شيركو بيكس… حين أصبح الشعر وطناً في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الشاعر الكبير

تكبير الصورة

دجوار أحمد آغا 

ثمة شعراء يكتبون القصيدة، وثمة شعراء تتحول حياتهم نفسها إلى قصيدة. وشيركو بيكس كان من أولئك القلائل الذين لم تكن الكلمة إليهم مجرد وسيلة للتعبير، بل كانت وطناً حين ضاقت الأوطان، وجبلاً حين انهارت المدن، ونافذةً مفتوحة على الحرية كلما أُغلقت أبواب الحياة.

في الرابع من آب 2013، أُسدل الستار على حياة أحد أعظم شعراء الكرد في العصر الحديث، لكن الموت لم يستطع أن يطوي صفحته. فما زالت قصائده تُقرأ بلغات عديدة، وما زالت صوره الشعرية تعبر الحدود، حاملةً رائحة جبال كردستان، وصوت الأنهار، ووجع الإنسان الكردي الباحث عن الكرامة والحرية.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

لم يكن شيركو بيكس شاعراً قومياً بالمعنى الضيق للكلمة، رغم أن القضية الكردية شكّلت أحد أهم ينابيع إبداعه، بل كان شاعراً إنسانياً آمن بأن الحرية لا تتجزأ، وأن الألم الإنساني واحد مهما اختلفت اللغات والقوميات. لذلك؛ استطاعت قصيدته أن تلامس قارئاً في السليمانية كما تلامس قارئاً في باريس، وستوكهولم، أو القاهرة.

لقد كتب للوطن، لكنه لم يحصر الوطن في الجغرافيا، بل جعله حالةً روحية يعيشها الإنسان أينما كان. وكتب للحب، لكنه لم يفصله عن الحرية. وكتب للطبيعة، حتى بدت الأشجار والطيور والجبال في شعره كائنات حية تتحدث وتبكي وتقاوم مع الإنسان.

حين ولد شاعر بين الجبال 

ولد شيركو بيكس عام 1940 في مدينة السليمانية، المدينة التي طالما وُصفت بأنها العاصمة الثقافية لباشور كردستان، لما أنجبته من شعراء ومفكرين ومبدعين. ولم تكن ولادته في بيت الشاعر الكبير فائق بيكس مجرد صدفة عائلية، بل كانت بداية علاقة مبكرة مع الشعر. فقد تربى الطفل شيركو بيكس وسط الكتب والقصائد والحوارات الأدبية، فتشكل وجدانه على إيقاع اللغة قبل أن يتعرف إلى العالم الواسع. لكن؛ طفولته لم تكن هادئة كما قد يتصور البعض. فقد عاش في زمن كانت فيه باشور كردستان تعيش تحولات سياسية عاصفة وصراعات متواصلة، الأمر الذي جعله يدرك منذ سنواته الأولى معنى الحرمان والاضطهاد، وهو ما انعكس لاحقاً في قصائده التي امتزج فيها الجمال بالحزن، والأمل بالمقاومة.

كان لوفاة والده وهو ما يزال في سن مبكرة أثر عميق في شخصيته، إذ وجد نفسه أمام مسؤولية روحية كبيرة؛ أن يحمل إرثاً أدبياً وثقافياً، وأن يصنع صوته الخاص بعيداً عن ظل الأب الكبير. وقد نجح في ذلك بجدارة، حتى أصبح اسمه لاحقاً أشهر من اسم والده في المشهد الشعري الكردي.

من القصيدة إلى الجبل… ومن الجبل إلى المنفى 

لم تكن حياة شيركو بيكس منفصلة عن تاريخ الشعب الكردي. فقد عاش مراحل النضال الوطني بكل تفاصيلها، وارتبط بالحركة التحررية الكردية منذ شبابه، الأمر الذي اضطره إلى حمل حقيبة المنفى أكثر من مرة. عاش سنوات في جبال كردستان، حيث لم تكن الجبال تضاريس طبيعية، بل مدارس للحرية، وملاجئ للأحلام، وفضاءات مفتوحة للتأمل. هناك تعلم أن الإنسان قد يخسر كل شيء إلا كرامته، وأن القصيدة يمكن أن تُكتب تحت الثلج كما تُكتب في دفء البيوت.

وفي سنوات المنفى، تنقل بين عواصم عديدة، لكنه ظل يحمل وطنه في ذاكرته. لم يتحول المنفى عنده إلى مكان للشكوى، بل إلى مساحة أوسع للتأمل في معنى الوطن والإنسان والحرية. ولذلك جاءت قصائده في تلك المرحلة أكثر نضجاً، وأكثر انفتاحاً على التجارب الإنسانية العالمية. وعندما عاد إلى باشور كردستان بعد انتفاضة عام 1991، لم يعد شاعراً يبحث عن مكان، بل عاد رمزاً ثقافياً يحتل مكانة مرموقة في الحياة الأدبية الكردية، وأسهم في بناء المؤسسات الثقافية، قبل أن يتفرغ مجدداً للشعر الذي بقي شغله الشاغل حتى آخر أيام حياته.

 مشروع شعري غيّر وجه القصيدة الكردية 

عندما بدأ شيركو بيكس يكتب في ستينات القرن العشرين، كانت القصيدة الكردية تقف عند مفترق طرق بين المحافظة والتجديد. فقد كان التراث الشعري الكردي غنياً بالأوزان الكلاسيكية والموضوعات التقليدية، غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها المجتمع الكردي فرضت أسئلة جديدة لم تعد الأشكال القديمة قادرة على استيعابها. جاء شيركو بيكس مع جيل من الشعراء الشباب ليعلن، بهدوء وثقة، أن القصيدة ليست قالباً جامداً، بل كائناً حياً يتغير مع الإنسان. لم يكن هدفه هدم التراث، وإنما إعادة اكتشافه بروح معاصرة، فكتب قصيدة حديثة تحافظ على روح اللغة الكردية، لكنها تنفتح على منجز الشعر العالمي. ولذلك يُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أبرز مؤسسي الحداثة الشعرية الكردية، والشاعر الذي نقل القصيدة الكردية من المحلية إلى الأفق الإنساني الرحب، حتى أصبحت أعماله تُقرأ بلغات متعددة، وتُدرّس بوصفها نموذجاً لتجديد الشكل الشعري دون التفريط بالهوية.

اللغة التي تتنفس 

من يقرأ شعر شيركو بيكس يكتشف سريعاً أن سرّ جماله لا يكمن في الزخرفة اللغوية، بل في قدرته الفريدة على جعل الكلمات تبدو وكأنها تنبض بالحياة. كانت لغته شفافة، لكنها ليست بسيطة بالمعنى السطحي. فكل مفردة اختارها بعناية كانت تحمل طبقات من المعاني، وكل صورة شعرية كانت تفتح باباً جديداً للتأويل. لم يكن يرهق القارئ بالمجازات المعقدة، كما لم يلجأ إلى الغموض المتعمد الذي شاع لدى بعض شعراء الحداثة، بل آمن بأن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يستطيع أن يصل إلى القلب قبل العقل، وأن يترك في النفس أثراً لا تمحوه الأيام. ولهذا تبدو قصائده قريبة من القارئ العادي، وعميقة في نظر الناقد، وهي معادلة نادرة لا يحققها إلا كبار الشعراء.

الطبيعة… البطل الحقيقي في قصائده 

إذا كان لكل شاعر عالمه الخاص، فإن عالم شيركو بيكس كان يبدأ من الجبل. فالجبال في شعره رمز للكرامة والصمود والحرية. أما الأشجار شهود على التاريخ، تحفظ أسرار الشعوب، وتروي حكايات المنفيين. والمطر عنده ولادة جديدة للأمل. والثلج غطاء أبيض يخفي جراح الأرض. أما الطيور، فهي رسل الحرية، تحمل رسائل العائدين إلى أوطانهم، وتغني فوق الحدود التي رسمتها السياسة. لقد منح شيركو بيكس للطبيعة روحاً إنسانية، حتى بدا الإنسان والطبيعة في شعره كائناً واحداً يتألم ويحلم ويقاوم. ولعل هذه السمة هي التي جعلت قصيدته تتجاوز حدود المكان، لأن الطبيعة لغة يفهمها جميع البشر.

الوطن بوصفه قيمة إنسانية 

كثيرون كتبوا عن الوطن، لكن شيركو بيكس لم يكتبه بوصفه شعاراً سياسياً. الوطن عنده أم تنتظر أبناءها. وشجرة تنحني كي تظلّل طفلاً. وحجر يحتفظ بآثار أقدام الراحلين، ونبع ماء يرفض أن يجف رغم الحروب.

كان يرى أن الوطن الحقيقي لا يُقاس بالحدود، بل بقدرته على حماية الإنسان وكرامته. ولهذا جاءت قصائده الوطنية بعيدة عن الخطابة، وقريبة من الإنسان البسيط الذي يبحث عن بيت آمن، ولغة حرة، ومستقبل لا تملؤه البنادق. ومن هنا اكتسبت قصائده بعداً إنسانياً جعلها مفهومة حتى لدى من لا يعرف شيئاً عن القضية الكردية.

المرأة في عالم شيركو بيكس 

لم تكن المرأة في شعر شيركو بيكس رمز للحياة والخصب والاستمرار. فالأم هي الوطن. والحبيبة نافذة الضوء. والطفلة مستقبل الإنسانية. وكان يرى أن المجتمعات التي لا تمنح المرأة مكانتها الحقيقية لا تستطيع أن تصنع الحرية. لذلك؛ جاءت المرأة في قصائده قوية، قادرة على الحب والمقاومة معاً، بعيدة عن الصورة التقليدية التي حصرتها في دور واحد.

 أبرز أعماله الشعرية 

ترك شيركو بيكس عشرات الدواوين التي أصبحت علامات بارزة في الأدب الكردي الحديث، ومن أهمها:

ـ المرآة، الذي قدّم فيه تأملاً عميقاً في الذات والهوية، وجعل من المرآة رمزاً لاكتشاف الإنسان لنفسه.

ـ الكرسي، وهو من أشهر أعماله، إذ حوّل فيه شيئاً يومياً بسيطاً إلى رمز فلسفي للسلطة والغياب والانتظار، مؤكداً قدرة الشعر على استخراج المعاني الكبرى من التفاصيل الصغيرة.

ـ المرأة والمطر، حيث امتزجت قصائد الحب بجمال الطبيعة، فبدت المرأة والمطر وجهين لحياة واحدة، تنبض بالأمل والخصوبة.

ـ الوردة والضباب، وهو ديوان تتجاور فيه الرقة مع الحزن، ويكشف عن قدرة الشاعر على الإمساك باللحظات الإنسانية الهاربة.

أما عمله الشعري الكبير «الكتاب»، فيُعد من أهم منجزاته الإبداعية، إذ يمثل تجربة شعرية واسعة تجمع بين التأمل الفلسفي والبعد الملحمي، وتختزل خلاصة تجربته الفكرية والجمالية. وقد تُرجمت هذه الأعمال وغيرها إلى العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والسويدية والفارسية، وأسهمت في تعريف العالم بالأدب الكردي الحديث.

لماذا بقي شيركو بيكس حياً؟ 

لأن الشعر الذي يكتبه لا يرتبط بزمن محدد. فالطفل الذي كتب عنه ما زال يولد كل يوم. واللاجئ الذي رثاه ما زال يبحث عن وطن. والأم التي انتظرها ما زالت تقف على أبواب البيوت. والحرية التي حلم بها ما زالت الحلم الأكبر للإنسان. وهكذا تحولت قصائده إلى ذاكرة مفتوحة، يقرأها كل جيل من زاويته الخاصة، ويجد فيها شيئاً يشبه حياته.

شيركو بيكس… شاعر تجاوز حدود الجغرافيا 

لم تبقَ تجربة شيركو بيكس حبيسة اللغة الكردية، بل تجاوزتها إلى فضاءات الأدب العالمي. فقد تُرجمت أعماله إلى العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والسويدية والإيطالية والفارسية وغيرها من اللغات، وأصبحت قصائده حاضرة في المختارات الشعرية العالمية والمهرجانات الأدبية الدولية. ولعل سر هذا الانتشار لا يكمن في خصوصية تجربته الكردية فحسب، وإنما في بعدها الإنساني. فقد استطاع أن يحوّل معاناة شعبه إلى تجربة إنسانية شاملة، وأن يجعل من الحرية والعدالة والحب والطبيعة لغة يفهمها الجميع، مهما اختلفت أوطانهم وثقافاتهم. لقد أدرك مبكراً أن الشاعر الحقيقي لا يكتب من أجل شعبه وحده، بل يكتب للإنسان أينما كان. ولهذا وجد القارئ الأوروبي في قصائده صدىً لأسئلته الوجودية، كما وجد القارئ العربي فيها صورة صادقة لمعاناة الإنسان في الشرق، بينما قرأها الكرد بوصفها جزءاً من ذاكرتهم الجمعية.

الحضور الثقافي والجوائز 

لم يكن الاحتفاء بشيركو بيكس محصوراً في الأوساط الأدبية الكردية، بل حظي بتقدير واسع في المحافل الثقافية الدولية، ونال عدداً من الجوائز والتكريمات التي كرّست مكانته بوصفه أحد أبرز شعراء العصر الحديث. ومن أبرزها جائزة توخولسكي التي تمنحها منظمة القلم السويدية للكتّاب الذين دافعوا عن حرية الكلمة، وهي جائزة عكست مكانته الأدبية ومواقفه الإنسانية، كما نال تكريمات متعددة من مؤسسات ثقافية وأدبية في أوروبا وإقليم كردستان والعالم العربي. غير أن أكبر الجوائز التي حصل عليها لم تكن الميداليات ولا الشهادات، بل ذلك الحضور الدائم لقصائده في وجدان القراء، واستمرار تداولها بعد رحيله بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية الكردية والإنسانية.

شيركو بيكس في ذاكرة النقاد 

يرى كثير من النقاد أن شيركو بيكس كان أحد أهم المجددين في الشعر الكردي الحديث، وأنه استطاع أن يمنح القصيدة الكردية لغة جديدة، وصورة أكثر رحابة، وأفقاً إنسانياً واسعاً. وقد وصفه عدد من الدارسين بأنه «شاعر الطبيعة والحرية»، بينما رأى آخرون أن خصوصيته تكمن في قدرته على تحويل الأشياء اليومية البسيطة إلى رموز شعرية عميقة؛ فالكرسي، والشجرة، والنافذة، والوردة، والمطر، والطفل… كلها تتحول في قصائده إلى عوالم مكتملة، تحمل دلالات فلسفية وإنسانية. ويكاد يجمع النقاد على أن شيركو بيكس لم يكن يقلد أحداً، بل صنع لغته الخاصة، حتى أصبحت قصيدته تُعرف من أسلوبها قبل أن يُقرأ اسم صاحبها.

أثره في الأجيال الجديدة 

لا يمكن الحديث عن الشعر الكردي المعاصر من دون التوقف عند تأثير شيركو بيكس في الأجيال التي جاءت بعده. فقد أصبح مرجعاً فنياً وأدبياً لكثير من الشعراء الشباب، ليس لأنهم حاولوا تقليد أسلوبه، بل لأنهم تعلموا منه أن التجديد لا يعني القطيعة مع التراث، وأن الانفتاح على العالم لا يكون على حساب الهوية. لقد ترك مدرسة شعرية قائمة على الحرية الفنية، والصدق الإنساني، والاقتصاد اللغوي، والصورة المبتكرة، وهي سمات ما زالت حاضرة في كثير من التجارب الشعرية الكردية الحديثة.

بين المرض والقصيدة… الرحيل الأخير 

في سنواته الأخيرة، واجه شيركو بيكس المرض بالشجاعة نفسها التي واجه بها المنفى والحروب. ولم يتوقف عن الكتابة، لأن الشعر لم يكن مهنة، بل طريقة في الحياة. وفي الرابع من آب عام 2013، رحل الجسد، لكن القصيدة بقيت. لم تُطفئ لغته، ولم تصمت صوره، ولم تغادره الجبال التي أحبها. بقيت قصائده تُقرأ، وتُترجم، وتُلهم، وكأنها تؤكد أن الشاعر لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد الأرواح التي لامسها.

حين ترحل الأجساد… تبقى القصائد. هناك من يترك وراءه بيتاً، وهناك من يترك منصباً، وهناك من يترك ثروة. أما شيركو بيكس، فقد ترك وطناً من الكلمات. كل قصيدة كتبها كانت شجرة جديدة في غابة الشعر الكردي، وكل صورة رسمها كانت نافذة يطل منها الإنسان على عالم أكثر عدلاً وجمالاً.

 

صحيفة روناهي

 

× Zoomed Image
Scroll to Top