د. مرشد اليوسف
التعايش الكردي ـ العربي في محافظة الحسكة بين الواقع الاجتماعي وإنكار الخصوصية القومية :
تُعد محافظة الحسكة واحدة من أكثر المناطق السورية تعبيرًا عن التنوع القومي والثقافي والاجتماعي في البلاد. فقد تشكل مجتمعها الحديث من تفاعل مكونات متعددة، في مقدمتها الكرد والعرب، إلى جانب السريان والآشوريين وغيرهم. ولم يكن وجود هذه المكونات مجرد وجود متجاور، بل نشأت بينها شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، جعلت من التعايش ظاهرة يومية متجذرة في الحياة المحلية.
غير أن التعايش الاجتماعي لا يعني بالضرورة المساواة السياسية أو الاعتراف الدستوري بالخصوصيات القومية والثقافية. وهذه المسألة تمثل إحدى الإشكاليات الأساسية في دراسة العلاقة الكردية ـ العربية في محافظة الحسكة.
فالعربي في الجزيرة السورية يعرف الكردي بحكم الجوار والعمل والتجارة والعلاقات الاجتماعية، ويعرف أن له لغة مختلفة وثقافة وتقاليد وذاكرة تاريخية خاصة. كما أن الكردي يعرف العربي ويعيش معه في البيئة ذاتها، ويتفاعل معه في مختلف مجالات الحياة. لكن الاعتراف بوجود الآخر على المستوى الاجتماعي لم يكن دائمًا مصحوبًا باعتراف مماثل بحقوقه القومية والثقافية والسياسية.
ومن هنا تبرز إشكالية هذا الفصل:
كيف يمكن تفسير التناقض بين التعايش الاجتماعي الطويل بين الكرد والعرب في الحسكة، وبين استمرار المواقف الرافضة أو المتحفظة على الاعتراف الكامل بالخصوصية القومية والثقافية للكرد؟
أولًا: الحسكة فضاء تاريخي للتفاعل الكردي ـ العربي:
لم تكن الحسكة تاريخيًا فضاءً اجتماعيًا مغلقًا على جماعة واحدة. فقد شهدت المنطقة تحولات سكانية وسياسية واقتصادية متتابعة، وأسهمت عوامل عديدة في تشكيل بنيتها الاجتماعية الحديثة.
وأدى الاستقرار الزراعي ونمو المدن والبلدات وتطور طرق التجارة والعمل إلى زيادة الاحتكاك بين الجماعات المختلفة. ونتيجة لذلك أصبحت العلاقة بين الكرد والعرب في أجزاء واسعة من المحافظة علاقة يومية تتجاوز الحدود السياسية والقومية.
فالقرية المختلطة، والسوق، والمدرسة، ومكان العمل، والحي السكني، والمجالس الاجتماعية، كلها أسهمت في بناء معرفة متبادلة بين الجماعتين.
وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين:
التجاور يعني أن جماعتين تعيشان في مكان واحد.
أما التعايش فيعني أن تنشأ بينهما علاقات اجتماعية واقتصادية وإنسانية مستمرة.
والحالة الحسكاوية تجاوزت في كثير من جوانبها مجرد التجاور، إذ نشأت علاقات اجتماعية عميقة بين السكان.
إلا أن هذه العلاقات لم تُلغِ الاختلافات القومية.
وهذه نقطة أساسية، لأن التعايش الناجح لا يفترض اختفاء الهويات، وإنما يفترض قدرة الهويات المختلفة على التعايش داخل إطار سياسي وقانوني مشترك.
ثانيًا: من معرفة الآخر إلى الاعتراف به :
يمكن القول إن المجتمع العربي في الحسكة لم يكن يجهل وجود الكرد أو خصوصيتهم. فالكردية كانت لغة مسموعة في المدن والقرى، وكانت العادات والمناسبات والأنماط الاجتماعية الكردية حاضرة في الحياة اليومية.
لكن معرفة الآخر لا تعني بالضرورة الاعتراف بحقوقه.
وهنا يظهر أحد أهم الفوارق بين الاعتراف الاجتماعي والاعتراف السياسي والقانوني.
فالاعتراف الاجتماعي قد يأخذ صورة:
“نحن نعرف أن جيراننا كرد.”
أما الاعتراف الحقوقي فيأخذ صورة مختلفة:
“نحن نعترف بأن للكرد حقوقًا لغوية وثقافية وقومية، وأن هذه الحقوق يجب أن تحميها الدولة.”
وبين العبارتين مسافة سياسية وفكرية واسعة.
فالأولى تقبل وجود الفرد الكردي، بينما الثانية تقبل وجود الجماعة الكردية وحقوقها.
وهذا الفرق يمثل جوهر الإشكالية الكردية في العديد من الدول التي تضم قوميات متعددة.
ثالثًا: الخصوصية القومية ليست امتيازًا على حساب الآخرين :
من أكثر المفاهيم التي تعرضت للالتباس في النقاش السوري مفهوم الخصوصية القومية.
فالخصوصية لا تعني التفوق.
ولا تعني التمييز ضد الآخرين.
ولا تعني بالضرورة الانفصال.
إنها تعني ببساطة أن جماعة بشرية تمتلك لغة وثقافة وذاكرة وتقاليد وهوية تاريخية مميزة، وأن لها الحق في الحفاظ على هذه الخصائص وتطويرها.
وبهذا المعنى، فإن الاعتراف بالخصوصية الكردية لا ينتقص من خصوصية العرب، كما أن الاعتراف بالخصوصية العربية لا ينبغي أن ينتقص من الخصوصية الكردية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هوية الأكثرية إلى هوية وحيدة للدولة، بينما تُعامل هويات الآخرين باعتبارها مجرد هويات محلية أو ثقافية ثانوية.
وهنا يتحول مفهوم الوحدة الوطنية من إطار جامع للتنوع إلى أداة للضغط باتجاه التشابه.
رابعًا: اللغة الكردية وقضية التعليم باللغة الأم :
تمثل اللغة أكثر عناصر الهوية حساسية.
فاللغة ليست أداة اتصال فحسب، بل هي وعاء للذاكرة والتاريخ والأدب والموروث الشعبي والتصورات الاجتماعية.
ولهذا فإن منع جماعة قومية من التعليم بلغتها الأم أو تقييد استخدامها في المجال العام لا يؤثر فقط في عملية التعليم، وإنما يمكن أن يؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف انتقال الثقافة بين الأجيال.
ومن هذه الزاوية فإن المطالبة بالتعليم باللغة الكردية ينبغي ألا تُقرأ تلقائيًا باعتبارها موقفًا سياسيًا انفصاليًا.
هناك فرق بين:
التعليم باللغة الأم
وبين:
إقامة نظام تعليمي مغلق على أساس قومي منفصل.
ويمكن للدولة أن تحقق التوازن بين الأمرين من خلال نظام تعليمي يعترف بالتعدد اللغوي، ويضمن للكرد التعلم والتعليم بلغتهم، وفي الوقت نفسه يحافظ على العربية كلغة مشتركة للدولة، مع تعليم لغات أخرى بحسب الحاجة.
إن الاعتراف باللغة الكردية لا يعني إلغاء العربية، تمامًا كما أن تعليم العربية لا ينبغي أن يعني إلغاء الكردية.
خامسًا: الهوية والاندماج:
هل المطلوب مواطن سوري أم مواطن متشابه؟
من الأخطاء المنهجية مساواة الاندماج بالتشابه.
فالاندماج الوطني يعني مشاركة المواطنين في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، والالتزام بالقانون، والشعور بالانتماء إلى الوطن.
أما التماهي فيعني أن يتخلى الفرد عن عناصر أساسية من هويته لكي يصبح مقبولًا داخل الهوية العامة.
وهنا يمكن طرح السؤال:
هل يحتاج الكردي لكي يكون سوريًا إلى أن يتخلى عن كرديته؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن مفهوم المواطنة يصبح مشروطًا بالتخلي عن الهوية.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن الدولة تصبح قادرة على بناء مواطنة متعددة الهويات.
وهذا هو النموذج الأكثر انسجامًا مع المجتمعات المتنوعة.
فيمكن للكردي أن يكون:
كرديًا من حيث القومية،
وسوريًا من حيث المواطنة،
ومواطنًا في الحسكة من حيث الانتماء المحلي،
وأن يجمع هذه المستويات دون تناقض.
سادسًا: الأمن والحق في الحماية:
تتصل قضية الخصوصية القومية أيضًا بمسألة الأمن.
فالهوية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يشعر فيها أفراد الجماعة بأن وجودهم مهدد.
ومن هنا فإن المطالبة بضمان أمن المناطق ذات الأغلبية الكردية أو المختلطة يجب ألا تُفهم باعتبارها مطالبة بامتياز أمني للكرد على حساب العرب.
الأمن في الدولة الحديثة حق فردي وجماعي في آن واحد.
فكما يحتاج العربي إلى أن يشعر بالأمان في منطقة كردية، يحتاج الكردي إلى الشعور بالأمان في منطقة عربية أو كردية.
والقاعدة الأساسية هنا هي:
لا أمن للكرد على حساب العرب، ولا أمن للعرب على حساب الكرد.
بل أمن مشترك تحميه مؤسسات الدولة والقانون، وتكون مهمتها حماية المواطنين جميعًا.
سابعًا: أثر سياسات الإنكار على العلاقة الكردية ـ العربية :
عندما يشعر أي مكون بأن هويته غير معترف بها، فإن ذلك يؤدي إلى تراكم الإحباط والشك.
وهذا الإحباط لا ينتج بالضرورة من حادثة واحدة، بل من تراكم طويل من السياسات والممارسات.
فالمنع اللغوي، أو تجاهل التاريخ المحلي، أو فرض هوية قومية واحدة للدولة، أو عدم الاعتراف بالمكونات المختلفة، كلها يمكن أن تنتج شعورًا بالتهميش.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي الاعتراف إلى تخفيف التوتر.
وهنا تظهر أهمية السياسة الثقافية للدولة.
فالدولة التي تقول لمواطنيها:
“أنتم متساوون، ولكم الحق في الحفاظ على لغاتكم وثقافاتكم”
تخلق شعورًا بالانتماء.
أما الدولة التي تقول:
“أنتم متساوون بشرط أن تتخلوا عن خصوصيتكم”
فإنها تنتج مواطنة ناقصة.
ثامنًا: الحسكة بين نموذجين للدولة :
يمكن تصور نموذجين متناقضين لمستقبل العلاقة بين الكرد والعرب في الحسكة.
النموذج الأول: دولة التماثل
يقوم على فرض هوية وطنية واحدة، ولغة واحدة، ومركز سياسي قوي، وتفسير التنوع باعتباره خطرًا محتملًا على وحدة الدولة.
قد يبدو هذا النموذج موحدًا من الخارج، لكنه يحمل في داخله عوامل توتر مستمرة.
النموذج الثاني: دولة المواطنة المتعددة
يقوم على وحدة الدولة مع الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي واللغوي.
في هذا النموذج لا يحتاج الكردي إلى التخلي عن كرديته لكي يكون سوريًا، ولا يحتاج العربي إلى التخلي عن عروبته لكي يتعايش مع الكردي.
وتصبح الدولة مظلة مشتركة لجميع المواطنين.
وهذا النموذج لا يعني بالضرورة الفيدرالية أو الانفصال؛ إذ توجد درجات متعددة من اللامركزية الإدارية والثقافية والسياسية يمكن تصميمها وفق خصوصية الدولة السورية.
تاسعًا: من التعايش إلى الشراكة:
لقد تجاوزت العلاقات الكردية ـ العربية في الحسكة مرحلة التعارف الأولي منذ زمن طويل.
فالمجتمعان يعرف أحدهما الآخر.
والسؤال الحقيقي اليوم ليس:
هل يستطيع الكرد والعرب العيش معًا؟
فالجواب التاريخي والاجتماعي واضح: نعم.
السؤال الأهم هو:
كيف يمكن تحويل هذا التعايش إلى شراكة سياسية وثقافية مستدامة؟
والشراكة تختلف عن التعايش.
التعايش يعني عدم الاقتتال.
أما الشراكة فتعني المشاركة في صناعة القرار وتوزيع الموارد والاعتراف المتبادل بالحقوق.
ومن هنا فإن مستقبل الحسكة لا ينبغي أن يبنى على إدارة الخلافات فقط، وإنما على تأسيس علاقة جديدة بين المكونات.
عاشرًا: نحو عقد اجتماعي كردي ـ عربي جديد :
يمكن بناء عقد اجتماعي جديد في الحسكة على مجموعة من المبادئ:
الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي باعتباره حقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها.
المساواة الكاملة في المواطنة بين العرب والكرد وسائر المكونات.
حماية اللغة الكردية والعربية وضمان حق التعليم باللغة الأم وفق نظام قانوني واضح.
حماية التراث والثقافة الكردية والعربية من التهميش أو التسييس.
ضمان الأمن لجميع السكان بواسطة مؤسسات وطنية مهنية.
رفض التغيير الديموغرافي القسري أيا كانت الجهة التي تقوم به.
إشراك السكان المحليين في إدارة شؤون مناطقهم ضمن إطار دستوري وقانوني.
الفصل بين الاعتراف بالحقوق القومية وبين مشاريع الانفصال، وعدم استخدام الخوف من الانفصال ذريعة لإنكار الحقوق الثقافية.
إعادة تعريف الوطنية السورية بحيث تصبح وطنية جامعة لا تلغي الهويات الفرعية.
تحويل التنوع من مشكلة أمنية إلى مورد اجتماعي وثقافي يمكن أن يسهم في إعادة بناء سوريا.
حادي عشر: الحسكة بوصفها مختبرًا للمستقبل السوري
إن أهمية الحسكة لا تكمن في موقعها الجغرافي أو مواردها الاقتصادية فقط، وإنما في كونها تمثل نموذجًا مصغرًا للمشكلة السورية الأوسع.
فسوريا دولة متعددة المكونات، وأي محاولة لإعادة بناء الدولة على أساس هوية أحادية ستعيد إنتاج الصراعات القديمة بصورة جديدة.
أما الاعتراف بالتنوع فإنه يمكن أن يؤسس لدولة أكثر استقرارًا.
ومن هذه الزاوية يمكن للحسكة أن تتحول من منطقة توتر قومي إلى مختبر للتعايش السوري الجديد.
فإذا استطاع العرب والكرد في الحسكة الانتقال من مجرد التعايش إلى الشراكة، فإن التجربة يمكن أن تقدم نموذجًا لبقية سوريا.
وتكشف التجربة التاريخية والاجتماعية لمحافظة الحسكة أن الكرد والعرب ليسوا جماعتين غريبتين عن بعضهما، وإنما مجتمعان عاشا في فضاء واحد وتشابكت بينهما علاقات متعددة الأبعاد.
غير أن استمرار التعايش لا يكفي وحده لبناء الاستقرار.
فالتعايش من دون اعتراف قد يبقى هشًا، والاعتراف من دون حقوق قانونية قد يبقى مجرد خطاب، والحقوق من دون مؤسسات تحميها قد تبقى قابلة للانتكاس.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة هو الانتقال من سياسة قبول وجود الآخر إلى سياسة الاعتراف بحقوق الآخر.
فالكرد لا يطلبون من العرب أن يتخلوا عن عروبتهم، كما لا ينبغي للعرب أن يطلبوا من الكرد التخلي عن كرديتهم.
المطلوب هو صيغة وطنية جديدة تقول إن:
العربي يستطيع أن يكون عربيًا وسوريًا في آن واحد، والكردي يستطيع أن يكون كرديًا وسوريًا في آن واحد.
وعندما تصبح هذه المعادلة مقبولة سياسيًا ودستوريًا واجتماعيًا، فإن الخصوصية القومية لن تعود تهديدًا للوحدة الوطنية، بل ستصبح إحدى مكونات هذه الوحدة.
وهنا تتحول الحسكة من ساحة اختبار للعلاقة الكردية ـ العربية إلى نموذج لإعادة تعريف مفهوم الوحدة السورية نفسها:
وحدة لا تقوم على التشابه، وإنما على التعدد؛ ولا تقوم على إنكار الخصوصيات، وإنما على حمايتها؛ ولا تقوم على هيمنة مكون على آخر، وإنما على الشراكة المتساوية بين الجميع.
ملاحظة :
الدعوة إلى عقد مؤتمر عربي – كردي على مستوى أبناء الجزيرةتحت مظلة الحكومة السورية بات أمرا ضروريا لحماية السلم الأهلي وصياغة عقد اجتماعي جديد بين الطرفين يخرج الحسكةمن كونها منطقة توتر الى مختبر للتعايش السوري الجديد .
لحمته السلام وسداه الحياة الكريمة لكل المكونات .






