السير الشعبية في الوجدان الجمعي ـ3ـ

جوان عبدال

سيرة الظاهر بيبرس

يعد بيبرس البند قداري الملك الظاهر ركن الدين (1223-1277) من أقدر سلاطين المماليك البحرية في مصر، كان في خدمة جيش الملك الصالح نجم الدين الأيوبي وتوران شاه، انقلب عليهما وانتزع الحكم منهما. برز في معركة المنصورة 1258 ضد الصليبيين، ووقف في وجه الغزو المغولي في عين جالوت 1260م وردهم على أعقابهم.. حارب الصليبين طويلا 1265 ـ 1272م وكانت له معهم وقائع ساهمت في نسج السيرة المعروفة عنه.. وسع مملكته وضم بلاد النوبة. خلف آثار رائعة أهمها مسجد القاهرة، توفي بدمشق.

والسير الشعبية هذه طويلة، وتعرف أيضا باسم (السيرة الظاهرية) ويبدو إنها كانت مشغولة بالنثر أكثر مما شغلت بالشعر، فقد لاحظ المستشرق الإنجليزي (أدوارد لين) عند زيارته لمصر في القرن 19، إن القصاصين المحترفين لهذه السيرة يختلفون عن المنشدين لسيرتي عنترة بن شداد وبنى هلال، إذ كانوا يعرفون باسم المحدثين، في حين يعرف الآخرون باسم الشعراء.

تدور حوادث هذه السيرة حول السلطان المملوكي الظاهر بيبرس الذي يعود إليه الفضل في تصفية الحروب الصليبية، وفي صد غارات التتار، كما قام بجهود كبيرة في تنظيم الإدارة، وتتألف السيرة الظاهرية من حلقات تتحدث عن الكرد الأيوبية، وعن نشأة محمود بيبرس وقدومه إلى مصر، وعلاقته بالملك الصالح أيوب وشجرة الدر وأيبك التركماني، ثم تحكي سيرة الفداوية (الفدائيين) من طائفة الحشاشين المعروفة في التاريخ، وتقص جلوس الظاهر على عرش مصر، وتروي وقائعه ضد أعداء المسلمين وأعدائه، وامتدت رقعة الأحداث فشملت العالم الإسلامي بأسره كما شملت جنوب أوروبا، ووردت فيها ذكر الجزر البريطانية، وتسلل “جون” إلى أرض المسلمين وتنكر في زي أحد علمائهم، والوقائع سجال بين البطلين، يستعين بيبرس فيها بأنصاره من الفداوية وغيرهم، ويستعين الآخر بالصليبيين من ناحية وبغير المسلمين من “عبدة النار” وغيرهم، ويضفي عليها الخيال الشعبي ثوبا يبعد الأحداث عن إطارها الواقعي أو الممكن، وكثيرة ما يتوسل فيها بالتنجيم والسحر إلى جانب كرامة الأولياء.

وتدل دراسة أقدم مخطوطات هذه السيرة  ـ كما يستنتج من بعض تفاصيلها- على أنها اكتملت أواخر العصر المملوكي وأوائل عصر الاحتلال العثماني تقريبا، وإنها ازدهرت في مصر وفي القاهرة بنوع خاص، وإن كانت فيها شواهد تشير إلى اعتماد جزء منها على التدوين، ونشأة أقسام أخرى في بلاد الشام والمغرب.

وقد درسها بعض المستشرقين والعرب في العصر الحديث. ومن أبطالها المشهورين المقدم (جمال شيحه) الذي يعود نسبه إلى الفداوية، وله ضريح مشهور في دمياط والعامة تضرب له مثلا سائرا هو “ملاعيب شيحه” إذ اعتمد على ذكائه في التنكر وأعمال الحيلة، وهو يكاد يقف في صف واحد مع بيبرس من حيث الأهمية في الوقائع والأحداث. ومن أبطالها “معروف” الذي تزوج من مريم الزنارية التي كانت ابنة ملك نصراني، فلما رأت معروفا إبان حجها إلى القدس أحبته وأسلمت وتزوجته، وأثمر زواجهما ابنا تربى في أحضان الصليبيين اسمه عرنوس، وحين كبر حارب أباه ثم تعارفا.. ومن أبطالها أيضا إبراهيم الحوارني الذي عرف بسرعته الخارقة في العدو إلى جانب الشخصيات التاريخية: مثل الملك الصالح أيوب وشجرة الدر وأيبك التركماني وغيرهم.

سيرة عنترة أو عنتر

عنترة بن شداد العبْسي، شاعر وفارس من نجد توفي حوالي 600م، هو ابن أمة حبشية فلم يعترف به والده، ولكن حين أظهر بطولة في رد الغزو عن القبيلة وإرجاع الظواعن، وأظهر براعة في حروب داحس والغبراء، أجبر أباه أن يعترف بأبوته، فزوجه عمه من حبيبته عبلة، التي غرم بها.. وأخيرا قُتل في أحد الغزوات.. كان شجاعا مقداما وجوادا عفيفا، تمثل فيه الطبع العربي البدوي، لذلك اتخذه الأدب الشعبي مثالا للبطولة والشهامة، فأدار حوله ملحمة معروفة.. له ديوان أكثره من الشعر المصنوع، وله معلقه معروفة. جلّه شعر فخر وتعزل بحبيبته.

وسيرة عنترة بن شداد العبسي، قصة طويلة محورها أبو الفوارس عنترة، الذي اشتهر في العصر الجاهلي بفروسيته، ونبوغه في الشعر الذي جعله من أصحاب المعلقات..

وهذه السيرة كتبت بالشعر المنثور السهل، ورصعت بعشرة آلاف بيت من الشعر أو نحوها، وتقسم الطبعات التي طبعت من السيرة في الشرق منذ القرن 19 القصة إلى 22 مجلدا صغيرا، وهي تختلف عن كتاب “ألف ليلة وليلة” الذي تستقل فيه كل ليلة عن الأخرى، ذلك إن كل مجلد لا ينتهي أبدا بنهاية قصة من القصص، وتمتد رقعة السيرة في الزمان وفي المكان، إذ تبدأ أحداثها قبل ولادة بطلها عنترة بزمن طويل، وتقص أثر البطل في مراحل التكوين والفروسية، حتى يصبح محور الأحداث جميعا، وتتجاوز مكانها جزيرة العرب، وتكاد تشمل العالم القديم المعروف كالهند وفارس ومصر والسودان والحبشة وجنوب أوربا، ويقترن فيها حب عنترة المشهور لابنة عمه عبلة بحروبه ومغامراته اقترانا وثيقا.

والقصة تمثل الفضائل العربية أصدق تمثيل، وقد تأثرت بأيام العرب الجاهلية والإسلامية والفتوح والأنساب، كما تأثرت بالمشهور من القصص، وفيها ملامح ترجع إنها الفت في صورتها الكاملة بعد فترة الأولى من الحروب الصليبية، وقد فتن الشعب العربي من قديم بما أثر عن عنترة بن شداد العبسي من قصص، ظل ينمو على مدار الأيام حتى اكتملت القصة على الصورة المعروفة الآن، ولها نسختان، أحداهما حجازية والأخرى عراقية، ولقد زعم مؤلفوها إنها من رواية الأصمعي، واختلف الباحثون في تحقيق تاريخ وشخصية مؤلفها أو مؤلفيها، ويرجحون إنها تكاملت في مصر في القرن 14 تقريبا، واحتفل الغرب بسيرة عنترة وتأثرت بها آدابه.. والظاهر أن قصة عنترة قد ذكرت في أوروبا أول مرة 1777، ثم دخلت في نطاق بحوث العلماء الأوربيين 1819 على يد هامر بروجستال، كما أدخلها دنلوب، ولبرخت1851 في نطاق الأدب المقارن، وكان الشاعر الفرنسي لامارتين تأخذه نشوة من الإعجاب والحماسة لشعر لعنترة.. ويضع الفيلسوف “تين” عنترة في صف أبطال الملاحم الكبرى، مثل: سيكفريد، رولاند، السيد، رستم، اوديسيوس، وأخيل، كما أن العرب قاموا بدراسة هذه القصة في العصر الأخير واهتمت بها جامعة القاهرة.

السيرة النبوية

ونذكر هنا السيرة النبوية، المعروفة بهذا الاسم لأنها ترتبط ببحثنا، ولكنها تختلف جملة وتفصيلاً عما تناولناه أعلاه. وهي بالتأكيد تختلف عن السير الباقيات لأن السيرة النبوية هي تاريخ كامل ولا ريب فيها عن حياة الرسول، معروف مكانها وزمانها وكافة حيثياتها، في حين إن السير السابقة ليست معروفة المؤلف، والشخصية فيها غير الشخصية المعرّفة فيها..

فهذه السيرة (النبوية) تستمد مادتها من الكتاب والسنة وأحاديث الصحابة والتابعين، وتعتبر ذات قيمة تاريخية وأخرى دينية، وأول من كتب فيها هو محمد بن إسحق 769 في كتاب (المغازي والسير) بأمر من المنصور العباسي، ثم عمل عليه ابن هشام عبد الملك الحموي المولود في البصرة وسكن مصر وتوفي بالفسطاط 834م وسيرته مشهورة فبدأها من إسماعيل بن إبراهيم الخليل ثم انتهى إلى مولد النبي ونشأته وبعثته ورسالته وهجرته وغزواته ووفاته.

الخاتمة

الموضوع قيم وشيق، يظهر مقدرة الكاتب هذا أو ذلك التلون واللعب على الشخصيات والأحداث بما تشبه الواقع.. يا للخيال والإبداع، كم يبدع من حيوات، وكم يظهر السرد الروائي على أبهى شكل وأوفى في السير والملاحم والأشعار.. كشاهد عيان يسجل ما تعانيه الأمة والشعب من آلام ومن آمال، فيها عبر ودروس وفيها مضامين ودلالات إضافة إلى العظة والمتعة والتسلية.

وكذلك المقدرة على التخفي والتبرؤ من ابن بهي تام الخلقة بحجة مراعاة العصر والموضوع، ولكن الحس الإنساني والإبداعي الإلهي لابد أن يسطره من عدمه.. يظهر الشغف الإنساني بالسرد والروي والتعلق بالأشخاص والعصور مهما اختفى أو ضاع.

صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top