العدالة الانتقالية في سوريا: استعادة الحقوق وبناء التوازن الوطني

يُمثّل مفهوم العدالة الانتقالية في السياق السوري الراهن إطاراً منهجياً يجمع بين كشف الحقائق التاريخية والمحاسبة القانونية والإصلاحات المؤسسية، بهدف استعادة التوازن الاجتماعي والسياسي بعد عقود من الاستبداد والنزاع. وتُقدَّم العدالة الانتقالية بمعناها العميق كآلية موضوعية لمعالجة الانتهاكات، سواء تلك التي وقعت في عهد نظام الأسد أو خلال المرحلة التي تلت سقوطه، عبر ضمان إعادة الحقوق وجبر الضرر وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق المدنيين السوريين. وفي هذا الإطار، تمهّد العدالة الانتقالية لانتقال مستقر نحو حكم قائم على سيادة القانون، بما يعزّز الوحدة الوطنية ويمنع تكرار الانتهاكات بمختلف أشكالها.

ورغم تعقيدات الواقع السوري وتحدياته الراهنة، يرى غالبية السوريين أن العدالة الانتقالية ضرورة وطنية لا يمكن تجاوزها، على أن تكون مساراً شاملاً لا يخضع للانتقائية أو النزعات الانتقامية. فإرساء هذا المسار يتطلب قوانين صارمة تضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها، سواء قبل سقوط النظام أو بعده، بما يكرّس مبدأ المساواة أمام القانون.

المحامي وجيه درويش من مدينة اللاذقية يؤكد، بحكم عمله في المجالين الحقوقي والقضائي، أن هناك العديد من الحالات التي يتابعها وتمثّل، وفق تعبيره، “كارثة إنسانية يجب أن تُعالج ضمن إطار العدالة الانتقالية”، مضيفاً أن “جروح السوريين لا تزال تنزف حتى بعد انتهاء الحرب”.

ويرى درويش أنه في السياق السوري الحالي، حيث تتداخل أنقاض الديكتاتورية مع فوضى انتقال غير مكتمل، تبرز العدالة الانتقالية بوصفها معادلة وطنية متكاملة الأركان، قادرة على نسج نسيج جديد للدولة والمجتمع. ويضيف أن العدالة الانتقالية “ليست مجرد آلية قانونية جامدة، بل عملية سياسية عميقة تجمع بين الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، وتمنح الضحايا صوتاً يُسمع وجرحاً يُداوى، وتمنع تكرار المأساة في الأجيال القادمة”.

ويتابع قائلاً: “في اللاذقية أرى بوضوح كيف أن غياب العدالة الانتقالية يُعمّق جراح السوريين، فالسوريون عموماً، وأهالي اللاذقية وجبلة وبانياس على وجه الخصوص، ممن تعرضوا لانتهاكات جسيمة، يواجهون واقعاً يتسم باللامبالاة الدولية والانقسامات الداخلية وغياب مسار العدالة. حيث يُعامل بعض الجناة كشركاء في المستقبل دون محاسبة، ما يولّد شعوراً بالظلم الجماعي ويغذّي الاستياء الشعبي”. ويؤكد أن العدالة الانتقالية ترفض هذا الواقع، إذ إن تطبيقها عبر آليات مثل لجان الحقيقة والمصالحة يساهم في كشف الانتهاكات، من اعتقالات تعسفية وتعذيب وإعدامات، ليس بدافع الانتقام، بل لفهم جذور الانهيار ومعالجتها.

ويشدد درويش على ضرورة “محاسبة كل من تسبب في قتل السوريين دون استثناء، ومحاسبة رموز النظام وكل من تورط في إراقة الدماء أو تغييب السوريين”، معتبراً أن جبر الضرر يشكّل الركن الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة، حيث يمتد الضرر إلى الأرض والإنسان والاقتصاد. ويوضح أن التعويض المالي وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع إعادة تأهيل نفسي واجتماعي، واستعادة الكرامة من خلال إشراك الضحايا في صياغة الدستور وبناء المؤسسات.

ويختم درويش بالقول: “دون عدالة انتقالية حقيقية، سيبقى الواقع السوري أسيراً لدورة العنف، فالمحاسبة غير الشاملة تنتج مجتمعات مشوّهة. وتأخر هذا المسار قد يدفع الضحية إلى السعي للانتقام. لذلك، فإن العدالة الانتقالية اليوم ضرورة وطنية واستراتيجية لبناء دولة القانون، وأنا أدعو إلى نموذج سوري يجمع بين التقاليد المحلية والمعايير الدولية، لتكون العدالة مصدراً للأمل لا للألم”.

من جانبه، يقول نور الدين الحارة من طرطوس: “بوصفي ناشطاً سياسياً نشأ في سياق الثورة السورية، أرى أن العدالة الانتقالية تمثّل الجسر الوحيد نحو سوريا جديدة يشعر أبناؤها بالاستقرار. فسوريا لا تُعرف بالانتقام، بل بإعادة الحقوق الكاملة لكل أبنائها، من الساحل إلى الشرق”. ويضيف أن العدالة الانتقالية، في ظل حالة عدم الاستقرار والتدخلات الخارجية، تتجاوز كونها عملية قانونية لتصبح “تحولاً سياسياً يعيد صياغة الهوية الوطنية، ويؤسس لمرحلة قائمة على المساواة والكرامة، بعيداً عن الخوف والطائفية”.

ويؤكد الحارة أن استعادة الحقوق تبدأ بكشف الحقيقة الكاملة، موضحاً أن “السوريين لا يطالبون بالثأر، بل بمعرفة مصير المختفين قسراً، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واستعادة الحقوق المصادرة، والمشاركة في صياغة دستور عادل”. ويضيف: “نأمل فتح ملفات التعذيب ومحاكمة الجناة أمام محاكم انتقالية مستقلة تضم ممثلين عن مختلف مكونات المجتمع، لأن ذلك يشكّل أساساً لدولة مستقرة”.

 

ويرى الحارة أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على مصالحة حقيقية تعيد بناء الثقة بين السوريين، عبر برامج تعكس تاريخهم المشترك وتدعم المشاركة الشعبية في الحكم، بما يحوّل الثورة إلى نظام ديمقراطي مستدام.

ويتابع: “المطلوب من السلطة اليوم واضح: الاعتراف بالعدالة الانتقالية كأولوية وطنية، وتشكيل هيئة مستقلة تضم ممثلين عن الضحايا، ووقف أي تسويات مع الجناة، وفتح الأرشيفات الأمنية، وتأمين حماية الشهود، إلى جانب تخصيص موارد حقيقية لجبر الضرر ودعم الناجين”.

ويختم الحارة بالقول: “لا بد من عقد مؤتمر وطني شامل لصياغة ميثاق للعدالة الانتقالية يُلزم السلطة بجدول زمني واضح. وإذا تأخر هذا المسار، ستفقد السلطة شرعيتها، لأن العدالة ليست خياراً، بل الطريق الوحيد لخروج سوريا من أزمتها نحو مستقبل يليق بتضحيات شعبها”.

في المحصلة، تبدو العدالة الانتقالية المسار الأكثر واقعية لمعالجة جراح السوريين، عبر الجمع بين المحاسبة وجبر الضرر، وتأسيس عقد وطني جديد قائم على الحقوق والمساواة. وهي، بذلك، تمثل المدخل الأساسي لتحويل حالة الانقسام إلى نسيج وطني متماسك، يفتح الطريق أمام استقرار مستدام ويمنع إعادة إنتاج العنف، شرط التزام جاد وشامل من جميع الأطراف.

معن جبلاوي- اللاذقية

المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top