والإثنية.
ومع ذلك، فإن هذه العوامل لا تؤدي تلقائيًا إلى التطرف، بل تختلف النتائج باختلاف السياقات المحلية وطبيعة المؤسسات الاجتماعية والتعليمية.
واستثمرت التنظيمات الجهادية الوسائط الإعلامية الحديثة بصورة واسعة، حيث استخدمت:
الأفلام الدعائية.
المجلات الإلكترونية.
وسائل التواصل الاجتماعي.
التطبيقات المشفرة.
الخطاب البصري والرموز الدينية.
وكان الهدف هو بناء هوية تنظيمية، واستقطاب المؤيدين، والتأثير في الرأي العام، وإبراز صورة القوة والقدرة على الاستمرار.
ووجهت انتقادات واسعة لهذه التيارات من داخل العالم الإسلامي وخارجه، ومن أبرزها:
مخالفة كثير من اجتهاداتها للتراث الفقهي السائد.
التوسع في التكفير.
استهداف المدنيين.
استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية.
إضعاف المجتمعات الإسلامية وإطالة أمد الصراعات.
كما أصدرت مؤسسات دينية وعلماء من اتجاهات مختلفة بيانات وفتاوى ترفض هذه الممارسات وتفصل بينها وبين المبادئ الإسلامية كما يفهمونها.
ولا يمكن فهم الإسلام الجهادي بمعزل عن البيئة الدولية.
فقد أسهمت الصراعات الإقليمية، والتنافس بين القوى الكبرى، والحروب، والفراغات الأمنية، في توفير ظروف ساعدت بعض هذه التنظيمات على النمو أو إعادة التشكل.
وتختلف تفسيرات الباحثين بشأن وزن هذه العوامل مقارنة بالعوامل الفكرية والدينية، لكن معظم الدراسات الحديثة تميل إلى اعتبار الظاهرة نتاج تفاعل بين عناصر متعددة، لا سببًا واحدًا.
وبالإستناد الى ما سبق ، يمثل الإسلام الجهادي ظاهرة معقدة تتداخل فيها الأفكار الدينية مع المشاريع السياسية، والظروف الاجتماعية، والتفاعلات الإقليمية والدولية. ولذلك فإن دراسته تتطلب مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين التاريخ، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والدراسات الدينية، مع التمييز بين الإسلام بوصفه دينًا متعدد التفسيرات، وبين الحركات التي تتبنى قراءات خاصة وتستخدمها لتبرير أهدافها السياسية والعسكرية.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.
× Zoomed Image
Scroll to Top