فلسفة الصلح والتفاوض في المجتمع الواحد: الدقائق الأولى بعد انتهاء الصراع وسوسيولوجيا الحركة الكردية

تكبير الصورة

ئاريان كركوكي

الجزء الأول

على امتداد الجغرافيا الملتهبة في أرجاء المنطقة —سواء في العراق أو سوريا أو تركيا— يقف الشعب الكردي ومكوناته أمام مخاضات وجودية قاسية تفرضها أزمات معقدة وممنهجة. ففي خضم صراعات ضارية وتناقضات إقليمية عاتية، تجد الحركات والقوى الكردية نفسها مجبرة على خوض معارك بقاء معقدة، تتعرض خلالها لمختلف أشكال الابتزاز السياسي والعسكري، وتتنوع فيها أساليب التضييق وأنواع الأسلحة المستخدمة لكسر إرادتها وتقويض طموحاتها. وفي ظل هذه الضغوط الوجودية المستمرة، تصبح التضحيات جسيمة، ولا يملك الإنسان الكردي وسيلة لحماية ما يمكن بقاؤه من المكاسب القومية والتاريخية سوى الصمود تلو الصمود، والتأقلم المرير مع واقع إقليمي ودولي لا يرحم الضعفاء.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

من رحم هذا الواقع المأزوم، تقف المجتمعات الحديثة مسكونة بهاجسها الأكبر: كيف يمكن لجماعة بشرية واحدة، أو لأمة تتقاسم الذاكرة والمصير، أن تحترق بنيران صراعاتها البينية؟ إن المشهد الأكثر مأساوية في تاريخ الكيانات القومية والسياسية المعاصرة لا يتمثل بالضرورة في مواجهة خطر خارجي فحسب، بل في ذلك التمزق الداخلي المشتعل على تخوم الهوية الحزبية والتعصب القومي. وحين يتحول الحزب السياسي —الذي وُجد أصلاً كأداة للتنظيم المدني والتعبير عن الرؤى والتعددية— إلى “عصبية مقدسة” تحتكر الحقيقة، وتتخذ من الروح القومية أو العقائدية سوطاً لإلغاء الآخر وإقصاء الشريك، تفقد الدولة معناها وتحتدم الخنادق المتقابلة.

تتأرجح المجتمعات المركبة في مساراتها التاريخية بين منطقين متعارضين: منطق “صراع الأضداد” الذي يقتات على إلغاء الآخر والتقاطع الجذري، ومنطق “صراع الأشقاء” الذي يُعد أشد قسوة وأعمق أثراً، حيث تتقاسم الجماعات والأحزاب الواشجة ذات الذاكرة والمصير والوطن، لكنها تحترق بنيران الخلافات البينية والعصبيات المغلقة. وتنطلق مشكلة هذا البحث من ذلك الاختلال البنيوي والسايكولوجي العميق الذي رافق مسيرة القوى السياسية والأحزاب والمكونات في العراق وإقليم كردستان على مدى قرن تقريباً، حيث تحولت الخلافات الفكرية والسياسية تدريجياً إلى عصبيات استئصالية تعاملت مع الشقيق والجار بمنطق المحو والذاكرة المشحونة بندوب المظلوميات.

وفي قلب هذا المخاض التاريخي، ومنذ عشرينات القرن الماضي، طفا اسم البارزاني وحركة الزعيم الخالد ملا مصطفى بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الواجهة ليحتل المرتبة الأولى في معادلة النضال القومي والسياسي. ورغم زخم التناقضات وصراعات الأضداد التي طبعت المشهد الحزبي والداخلي في مراحل مختلفة دفاعاً عن المصالح العليا، ظل الحزب الديمقراطي الكردستاني يمتلك “المكسب الأجود” والتاريخ الأرجح في القدرة الاستثنائية على مد جسور الصلح والتفاهم مع مختلف الأطراف. لقد أثبت المسار التاريخي أن تقديم مصالح الأمة وحمايتها من شبح الاندثار كان يعلو فوق الحسابات الضيقة، ليبقى الحزب صاحب المبادرة في ترسيخ التسويات وجمع الفرقاء، مؤكداً أن الأحزاب وُجدت للبناء والإعمار لا للخراب.

ويتوازي مع هذا المسار العريق ويتقاطع معه في جذوة النضال الكردي بروز حركة الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني، التي حملت فلسفة موازية ومغايرة في مقاربة الروح القومية، وصاغت خطاباً سياسياً منفتحاً على قوى المركز والمعارضة العراقية، خاضت خلاله صراعات ضارية وتاريخية مع السلطة المركزية المتعاقبة دفاعاً عن الوجود والحقوق القومية. ورغم كثرة الهزات والمخاضات العسيرة والوقوع في مطبات الأزمات نتيجة طموحات الثورة وتشعّب التحالفات، نجح الاتحاد الوطني في الحفاظ على ديمومة الروح القومية وبناء جسور فاعلة مع مختلف القوى، مؤكداً أن التعددية الحزبية داخل الساحة الكردستانية، رغم ما أفرزته أحياناً من تنافس حاد، كانت غنىً نضالياً يصب في مصلحة المجموع.

ولقد جاء إنجاز هذا البحث ليمثل استجابة ضرورية وقراءة تحليلية واعية للظروف الراهنة والواقع السياسي المأزوم؛ إذ لم يعد البحث في آليات الصلح والتفاوض ترفاً نظرياً، بل فُرِض بفعل الاختناقات الحالية والانقسامات البينية التي تتهدد السلم المجتمعي في إقليم كردستان وعموم العراق. فالمشهد الراهن يعاني من تداعيات الاستقطاب الحزبي الحاد، وغياب الرؤية الموحدة، فضلاً عن التشابك الخطير مع الأزمات الإقليمية الملتهبة—كتداعيات سلاح حزب العمال الكردستاني، وأزمات الحركة في سوريا وتركيا، ومخاطر الفراغ المستدام في إيران— مما جعل البيئة السياسية على حافة الانهيار إن لم يتم تداركها بمشروع فكري وعملي يرسخ ثقافة السلام والعقلنة.

ومن هنا، تطرح هذه الدراسة تساؤلاتها الجوهرية: كيف يمكن تجاوز آليات التسويات الفوقية الهشة والصفقات التكتيكية نحو عدالة هوياتية واعتراف متبادل حقيقي؟ وما هي الأسس الفلسفية والسوسيولوجية القادرة على إعادة هندسة العقد الاجتماعي الداخلي، وتضميد ندوب الذاكرة، وتحويل طاقة الصراع المهدمة إلى تفاوض عقلاني يضمن الاستقرار؟

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتجاوز السرديات التاريخية التقليدية إلى تأسيس إطار فكري ونظري متكامل يستلهم فلسفة التسامح عند لوك وفولتير وفكري الثورة الفرنسية، وفلسفة الاعتراف عند أكسل هونيث، والبعد الوجودي والمسؤولية الأخلاقية عند جان بول سارتر، وأخلاقيات الحوار والتواصل عند يورغن هابرماس. إن هذا المعمار الفكري لا يقدم مجرد تأملات نقدية، بل يضع خارطة طريق إجرائية وميدانية لإرساء السلام المستدام، وحماية البنية المجتمعية من التآكل الداخلي، وإثبات أن الصلح الشجاع هو الوجه الآخر للبطولة النضالية.

 

صراع الأضداد وصراع الأشقاء

تُشكل أزمة التآكل البنيوي للمجتمعات الحديثة هاجساً وجودياً عميقاً حين تجد جماعة بشرية واحدة تتقاسم الذاكرة والمصير نفسها محترقة بنيران صراعاتها البينية. ولا يكمن المشهد الأكثر مأساوية في مواجهة خطر خارجي، بل في ذلك التمزق الداخلي المشتعل على تخوم الهوية الحزبية والتعصب القومي. وحين يتحول الحزب السياسي، الذي وُجد أصلاً كأداة للتنظيم المدني والتعبير عن الرؤى، إلى عصبية مقدسة تحتكر الحقيقة وتتخذ من الروح القومية سوطاً لإلغاء الآخر، تفقد الدولة معناها وتتحول الفضاءات العامة إلى خنادق متقابلة. تنطلق مشكلة هذا البحث من ذلك الاختلال البنيوي والسايكولوجي العميق الذي رافق مسيرة القوى السياسية والأحزاب والمكونات في العراق وإقليم كردستان على مدى قرن تقريباً، حيث تحولت الخلافات الفكرية والسياسية إلى عصبيات حزبية استئصالية تعاملت مع الآخر بمنطق الإلغاء والذاكرة المشحونة بالندوب. وتتضاعف خطورة هذه المعضلة في ظل غياب مقاربة رصينة ومأسسة للصلح والتفاوض تنقل القوى من ثقافة الحرب العبثية إلى فضاء صراع فكري مستدام من أجل السلام، لاسيما حين تتشابك مع الخرائط الإقليمية الملتهبة كتداعيات سلاح حزب العمال الكردستاني، وأزمات الحركة في سوريا، ومخاطر الفراغ المستدام في إيران. ومن هنا تبرز تساؤلات البحث الجوهرية حول كيفية تجاوز آليات التسويات الفوقية الهشة نحو عدالة هوياتية واعتراف متبادل حقيقي، وما هي الأسس القادرة على إعادة هندسة العقد الاجتماعي الداخلي وإدارة التعددية وتحويل طاقة الصراع المهدمة إلى تفاوض عقلاني يضمن الاستقرار. وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتجاوز السرديات التاريخية والصفقات التكتيكية إلى تأسيس إطار فكري ونظري متكامل يقدم خارطة طريق حقيقية لإرساء السلام المستدام وحماية البنية المجتمعية من التآكل الداخلي والانهيار الإقليمي.

ولتحقيق الانضباط المنهجي، لابد لاعتماد على  منظومة من المفاهيم الإجرائية الدقيقة؛ فالصلح هو مسار أخلاقي وتاريخي واجتماعي عميق يتجاوز الهدنة المؤقتة ليقوم على رد الاعتبار للآخر المغاير وتضميد ندوب الذاكرة الجماعية بناءً على الاعتراف المتبادل، بينما يمثل التفاوض الفعل العقلاني التواصلوي القائم على تكافؤ فرص الخطاب والتحرر من الإكراه حيث تُدار الخلافات بقوة الحجة لا بحجة القوة بغية الوصول إلى توافق مشترك. أما المجتمع الواحد فهو الفضاء الجغرافي والسياسي والاجتماعي الذي يتقاسم فيه الأفراد والمكونات والأحزاب الذاكرة والمصير رغم تعدد انتماءاتهم، في حين يُنظر إلى التسامح باعتباره واجباً عقلياً وحقاً إنسانيّاً أساسياً وعقلانية قبول تدرك حتمية الاختلاف وتجعل منه غنىً حضارياً لا مبرراً للاقتتال.

الجذور الفلسفية للتسامح: من حتمية الاختلاف إلى عقلانية القبول

انطلق الفكر الفلسفي الحديث، ولا سيما مع جون لوك في أطروحاته حول التسامح، من إدراك أن القناعات الفكرية والسياسية والانتماءات القومية والحزبية هي قضايا جوهرية لا يمكن فرضها بالإكراه أو القمع القانوني. فالتسامح عند لوك، ومن قبله ومن بعده عند فولتير، لم يكن مجرد تنازل مؤقت أو استراتيجية براغماتية للتهدئة، بل هو واجب عقلي وحق إنساني أساسي. يمثل هذا التأسيس الكلاسيكي منطلقاً ضرورياً للبحث، لنقول إن محاولة إقصاء الآخر الداخلي أو محو هويته هي انتهاك لطبيعة التنوع البشري. ففولتير، بنقده اللاذع للتعصب، رسخ لحقيقة أن المجتمعات تتغذى على الاختلاف وأن التعصب هو الآفة التي تقوض تماسكها من الداخل. ويتكامل هذا المعمار التنويري مع مبادئ الثورة الفرنسية التي أسست لثلاثية الحرية والمساواة والأخوة، مقررةً أن الروح الحقيقية للتسامح والصلح لا تستقيم إلا بإلغاء الامتيازات الاستئصالية والاعتراف بالمواطنة المتساوية كشرط أساسي لالتئام الجسد المجتمعي.

فلسفة الاعتراف عند أكسل هونيث: تجاوز التسامح السلبي إلى العدالة الهوياتية

غير أن مفهوم “التسامح” الكلاسيكي قد يحمل أحياناً شيئاً من الاستعلاء أو التحمل القسري للآخر. وهنا تبرز مساهمة أكسل هونيث النقدية المعاصرة من خلال “فلسفة الاعتراف” (The Theory of Recognition)، التي تنقل النقاش من مستوى التعايش البارد إلى مستوى الاندماج العضوي. يرى هونيث أن الصراعات داخل المجتمع الواحد لا تنشأ بمعزل عن “معاناة الازدراء”؛ أي شعور جماعة أو حزب أو مكون بتهميش مكانته أو إنكار حقوقه. بناءً عليه، فإن أي عملية تفاوض أو صلح حقيقي يجب أن تستند إلى الأبعاد الثلاثة للاعتراف عند هونيث: الدعم القانوني للمساواة، والاحترام الأخلاقي للذات، والتضامن الثقافي والسياسي مع الخصوصيات. فالصلح لا ينجح بالتسويات الفوقية، بل برد الاعتبار للآخر كشريك كامل الأهلية في بناء الوطن أو الجماعة، مع إسقاط ذلك بوعي على واقع الأحزاب في العراق وعموم منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك القوى العريقة مثل الحزب الشيوعي العراقي بتاريخه النضالي المشرف منذ تأسيسه عام 1934 وبصمات رواده الأوائل كـ “فهد”، وصولاً إلى تعقيدات المشهد الكردستاني والإقليمي.

الوجود والمسؤولية: رؤية جان بول سارتر للآخر والحرية

يتعمق البعد الوجودي في هذا الإطار مع فلسفة جان بول سارتر، الذي يرى أن الوجود الإنساني لا يتحقق في قطيعة مع الآخر، بل إن “الآخر هو الجحيم” حين يتحول إلى أداة لموضوعنة الذات وسلب حريتها، ولكنه في الوقت ذاته المرآة الضرورية لاكتشاف الوعي بالذات وتأسيس المسؤولية الأخلاقية المشتركة. ينقل سارتر مفهوم الصلح والتسامح من دائرة التنظير البارد إلى ساحة “الالتزام” (Engagement)؛ فالقوى السياسية والأحزاب المتنازعة تتحمل مسؤولية أخلاقية تضامنية عن مآلات المجتمع، ورفض الآخر أو نفيه هو إلغاء للحرية الإنسانية ذاتها. ومن منظور سارتري، فإن بناء السلام الحقيقي يتطلب شجاعة القطيعة مع النزعات الدوغمائية وتحمل عبء الحرية والاعتراف المتبادل بوصفهما الفضيلتين الوحيدتين


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top