أحمد حسن
ليلة الجمعة 30 تموز 1943 في قضاء أوزالب في وان، على الحدود الإيرانية، في وادي سيفو، وبأوامر من قائد الجيش الثالث الجنرال مصطفى موغلالي تم تحميل 33 شخصاً في الشاحنات. في منتصف الليل أُعدموا رمياً بالرصاص. لم تُسلّم الجثث إلى عائلاتهم. وما زال مكان دفنهم مجهولاً منذ 83 عاماً. لم يكن هذا مجرد إعدام. كان رسالة.
لماذا أوزالب؟ لماذا 1943؟
أوزالب، زيلان، ساراي. كلها على حدود شرق كردستان. جغرافية انتفاضة آغري عام 1927 ومجزرة وادي زيلان عام 1930. بين الذين أُعدموا رمياً بالرصاص في 30 تموز 1943 كان هناك من شاركوا في انتفاضة آغري. وكان هناك شهود عاشوا ما حدث في زيلان. أي أنهم كانوا الذاكرة التي اعتبرتها الدولة “خطيرة”.
كان عام 1943 والحرب العالمية الثانية مستمرة بكل ضراوتها. الجيش السوفييتي وبريطانيا بدأوا بالسيطرة على إيران التي كانت تساعد وتدعم هتلر. وأمام الحراك السياسي في أذربيجان شرق كردستان تحركت تركيا. كانت تركيا على الحدود؛ وكان خوف أنقرة واضحاً: هل ستندلع انتفاضة جديدة في الشرق إذا طالت الحرب؟
جاء الجواب في وادي سيفو. تم جمع وجهاء عشيرة ميلان. وتم إعداد سيناريوهات المؤامرة بذريعة “تهريب الحيوانات”؛ الهدف كان تصفية وجهاء المنطقة وتوجيه تحذير لأي تحرك محتمل.
ليلة 30 تموز ساعة بساعة
في النهار: اعتقل الدرك 40 شخصاً في أوزالب. أوقفت المحكمة خمسة منهم وأطلقت سراح خمسة وثلاثين.
وفي مساء اليوم: وصل الجنرال مصطفى موغلالي إلى أوزالب. وأعاد اعتقال 33 ممن أُطلق سراحهم بذريعة “لم تنته استجواباتهم”.
بعد منتصف الليل: تم اقتياد الثلاثة وثلاثين معتقلاً إلى ضفة وادي سيفو وأيديهم مكبلة. تم إعدامهم رمياً بالرصاص دون محاكمة.
وفي صباح المجزرة: كُتب التقرير العسكري: “تم إطلاق النار عليهم أثناء محاولتهم الهرب”. وتم فرض طوق أمني على المنطقة.
تمكن شخص واحد جريح من الهرب إلى القرية وحكى ما حدث. تمت تقديم الطلبات. ولم تسفر عن نتيجة، لم تُسلّم الجثث إلى العائلات، ولم يتم إخبار أحد بمكان دفنهم. كما في باقي المجازر الكردية في تاريخ الجمهورية.
لأول مرة في البرلمان: 12 شباط 1956
بعد حوالي عشر سنوات كُسر الصمت بإصرار ثلاثة نواب:
مصطفى أكينجي نائب آمد هو “خال” للشاعر أحمد عارف الذي كتب قصيدة الـ 33 رصاصة.
رمزي بوجاق نائب أورفا؛ لم يترك الموضوع بفضل الأسئلة البرلمانية التي قدمها.
محمد عزيز أوغلو نائب؛ كان من أكثر من تحدثوا عن المجزرة بأسلوب حاد في اللجنة.
ودخل الموضوع إلى محاضر الجلسة العامة للبرلمان بتاريخ 12 شباط 1956. قال وزير العدل في ذلك الوقت عصمت بوداك أوغلو من على المنبر: “الواقعة حدثت في قضاء أوزالب بـ وان عام 1943. استشهد 33 من مواطنينا. وقد جرت محاكمة عسكرية بشأن هذه الواقعة، ونتيجة لذلك حُكم على الجنرال مصطفى موغلالي بالسجن الشاق لمدة 20 عاماً”.
وفي 25 شباط 1956 استمرت النقاشات. وأُعد تقرير لجنة التحقيق البرلمانية، وبفعل الضغط أُعيد فتح الملف.
القصيدة كانت أقوى من الأرشيف
في عام 1954 كتب زاهر غوفيملي مقالاً في جريدة “حريت” عن مجزرة أوزالب. قرأه الشاعر أحمد عارف وقال بعد قراءتها “دار رأسي”. وبعد 14 عاماً، في عام 1968، نشر أحمد عارف قصيدته “33 رصاصة” في كتابه “أبليت قيودي من شدة الشوق إليك”.
الملف الذي أغلقته الدولة تم، لكن ما زالت القصيدة تحفظ الذاكرة التاريخية للمجزرة حتى اليوم.
لا توجد قبور، فمنذ 83 عاماً لا يُعرف أين ترقد الـ 33 شهيداً. والعائلات تقيم العزاء دون قبر.
بديلة دمير باجاق عمرها 90 عاماً. تقول “أخذوا أبي ولم يعيدوه”. وشاهد آخر على الحادثة هو عبد الرحمن سورو يقول “كانت أيديهم مكبلة، واقتادوهم ضرباً. كانوا ثلاثة وثلاثين شخصا”.
المكان محظور: وادي سيفو ما زال منطقة عسكرية. حتى طواقم التصوير السينمائي لا يُسمح لها بالدخول.
جدل حول الاسم: في عام 2004 أُطلق اسم “موغلالي” على كتيبة الدرك في أوزالب. وتم تغييره في عام 2011.
30 – 31 تموز 1943 في أوزالب لم تكن مصادفة.
المجزرة كانت امتداداً لآغري ولزيلان. كانت محاولة لقطع الذاكرة على الحدود.
الذريعة كانت جاهزة كما في كل المجازر الكردية. التهريب، التمرد، أمن الحدود. شيفرات الدولة التي عمرها قرن لم تتغير.
إعدام دون محاكمة، دفن بدون قبور، وإنكار استمر لسنوات.
أغلقت الدولة الملف في عام 1958 بسبب “التقادم”.
لكن في أوزالب في كل 30 – 31 تموز تُشعل 33 شمعة ويتم احياء ذكرى الـثلاثة والثلاثين شهيدا؛ لأن تاريخ الذين بلا قبور ولا يُغلق.
صحيفة روناهي





