« الدُّمُوعُ تُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ الهَواجِسِ الَّتي تَدورُ وَتَكْبُرُ في ذَواتِنا..»
« إِذْ هِيَ الَّتي تُعْطِي المَعانِي الأَصيلَةَ لِلإِنْسانِ..»
بقلم : عصمت شاهين الدوسكي
أَفْراحُ البَشَرِ، مَباهِجُهُمْ مُسْرِعَةٌ لا تَحْتَمِلُ الِاسْتِمْرارَ طَويلًا.. مِثْلَما الشِّعْرُ يَغْرَقُ في آلامِ البَشَرِ كَذلِكَ يَلْمِسُ أَفْراحَهُمْ.. يَجْمَعُها كَتَوْأَمَيْنِ.. ضَعْفُنا.. أَنَّ نِسْبَةَ المَيْلِ إِلَى الأَشْجانِ، المُعاناةِ، الآلامِ أَكْثَرُ.. نادِرًا ما نَجِدُ قَصيدَةً تُصَوِّرُ الفَرَحَ فَقَطْ، الأَلَمُ يَزْحَفُ بِهُدوءٍ ثُمَّ يَتَجَلّى كَطاغوتٍ لا يَقِفُ أَمامَهُ شَيْءٌ.. الثَّواني الَّتي تَمُرُّ في حَياتِنا تُطيلُ دُمُوعَنا، أَشْجانَنا، آلامَنا الإِنْسانِيَّةَ.. وُجودُها يُكَرِّسُ زَخَمَ المُعاناةِ وَهِيَ تُعَبِّرُ عَنْ وُجودِنا… أَرْواحِنا، أَفْكارِنا، قُوَّتِنا.. إِحْساسِنا الصّادِقِ.. الدُّمُوعُ تُعَبِّرُ عَنْ كُلِّ الهَواجِسِ الَّتي تَدورُ وَتَكْبُرُ في ذَواتِنا.. الَّتي نُقَيِّدُها.. دُونَ احْتِمالِ انْطِلاقِها إِلّا عَنْ طَريقِ الدُّمُوعِ.. إِذْ هِيَ الَّتي تُعْطي المَعاني الأَصيلَةَ لِلإِنْسانِ.. إِنَّها صَوْتُ قُلوبِنا.. صَمْتُ إِنْسانِيَّتِنا..
إِذا طَلَبْنا مِنْ شَخْصٍ ما أَنْ يَضْحَكَ.. يَبْتَسِمَ.. لَضَحِكَ، ابْتَسَمَ، لَكِنْ لَوْ طَلَبْنا مِنْهُ أَنْ يَبْكي لَشَعَرَ بِإِرْهاقٍ كَبيرٍ، يُحاوِلُ مَرّاتٍ، لَكِنَّهُ لا يَشْعُرُ بِدَمْعَةٍ واحِدَةٍ عَلى خَدِّهِ.. دُمُوعُنا تُعَلِّمُنا الصَّراحَةَ، تُهَذِّبُنا، تَفْضَحُ الخُدْعَةَ، تُذيبُ كُلَّ الأَقْنِعَةِ، تُحْرِقُ كُلَّ الِابْتِساماتِ الكارْتونِيَّةِ.. المُسْتَعارَةِ.. الِابْتِساماتُ لَيْسَتْ كُلُّها مُشْرِقَةً، الَّذينَ ماتوا بِالضَّحِكِ، بِالقَهْقَهَةِ الكاذِبَةِ، كَثيرونَ.. أَمّا الَّذينَ ماتوا بِالدُّمُوعِ فَقِلَّةٌ قَليلَةٌ.. كانَتْ عَبَراتُهُمْ مَصْدَرَ راحَةٍ، تَنْفيسًا لِآلامِهِمْ.
الشِّعْرُ الكُرْديُّ عالَجَ جَسَدَ الكَثيرِ مِنَ الصُّوَرِ الواقِعِيَّةِ.. بِشَكْلٍ عامٍّ.. دَخَلَ في أَعْماقِ الإِنْسانِ لِيَبْحَثَ عَنْ هَواجِسِهِ، تَفْكيرِهِ، ضَعْفِهِ، قُوَّتِهِ، أَبْسَطِ وَأَعْظَمِ ما فيهِ.. مِنْ هذِهِ الصُّوَرِ الواقِعِيَّةِ صُوَرٌ شِعْرِيَّةٌ اخْتارَها الشّاعِرُ «حِكْمَتُ الأَتْروشي» تَجَلّى في هذِهِ العَبَراتِ.. في قَصيدَتِهِ «أَرْبَعُ قَصائِدَ صَغيرَةٌ..» تَرْتَقي مِنْ عُمْقِ الإِنْسانِ، تَجَلّى في النِّهايَةِ (دُمُوعٌ).. دُمُوعٌ تَنْحَدِرُ مِنْ عَيْنَيْ شَيْخٍ يَحْتَضِرُ. هذِهِ الدُّمُوعُ تُقَسِّمُ قَلْبَهُ إِلَى أَلْفِ قِطْعَةٍ حينَ يُبْصِرُ الدُّمُوعَ، ماذا لَوْ كانَ هُوَ الَّذي يَبْكي؟
قَرَأْتُ أَنَّ إِنْسانًا عاشَ مُعاناةً رَهيبَةً قائِلًا: «لَقَدْ حاوَلْتُ في لَيْلَةِ زِفافِ حَبيبَتي.. أَنْ أَبْكي.. أَنْ أَصْرُخَ.. أَنْ أَلْطِمَ.. فَلَمْ أَسْتَطِعْ، رَأَيْتُ نَفْسي مَجْنونًا فَقَدَ عَقْلَهُ.. أَخَذْتُ أَصْرُخُ، أُنادي نَفْسي، شُجوني، عَواطِفي، أُنادي دُمُوعي لِتُريحَني… فَلَمْ تَطْفُرْ دَمْعَةٌ واحِدَةٌ، وَبَقِيتُ عَلَى الذِّكْرى مُتَجَمِّدًا في انْتِظارِ اليَوْمِ الَّذي أَبْكي فيهِ لِأَنْساها».
هُناكَ فَرْقٌ شاسِعٌ بَيْنَ مَنْ يَرى الدُّمُوعَ وَمَنْ يَحْتَرِقُ بِها.. قُوَّةُ التَّأْثيرِ تَخْتَلِفُ في الحالتَيْنِ.. الشّاعِرُ حِكْمَتُ الأَتْروشي صَوَّرَ لَنا التَّأْثيرَ غَيْرَ المَرْئِيِّ لِرُؤْيَةِ الدُّمُوعِ.. تَشَتُّتَ القَلْبِ، ذِرْوَةَ الِانْفِعالِ، التَّأْثيرُ هَذا يَعْني انْتِقالَ المُؤَثِّرِ بِشَكْلٍ كَبيرٍ وَواسِعٍ في مِحْرابِ الذّاتِ… ذاتِ الشّاعِرِ…
« قَلْبي يَنْقَسِمُ إِلَى أَلْفِ قِطْعَةٍ
حينَ أُبْصِرُ دُمُوعًا تَنْحَدِرُ
مِنْ عَيْنَيْ شَيْخٍ يَحْتَض
ذَهَبَ مَرَّةً الرِّوائِيُّ الإِنْكِليزيُّ «شارْل ديكِنْز» إِلَى مَلْجَإِ الأَطْفالِ، عاشَ مَعَهُمْ يَوْمًا كامِلًا، فَشَعَرَ بِالسَّعادَةِ الرُّوحِيَّةِ.. وَفي لَحْظَةِ وَداعِهِ لَهُمْ وَقَفَ عَلى بابِ المَلْجَإِ يَمْسَحُ دَمْعَةً واحِدَةً.. تَسَلَّلَتْ مِنْ عَيْنَيْهِ وَيَقولُ: «اليَوْمَ بَكَيْتُ دَمْعَةً سَتُسْعِدُني زَمَنًا..!!» هَلْ كانَ ديكِنْز مَريضًا؟ يَحْتاجُ إِلَى السَّعادَةِ مَهْما كانَ الأَمْرُ.. كانَتِ الدَّمْعَةُ مْدَرَ سَعادَةٍ.
الشَّيْخُ المَريضُ يُداعِبُ أَطْفالَهُ الصِّغارَ.. صورَتانِ شِعْرِيَّتانِ، واحِدَةٌ تَسْتَمِدُّ مِنَ الأُخْرى الرّاحَةَ، الحَنانَ، الِاطْمِئْنانَ…. الشَّيْخُ المَريضُ يَشْعُرُ بِالرّاحَةِ بِمُداعَبَةِ أَطْفالِهِ الصِّغارِ. الأَطْفالُ الصِّغارُ لا يُدْرِكونَ مَدى شِدَّةِ المَرَضِ.. آثارَهُ، أَساليبَ عِلاجِهِ، لَكِنَّهُمْ يَشْعُرونَ بِسُرْعَةٍ رَهيبَةٍ بِالحَنانِ، العَطْفِ، الِاطْمِئْنانِ الَّذي يَزْهو في عالَمِهِمُ الفِرْدَوْسِيِّ.. هِيَ صورَتانِ شِعْرِيَّتانِ جَميلَتانِ نَشْعُرُ مِنْ خِلالِهِما.. أَنَّ الشَّيْخَ المَريضَ قَدْ شَعَرَ بِوُصولِ دَمْعَةٍ… لَكِنَّها جَفَّتْ في مَآقيهِ.. وَهِيَ دَمْعَةُ الرّاحَةِ..
« لَيْسَ أَجْمَلَ
مِنْ شَيْخٍ مَريضٍ
يُداعِبُ أَطْفالَهُ الصِّغارَ »
رُبَّما قارِئٌ يَسْأَلُ: هَلْ هُناكَ دُمُوعٌ قاسِيَةٌ..؟ إِنَّ الدُّمُوعَ الحائِرَةَ في المَآقي.. هِيَ أَقْسَى الدُّمُوعِ في حَياةِ الإِنْسانِ.. لَوْ تَسَلَّلَتْ هذِهِ الدَّمْعَةُ الحائِرَةُ.. لَشَعَرَ صاحِبُها بِالرّاحَةِ، لَكِنْ.. إِنْ مَكَثَتْ في مَكانِها.. بِماذا يَشْعُرُ صاحِبُها؟ بِالحَيْرَةِ وَالأَلَمِ فَقَطْ؟
كادَ يَصْرُخُ أَحَدُ الأَبْطالِ بَعْدَ انْتِصارِهِ الكَبيرِ وَفَتْحِهِ العَظيمِ.. كانَ يَقِفُ أَمامَ «فْلورِنْدا» الإِسْبانِيَّةِ، الفارِعَةِ.. وَأَمامَهُ يَقِفُ أَيْضًا خُلُقُهُ، مَبادِئُهُ، سُلوكُهُ وَعَقْلُهُ… أَحَبَّها لِأَنَّها كانَتْ فَتاةً عَظيمَةً خَدَمَتْ وَطَنَها وَشَعَرَ نَحْوَها بِالتَّقْديرِ.. وَالحُبِّ.. الَّذي لا يَكْبُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.. لَكِنَّهُ لَنْ يَتَزَوَّجَها، وَقَفَ يَتَطَلَّعُ إِلَيْها، يَسْتَجْدي عَيْنَيْهِ أَنْ تَبْكِيا دَمْعَةً واحِدَةً لِيَنْتَصِرَ عَلى نَفْسِهِ وَيُقْفِلَ راجِعًا وَمُنْتَصِرًا.. فَلَمْ تَسْقُطْ تِلْكَ الدَّمْعَةُ الحائِرَةُ في عَيْنَيْهِ الَّتي جَعَلَتْ قَلْبَهُ وَعَقْلَهُ يَنْتَصِرانِ مَعًا.. مِثْلَما هُناكَ دُمُوعُ الرّاحَةِ وَالسَّعادَةِ.. تَتَجَلّى دُمُوعُ النَّصْرِ الرُّوحيِّ، وَمِيلادُها يَخْتَلِفُ عَنْ مِيلادِ الدُّمُوعِ الأُخْرى.. الأَحْزانُ كَثيرَةٌ.. لَكِنَّ حُزْنَ الأُمِّ يَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ الأَحْزانِ.. حَتّى لَوْ ضَرَبَتْ صَغيرَها، ثُمَّ تَكادُ أَنْ تَبْكيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ نامَ طِفْلُها.. سَيْلًا مِنَ الدُّمُوعِ، حَيْرَةٌ كُبْرى.. صورَتانِ مُتَناقِضَتانِ.. رَغْمَ تَصَرُّفِ «الضَّرْبِ» فَهِيَ غَيْرُ راضِيَةٍ، وَلِعَدَمِ رِضاها.. بِاعْتِبارِ أَنَّها ارْتَكَبَتْ ذَنْبًا تُجاهَ طِفْلِها، تُحاوِلُ مُعاقَبَةَ تَصَرُّفِها وَالِانْتِصارَ عَلى ذَنْبِها، ذاتِها.. الخَلاصَ مِنَ الشُّعورِ بِالذَّنْبِ.. بِتَقْبيلِ طِفْلِها وَالبُكاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ نائِمٌ.. حَيْرَةٌ تُواجِهُ الأُمَّ… فَالطِّفْلُ يَحْتاجُ إِلَى الإِرْشادِ وَالسَّبيلِ الصَّحيحِ.. في نَفْسِ الوَقْتِ لا تَرْغَبُ في إِبْداءِ تَصَرُّفٍ تَنْدَمُ عَلَيْهِ في النِّهايَةِ..
« آهِ مِنْ حُزْنِ أُمٍّ
ضَرَبَتْ صَغيرَها فَنامَ
بِدَمْعٍ قَدْ جَفَّ عَلى خَدَّيْهِ
الأُمُّ تُقَبِّلُهُ وَتَكادُ أَنْ تَبْكي »
الشّاعِرُ «حِكْمَتُ الأَتْروشي» جَسَّدَ مِنْ خِلالِ صُوَرِهِ الشِّعْرِيَّةِ وَإِحْساسِهِ المُرْهَفِ كَأَنَّهُ في احْتِواءِ صُوَرٍ إِنْسانِيَّةٍ سَرْمَدِيَّةٍ.. مَهْما كانَتِ الصُّوَرُ مُؤْلِمَةً فَهِيَ تُعَبِّرُ بِشَكْلٍ واقِعِيٍّ لَحَظاتِ الإِنْسانِ الشَّجِيَّةِ وَتَناقُضاتِها.. الدُّمُوعُ الَّتي عَرَّفَنا عَلَيْها الشّاعِرُ هِيَ دُمُوعٌ إِنْسانِيَّةٌ صادِقَةٌ.. وُلِدَتْ.. لَمْ تُولَدْ بَعْدُ، مِيلادُها يَقْتَرِنُ بِلَحَظاتِ الإِنْسانِ وَما يَسْتَجِدُّ فيها.. مُرْتَبِطٌ ارْتِباطًا وَثيقًا بِأُطُرِ الماضي الَّذي لا نَنْساهُ أَبَدًا.. أَبَدًا.
ت ١ / ١٩٩٣











