د. محمود عباس
لم يكن الصراع المذهبي في الإسلام طارئًا على تاريخ المنطقة، ولا مجرد اختلاف فقهي بين مدرستين دينيتين، بل تحوّل منذ القرون الأولى إلى أداة سلطة، وشرعية حكم، وذريعة لحروب الإمبراطوريات. فمن السقيفة والجمل وصفين وكربلاء، إلى الصراع العثماني–الصفوي، ظلّ الدين يُستدعى كلما احتاجت السلطة إلى غطاء مقدس. وعندما فُرضت معاهدة أماسيا عام 1555م بين العثمانيين والصفويين، لم تكن بنودها عسكرية وحدودية فقط، بل شملت أيضًا وقف الطعن في رموز الذاكرة السنية، ومن أبرز ما أصرّ عليه العثمانيون في ذلك الصلح توقف الصفويين عن الطعن العلني في أبي بكر وعمر وعائشة وسائر رموز الذاكرة السنية في المنابر والمساجد والساحات. لم يكن هذا الشرط تفصيلًا عابرًا، بل كان يكشف أن الدين، منذ السقيفة، لم يُستخدم بوصفه إيمانًا خالصًا، بل بوصفه أداة دولة وسلاح تعبئة وغطاءً للسلطة ولحروب الإمبراطوريات.
ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، لم تنتهِ هذه الذهنية، بل انتقلت إلى خرائط جديدة. فقد جاءت اتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، ثم وعد بلفور عام 1917، ومؤتمر سان ريمو عام 1920، ومعاهدة لوزان عام 1923، لتعيد تشكيل الشرق الأوسط على أساس مصالح القوى المنتصرة لا على أساس حقوق الشعوب. خرجت دول عربية وتركية وفارسية بحدود سياسية معترف بها، وحصل الشعب اليهودي لاحقًا على مسار دولي انتهى بإعلان دولة إسرائيل عام 1948، بينما بقيت كوردستان ممزقة بين أربع دول، وتحولت قضيتها إلى الجريمة الكبرى المسكوت عنها في ضمير المنطقة.
ومنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، أُعيد إنتاج هذا الصراع المذهبي بلباس جديد. رفعت إيران شعار فلسطين والمقاومة ومحاربة إسرائيل، لكنها في العمق لم تكن تحمل مشروع تحرير بقدر ما كانت تبني مشروع نفوذ شيعي–فارسي يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وهنا يبدأ المسكوت عنه في سياسة إيران، ليس في دعمها لفلسطين فقط، بل في الطريقة التي حوّلت بها فلسطين إلى قناع سنّي لمشروع شيعي–فارسي.
فالنظام الإيراني، منذ 1979، لم يكن قادرًا على اختراق الوجدان العربي السني من بوابة التشيع، ولا من بوابة ولاية الفقيه، ولا من بوابة الذاكرة الصفوية التي بقيت مثقلة بتاريخ الصراع مع العثمانيين والعرب السنة. لذلك احتاج إلى قضية عابرة للمذهب، لا يستطيع الشارع العربي والإسلامي رفضها، فوجد في فلسطين الجسر المثالي لاختراق العالم السني من الداخل.
هنا تكمن الخدعة الكبرى، إيران لم تتبنَّ فلسطين لأنها فلسطينية فقط، بل لأنها القضية الوحيدة القادرة على منح نظام شيعي فارسي شرعية داخل شارع عربي سني كان سيرفضه لو دخل إليه بعمامته المذهبية المكشوفة. فلسطين كانت، بهذا المعنى، بطاقة عبور مذهبية وسياسية. رفعت طهران شعار “القدس” كي لا يُسأل مشروعها عن بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. ورفعت شعار “الموت لإسرائيل” كي تخفي سؤالًا أعمق، ماذا تفعل إيران في أربع عواصم عربية؟ ولماذا تتحول كل قضية تلمسها إلى ذراع عسكرية أو ورقة تفاوض؟
الأكثر إثارة أن إيران استخدمت حماس، وهي حركة سنية، لا لأنها تنتمي إلى مشروعها العقدي، بل لأنها تصلح لإرباك النظام العربي السني من داخله. فحين تدعم إيران حزب الله، يبدو الأمر مفهومًا ضمن الرابط الشيعي. وحين تدعم الحوثيين، تستطيع أن تضخ في الزيدية معنى شيعيًا سياسيًا أوسع. أما حماس فكانت الجائزة الأخطر، ورقة سنية في يد نظام شيعي. وبها استطاعت طهران أن تقول للعالم الإسلامي إن العرب السنة عجزوا عن حماية فلسطين، بينما إيران الشيعية هي التي تحمل راية “المقاومة”. لم يكن الأمر إذن دعمًا بريئًا لقضية عادلة، بل اختراقًا نفسيًا ورمزيًا لقيادة العالم الإسلامي.
ولهذا السبب، كلما جلست إيران على طاولة التفاوض، اختفت فلسطين من مركز الكلام. تحضر العقوبات، يحضر النووي، تحضر الأموال المجمدة، يحضر مضيق هرمز، تحضر حرية الملاحة، وتحضر ضمانات بقاء النظام؛ أما غزة والقدس وحماس والحوثيون وجنوب لبنان، فيتحولون إلى ظلال خلفية. هنا يظهر الفرق بين الشعار والغاية. ففلسطين في الشارع راية، لكنها في المفاوضات ورقة. والورقة لا تُعبد، بل تُستخدم وتُؤجل وتُساوم عليها.
أما لبنان فكان المختبر الأوضح لهذا المشروع. فلم يكن حزب الله مجرد تنظيم لبناني “مقاوم”، بل كان أول نموذج ناجح لتحويل جماعة مذهبية عربية إلى ذراع استراتيجية لإيران. ومن خلاله جرى ربط جنوب لبنان بطهران، لا بفلسطين وحدها. فالفلسطيني كان عنوانًا تعبويًا، أما الجغرافيا الحقيقية فكانت ممر النفوذ: طهران، بغداد، دمشق، بيروت. ولهذا لم تكن سوريا، في الحساب الإيراني، دولة حليفة فقط، بل ممرًا مقدسًا للمشروع؛ ومن أجل هذا الممر جرى سحق الثورة السورية، وتقديم بقاء الأسد على دماء السوريين، وعلى كل شعارات “المستضعفين” التي ملأت خطب طهران.
وفي المقابل، لم تكن مواقف بعض الدول العربية وتركيا السنية من نظام الأسد نابعة كلها من حرص خالص على الشعب السوري، بقدر ما كانت، في جانب مهم منها، جزءًا من صراع أوسع مع التمدد الإيراني الشيعي داخل الجغرافية السنية. فقد جرى استثمار المأساة السورية لا فقط لإسقاط نظام مجرم، بل أيضًا لقطع الطريق على الهلال الإيراني الممتد من طهران إلى المتوسط. وبذلك تكررت، بصورة أخرى، الجدلية ذاتها التي ظهرت في العراق بعد سقوط بغداد: صراع مذهبي وسياسي على الجغرافيا والنفوذ، تُرفع فيه شعارات الحرية أو المقاومة أو حماية المذهب، بينما تُدار المعركة الحقيقية على الممرات، والحدود، ومراكز القوة، ومن يملك حق التحكم بمصير المنطقة.
وفي اليمن تكررت اللعبة، لكن بأسلوب آخر. الزيدية، تاريخيًا وفقهيًا، ليست نسخة من التشيع الاثني عشري الإيراني، ومع ذلك جرى جذب الحوثيين إلى فضاء “المحور” لا بقوة العقيدة وحدها، بل بقوة الوظيفة السياسية. كان المطلوب خاصرة مفتوحة على السعودية، لا تحرير اليمن. كان المطلوب تهديد البحر الأحمر والضغط على الرياض، لا بناء دولة يمنية عادلة. وهكذا صار الحوثي، مثل حزب الله، ومثل بعض فصائل العراق، ومثل النظام السوري، جزءًا من خريطة أدوات لا من خريطة مبادئ.
لكن الفضيحة الأكبر لا تظهر في فلسطين ولا لبنان ولا اليمن، بل في كوردستان. هناك تسقط كل الأقنعة دفعة واحدة. إيران التي تدافع عن الفلسطيني السني ضد إسرائيل، تقمع الكوردي السني والشيعي واليارساني في شرق كوردستان. تركيا السنية التي تعادي إيران الشيعية تاريخيًا، تلتقي معها عند العداء للحق الكوردي. النظام العربي الذي يبكي فلسطين، يصمت على تقسيم كوردستان. والغرب الذي يتحدث عن الأقليات وحقوق الإنسان، يتعامل مع الكورد كقوة أمنية مؤقتة لا كأمة ذات حق تاريخي.
ولا تقف هذه المنهجية عند إيران وحدها؛ فالعالم العربي وتركيا السنية يمارسان الازدواجية ذاتها ولكن بلغة أخرى. فهما يهاجمان إيران بوصفها مشروعًا شيعيًا متمدّدًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ويستخدمان ضد إسرائيل مصطلحات مثل “الكيان الصهيوني” و”الاحتلال الإسرائيلي” من منطلق ديني وسياسي، لكنهما يصمتان أو يبرران عندما يكون الاحتلال واقعًا على كوردستان. هنا يظهر التناقض الصارخ، يصبح الدين حاضرًا عندما يكون الخصم يهوديًا، وتصبح العدالة واجبة عندما تكون فلسطين في الواجهة، لكن الدين ذاته يغيب، والعدالة ذاتها تُعلّق، عندما يكون الضحية كورديًا. فتركيا السنية تحتل وتتوغل في الجغرافية الكوردية باسم الأمن القومي، وإيران الشيعية تقمع شرق كوردستان باسم وحدة الدولة، والدول العربية التي ورثت خرائط سايكس–بيكو تتحدث عن فلسطين وتنسى أن كوردستان قُسمت بين دول سنية وشيعية معًا. وهنا لا يعود الخلاف سنيًا–شيعيًا ولا عربيًا–فارسيًا، بل يصبح اتفاقًا ضمنيًا على إنكار الحق الكوردي كلما حضر بوصفه قضية شعب وأرض وتاريخ.
كوردستان تكشف ما لا تريد المنطقة الاعتراف به، أن الصراع السني–الشيعي ليس مبدأ، بل أداة؛ وأن فلسطين ليست دائمًا قضية في يد الأنظمة، بل قد تتحول إلى رخصة أخلاقية لتمرير مشاريع أخرى؛ وأن الاحتلال لا يُدان لأنه احتلال، بل يُدان عندما يمارسه الخصم، ويُبرَّر عندما يمارسه الحليف أو الذات. لذلك يستطيع العربي السني والتركي السني والإيراني الشيعي أن يختلفوا على كل شيء، ثم يلتقوا عند نقطة واحدة، منع الكورد من التحول إلى قوة سياسية مستقلة في أرضهم.
من هنا تصبح إيران ليست مجرد دولة تدعم حركات مسلحة، بل عقلًا سياسيًا يعرف كيف يلبس كل قضية الثوب الذي يخدمه. في فلسطين تلبس ثوب المقاومة الإسلامية الجامعة. في لبنان تلبس ثوب حماية الشيعة. في اليمن تلبس ثوب نصرة المستضعفين. في سوريا لبست ثوب حماية محور المقاومة. أما في كوردستان، فتخلع كل الأقنعة وتظهر كدولة قومية مركزية تخاف من حرية شعب أصيل على أرضه.
هذه هي الزاوية التي يجب أن تُقال، إيران لم تخن فلسطين لأنها تفاوضت، بل لأنها حوّلت فلسطين منذ البداية إلى أداة لا إلى غاية. ولم تكشف كوردستان نفاق إيران وحدها، بل كشفت نفاق الشرق الأوسط كله؛ فكلهم يعرفون لغة المظلومية عندما تخدمهم، وكلهم ينسون العدالة عندما يكون اسم الضحية كورديًا.
الولايات المتحدة الأمريكية
7/5/2026 م
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87135
مقالات قد تهمك











