تلقت رابطة تآزر للضحايا ومنصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا (MPFP-NES) بفرح بالغ نبأ عودة الشابين «آزاد عبد الكريم عثمان» و «محمد علاء إبراهيم» إلى عائلتيهما، بتاريخ 17 تموز/يوليو 2026، بعد أكثر من ست سنوات وتسعة أشهر من الاعتقال والإخفاء القسري.
وتجسد عودتهما نهاية سنوات طويلة من الانتظار والبحث والمطالبة بكشف مصيرهما، كما تبعث الأمل في نفوس آلاف العائلات السورية التي ما تزال تنتظر معرفة مصير أحبائها المفقودين/ات.
وتحمل هذه العودة أهمية خاصة بالنسبة لرابطة تآزر ومنصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا، إذ إن ذوي كلٍّ من آزاد ومحمد علاء من الأعضاء الفاعلين في المنصة، وقد شاركوا على مدى سنوات في حملات المناصرة والوقفات والفعاليات المطالبة بكشف مصير المفقودين/ات، إيماناً منهم بأن معرفة الحقيقة حق أصيل لكل عائلة.
وقبل أسابيع فقط، في 25 حزيران/يونيو 2026، وقف عبد الكريم عثمان أمام مقر الأمم المتحدة في القامشلي، حاملاً صورة ابنه «آزاد» ولافتة تطالب بكشف مصيره، خلال وقفة نظمتها منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا، للمطالبة بالكشف عن مصير جميع المفقودين/ات، وضمان حق عائلاتهم/ن في الحقيقة والعدالة، وإشراكهم/ن بصورة فاعلة في جميع المبادرات والآليات المعنية بهذه القضية.
وقال خلال مقابلة أُجريت معه على هامش الوقفة:
“ليس ابني آزاد وحده.. لا يكاد يخلو بيت من قصة مفقود أو معتقل. مطلبنا هو الكشف عن مصير جميع المفقودين/ات، كلهم مثل ابني”.
وبعد أقل من شهر على تلك الوقفة، عاد آزاد إلى والده وعائلته، كما عاد محمد علاء إلى والدته وأفراد أسرته، لتنتهي رحلة انتظار امتدت أكثر من ست سنوات وتسعة أشهر، بعد أن تقاسمت العائلتان سنوات الألم والأمل معاً.
اعتقال في اليوم ذاته الذي شهد اغتيال هفرين خلف
وفقاً لشهادة عائلتيهما، اعتُقل «آزاد عبد الكريم عثمان» (مواليد 1991) و «محمد علاء إبراهيم» (مواليد 2001) في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2019 على الطريق الدولي M4 على يد فصيل “أحرار الشرقية”، وذلك أثناء مرافقتهما سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الكُردي كانت تنقل أدويةً وإمداداتٍ طبية خلال المعارك في رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، في الأيام الأولى للعملية العسكرية التركية المُسماة “نبع السلام”.
وفي اليوم نفسه، وعلى الطريق ذاته، اغتالت عناصر من فصيل “أحرار الشرقية” الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل، السياسية الكُردية هفرين خلف، مع مرافقيها وسائقها، في واحدة من أبرز الجرائم التي وثقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، ووصفتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان بأنها قد ترقى إلى “جريمة حرب”.
وحصلت عائلتا الشابين على معلومات تفيد بأنهما احتُجزا لدى قائد الفصيل آنذاك، أحمد إحسان فياض الهايس (أبو حاتم شقرا)، الذي يشغل حالياً منصب قائد الفرقة 86 في الجيش السوري. وكان أبو حاتم شقرا قد أُدرج عام 2021 على قوائم العقوبات الأمريكية، باعتباره قائداً لفصيل “أحرار الشرقية”، على خلفية اتهامات بالتورط في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الإشراف على سجن شهد إعدام مئات المحتجزين/ات، إضافة إلى عمليات اختطاف وتعذيب وانتهاكات أخرى نسبت إلى الفصيل الذي كان يقوده.[1]
ورغم معرفة العائلتين بالجهة التي احتجزتهما، بقي مصير الشابين مجهولاً لأكثر من ست سنوات وتسعة أشهر، ولم تتلقيا أي معلومات رسمية عنهما أو تتمكنا من التواصل معهما، ليبقيا في عداد المختفين قسراً.
صورة توثق اللحظات الأولى لاعتقال «آزاد عبد الكريم عثمان» و «محمد علاء إبراهيم» في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2019 على الطريق الدولي M4. ويظهر في الصورة أحمد إحسان فياض الهايس (أبو حاتم شقرا)، قائد فصيل “أحرار الشرقية” آنذاك، وتشير إفادات العائلتين إلى أن الشابين ظلا محتجزين لديه عقب اعتقالهما. مصدر الصورة: وسائل التواصل الاجتماعي.
سنوات من المناصرة والمطالبة بالحقيقة
وثقت رابطة تآزر للضحايا، إلى جانب منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا، قضية آزاد ومحمد علاء، وعملت مع عائلتيهما على توثيق ظروف اعتقالهما وإخفائهما القسري، كما واصلت المطالبة بكشف مصيرهما وإبقاء قضيتهما حاضرة في حملات المناصرة والوقفات والفعاليات المطالبة بكشف مصير المفقودين/ات، ضمن جهود أوسع للدفاع عن حق جميع العائلات في معرفة الحقيقة.
وخلال تلك السنوات، كان والد «آزاد» ووالدة «محمد علاء» من أكثر الوجوه حضوراً في الوقفات والأنشطة التي نظمتها منصة أسر المفقودين/ات، وشاركا باستمرار في جهود المناصرة دفاعاً عن حق العائلات في معرفة الحقيقة، انطلاقاً من قناعتهما بأن هذا الحق لا يسقط بمرور الزمن.
اللقاء الأول بين آزاد وابنته التي وُلدت بعد اعتقاله
شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات أعادت الأمل إلى عائلتي آزاد ومحمد علاء، مع انطلاق عمليات تبادل الأسرى التي جاءت في أعقاب الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية في 30 كانون الثاني/يناير 2026.
ووفقاً لإفادات عائلتي الشابين، تلقتا منذ عيد الأضحى رسائل مباشرة من آزاد ومحمد علاء نقلها أحد المفرج عنهم، أكدت أنهما ما يزالان على قيد الحياة، قبل أن تنتهي رحلة الانتظار بالإفراج عنهما وعودتهما إلى عائلتيهما في 17 تموز/يوليو 2026.
وشهدت أحياء مدينة القامشلي، حيث تقطن عائلتاهما، استقبالاً واسعاً من الأهالي الذين احتفلوا بعودتهما بعد سنوات طويلة من الغياب.
وحملت لحظة العودة مشاهد إنسانية مؤثرة، كان أبرزها لقاء آزاد بابنته الصغرى للمرة الأولى، إذ وُلدت بعد فترة قصيرة من اعتقاله، وكبرت طوال سنوات الاختفاء القسري دون أن ترى والدها. وفي 17 تموز/يوليو 2026، احتضنها للمرة الأولى بعد أكثر من ست سنوات ونصف من الفراق، كما التقى بابنتيه الأخريين اللتين كبرتا أيضاً في غيابه.
عودة حملت الفرح والفقد معاً
أما محمد علاء، فقد عاد إلى منزله ليجد أن والده لم يتمكن من انتظار تلك اللحظة. فقد توفي بعد معاناة مع المرض خلال سنوات اختفاء ابنه القسري، بعدما أمضى سنوات طويلة يترقب عودته ويتمسك بالأمل في معرفة مصيره. ورحل قبل أن تتحقق الأمنية التي رافقته حتى أيامه الأخيرة.
وعاشت والدته سنوات طويلة من القلق والترقب والمعاناة، وانعكس الانتظار المستمر على حالتها الصحية، لكنها واصلت حضورها في أنشطة المناصرة والدفاع عن حق أسر المفقودين/ات في معرفة الحقيقة وكشف مصير أحبائهم، وتمسكت بحقها في معرفة مصير ابنها حتى تحقق اللقاء أخيراً.
عودة تبعث الأمل.. وآلاف العائلات ما تزال تنتظر
تمثل عودة آزاد عبد الكريم عثمان ومحمد علاء إبراهيم بارقة أمل لعائلات كثيرة ما تزال تنتظر أبناءها، كما تعكس الأثر العميق الذي يخلّفه الاختفاء القسري على الأسر، حيث تمتد معاناته إلى كل تفاصيل الحياة، وتحمل العائلات أعباء نفسية واجتماعية وصحية واقتصادية لسنوات طويلة.
وترى رابطة تآزر للضحايا ومنصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا أن هذه العودة تعزز أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى كشف مصير جميع المفقودين/ات في سوريا، وضمان حق عائلاتهم في معرفة الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الاختفاء القسري بما يتوافق مع القانون الدولي. كما تؤكدان مواصلة العمل والمناصرة إلى جانب العائلات حتى يُكشف مصير جميع المفقودين/ات، ويُصان حق ذويهم/ن في معرفة الحقيقة باعتباره حقاً أصيلاً لا يسقط بمرور الزمن.
وإذ تشارك رابطة تآزر والمنصة عائلتي آزاد ومحمد علاء فرحتهما بعودتهما، فإنهما تستحضران في الوقت نفسه آلاف العائلات السورية التي ما تزال تنتظر خبراً عن أحبائها، بعد سنوات من الغياب وعدم اليقين.
لن ينتهي الانتظار، ولن تتوقف المطالبة، حتى يُعرف مصير كل مفقود ومفقودة.
—
لمزيد من المعلومات، يمكنكم/ن التواصل مباشرةً مع منصة أسر المفقودين/ات في شمال وشرق سوريا عبر:
- الهاتف (واتس آب/سغنال): 009647510483382
- أو عبر البريد الالكتروني: contact@mpfp-nes.org
[1] U.S. Department of the Treasury, Treasury Sanctions Syrian Regime Prisons, Officials, and Syrian Armed Group, 28 July 2021 (Available at: https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy0292).
المصدر: تآزر










