الحسكة تحت التحريض

تكبير الصورة

د. محمود عباس

ما يجري في مدينة الحسكة، ذات الأغلبية الكوردية، من تحريضٍ ضدّ الشعب الكوردي، في الشارع وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، تتولّاه شخصياتٌ عروبية عنصرية تغذّي أصحاب الصفحات ومحرّضي الشارع بخطاب الكراهية، وتؤدّي دور أدواتٍ محلية للمشروع التركي. تستهدف هذه التعبئة انتزاع المكتسبات الكوردية ودفع الكورد والعرب نحو اقتتالٍ داخلي؛ فتُحوّل المنصّات إلى غرف تحريض، والشارع إلى وسيلة ضغطٍ وتهديد. إنّه منطق البعث يُعاد تشغيله لخدمة الاستراتيجية التركية، بأدواتٍ تمزج الإقصاء القومي بالتكفير الديني لكسر الحضور الكوردي وإعادة إخضاعه.

سبقت مظاهرة الثاني من تشرين الأول دعواتٌ تهدّد المتخلّفين عن اجتماع الولاء، وتصنّفهم بين وطنيين وخونة موالين لقسد. هذا استدعاء بالإكراه، يجعل حضور الاجتماع شهادة وطنية، والغياب عنه تهمةً تستوجب الملاحقة. ثم جاءت إدانات لإحراق العلم الكوردي والتحريض على المكوّنات. حين يُستهدف الرمز القومي، ينكشف زيف عبارة «لسنا ضدّ الكورد، بل ضدّ تنظيمٍ سياسي». فالرمز يخصّ الشعب، ولا يملكه تنظيم.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

هذه الذهنية لها سجلّ: الحزام العربي، وانتزاع الأراضي، وبناء قرى التوطين، وإسكان الغمريين على حساب السكان الكورد. استخدم البعث الأرض والجنسية والوظيفة لإضعاف المجتمع الكوردي وتغيير واقعه الديمغرافي، وسخّر كتّابًا لتشويه تاريخ غربي كوردستان وفصل أهلها عن أرضهم. ومن مجزرة قامشلو عام 2004، إلى جرائم داعش خلال حكم بشار الأسد، ثم نقض التعهّدات في ظلّ الحكومة الانتقالية، وصولًا إلى خيام الحرب ومقتل سيامند، يتجدّد استهداف الكورد بأسماءٍ وراياتٍ مختلفة. وما يجري اليوم في حي غويران بالحسكة يعيد فتح الطريق نفسه: تحريضٌ يتّسع في ظلّ صمت السلطة، وتستثمره تركيا لتضييق الخناق على الحضور الكوردي. نعرف هذا المسار: يبدأ بتزوير التاريخ وتشويه المطالب، ثم بتجريم أصحابها، وينتهي بتسويغ الاعتداء عليهم.

تستعيد القوى التي غذّاها نظام البعث والأسد موقعها داخل خطاب الإقصاء الراهن، وتجد في الإسلام السياسي التكفيري حليفًا يؤدّي الوظيفة نفسها. تتبدّل الرايات، وتبقى المطالبة الموجّهة للكوردي: تنازل عن خصوصيتك وحقوقك كي نعترف بك. سقوط البعث من الحكم لا يعني سقوط ذهنيته من أجهزة السلطة أو من خطاب المحرّضين.

ويخدم انتقال التعبئة من الرقة ودير الزور إلى الحسكة محاصرة الحضور الكوردي. فحين تعود أسئلة الرواتب والخدمات والأمن والمعيشة، ينكشف عجز الشعارات عن تحسين حياة الناس. عندئذٍ يُفتح صراع جديد، ويُقدَّم الكوردي عدوًّا جاهزًا لتحويل الغضب بعيدًا عن المسؤولين عن البؤس. أنقرة تستفيد من هذا التحويل، والقوى المحلية التي تتبنّاه تمنحها أدوات ضغط داخل المجتمع.

ولا يربح العرب من استخدامهم في هذه المواجهة. من يختزل مطالبهم في محاربة الكورد ينتزع منهم القدرة على مساءلة السلطة، ويحوّلهم إلى جمهورٍ يُستدعى للهتاف والقتال، ثم يُترك أمام أزماته. إهانة العلم الكوردي لا تدفع راتبًا، والتحريض القومي لا يصلح مستشفى، وتبعية المحرّض لأنقرة لا تمنحه قرارًا وطنيًا.

وتتحمّل السلطة السورية الانتقالية مسؤولية ترك هذا الباب مفتوحًا. صمتها أمام التهديد، وتساهلها مع المحرّضين، يمنحانهم حمايةً عملية. وكلّما قدّمت علاقتها بأنقرة على حقوق السكان والتوافق بينهم، عمّقت الارتهان وأضعفت استقلال قرارها. لا قيمة لحديث الوحدة بينما يُترك المتطرّف يوزّع صكوك الوطنية والخيانة في الشارع. لن يصبح الصمت حصانةً للسلطة، ولن تكون التبعية لأنقرة عذرًا للمحرّضين.

المواجهة هنا مع المحرّضين والقوى التي تغطّيهم، ومع السياسة التركية التي تستثمر الانقسام؛ وتعميم الاتهام على العرب يحقّق غاية هؤلاء. لكنّ حماية التعايش لا تعني السكوت عن العنصرية. من يترك باب الفتنة مفتوحًا يتيح لها أن تتحوّل من خطابٍ إلى اعتداء، ومن يغطّي المحرّض يتحمّل مسؤولية ما يفعله.

لم يعد الشعب الكوردي بلا قوةٍ أو قدرةٍ على الدفاع عن وجوده. له حراكٌ سياسي ومجتمعي متعدّد الأطراف؛ وخلافاته لا تمنح خصومه إذنًا باستباحته. اختيار التفاهم لا يعني العجز، وتأخير الردّ لا يعني إسقاط الحقّ أو قبول الإفلات من المحاسبة. وما يزال المجال مفتوحًا للوطنية والأخوّة والتعامل بالأحسن، لكنّ تحويل هذه الفرصة إلى وسيلةٍ لمزيد من الإقصاء سيقوّضها. لن نقبل أن تُبنى وحدة البلاد على إذلال الكورد؛ وأيّ اعتداء يستوجب دفاعًا مشروعًا عن الناس وحقوقهم، وملاحقة المسؤولين عنه، مهما تأخّرت المحاسبة.

الولايات المتحدة الأمريكية

8/10/2026 م


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top