فؤاد عثمان / صحفي وناشط في مجال الإبادة الجماعية
يستذكر العراقيون في السادس عشر من أيار/مايو من كل عام “اليوم الوطني للمقابر الجماعية”، في مناسبة مؤلمة تجسد واحدة من أكثر المحطات سوداوية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر. هذا اليوم يسلط الضوء على حجم الفاجعة التي تعرض لها العراقيون على يد النظام الديكتاتوري السابق، وخاصة ضحايا عمليات الأنفال من الكورد الذين دُفن العديد منهم أحياءً في صحارى الجنوب، بعيدًا عن ذويهم وموطنهم.
يهدف إحياء هذا اليوم إلى توثيق جرائم النظام المقبور بحق الشعب العراقي بكافة مكوناته.
عن الفعاليات التي تُقدم خلال إحياء اليوم الوطني للمقابر الجماعية لهذه السنة، قال السيد ضياء كريم طعمة الساعدي، مدير دائرة المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء العراق: يتم إحياء هذه المناسبة بأكثر من نشاط أو فعالية، منها زراعة ألف شجرة في مقبرة جنة الشهداء والخاصة بشهداء المقابر الجماعية، كل شجرة ستزرعها عائلة من عوائل الشهداء لكي تكون امتدادًا لتخليد الشهداء.
كذلك هناك عملية تنقيب وفتح لعدد من المقابر في منطقة الرمادي بالتزامن مع إحياء اليوم الوطني.
يستهدف تحديد هذا اليوم توثيق جرائم الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق الشعب العراقي بكورده وعربه وباقي المكونات.
ونحن نحيي ذكرى هذه السنة شاهدنا قبل يومين قصاصًا عادلًا بإصدار محكمة عراقية لأمر إعدام أحد أبرز المجرمين الذين تلطخت أياديهم بدم أبرياء المؤنفلين، ألا وهو عجاج حردان التكريتي، والذي أفرح ذوي المؤنفلين كثيرًا، متمنين أن يأخذ كل من ساهم في جريمة الأنفال جزاءه العادل.
رغم مرور سنوات طويلة على سقوط النظام البائد، لا تزال عملية الكشف عن المقابر الجماعية تمضي بوتيرة بطيئة لا تعكس حجم المأساة. فحتى اليوم، ما تم العثور عليه من مقابر يُعتبر قليلًا جدًا مقارنة بالعدد الهائل المتوقع، والذي تشير التقديرات إلى أنه يصل إلى آلاف المقابر. وتشير الجهات المختصة إلى أن النظام السابق تعمّد إخفاء الأدلة، حتى وصل الأمر إلى تصفية منفذي عمليات الدفن وسائقي الجرافات، في محاولة منه لطمس معالم الجريمة.
ومن أبرز المناطق التي ضمت هذه المقابر: صحراء السماوة، البادية، عرعر، ومناطق في الديوانية، حيث تم دفن الضحايا في أماكن نائية يصعب الوصول إليها أو كشفها بسهولة.
وفقًا لوزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين في إقليم كردستان، تم حتى الآن تحديد أكثر من 300 موقع لمقابر جماعية في عموم العراق استنادًا إلى خبراء دوليين، نحو 80% منها تعود لضحايا عمليات الأنفال. ومن هذه المقابر، تم فتح 57 موقعًا في 17 منطقة مختلفة، وتم استخراج 3659 رفاتًا وإعادتها إلى ذويهم. ومع استمرار أعمال التنقيب، يُتوقع العثور على المزيد.
لكن بالمقارنة مع العدد التقديري لضحايا الأنفال الذي يبلغ حوالي 182 ألف شخص، فإن هذا الرقم ما زال ضئيلًا جدًا، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجهود المبذولة.
وعلى مستوى العراق يقول السيد ضياء كريم طعمة الساعدي، مدير دائرة المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء: مع أن الجهات الدولية حددت حوالي 300 موقع للمقابر الجماعية (كل موقع قد يحتوي على أكثر من مقبرة جماعية)، لكن لا تزال هناك الكثير، وإن عملية الكشف مستمرة، فقط خلال الأيام الستة أو السبعة الماضية تم الكشف عن 7 مقابر، وإن عملية التنقيب والكشف مستمرة.
وعن العدد الإجمالي للمقابر التي تم فتحها، أكد مدير دائرة المقابر الجماعية أنه تم حتى الآن فتح 326 مقبرة جماعية.
لا تزال عائلات آلاف المفقودين تجهل مصير أحبائها. ويدعو الناشطون والمنظمات المعنية إلى تسريع عمليات البحث والتنقيب عن المقابر الجماعية، مشددين على أهمية مشاركة منظمات دولية وممثلي المجتمع الدولي من أجل تدويل هذا الملف وضمان الاعتراف به كجريمة إبادة جماعية في المحافل العالمية.
في الوقت ذاته، يشير متابعون لهذا الملف إلى تقصير واضح من قبل الجهات المعنية، سواء على مستوى الحكومة الاتحادية أو إقليم كردستان. بهذا الخصوص يقول السيد ضياء كريم طعمة: نحن ملتزمون بقانون رقم 5 لسنة 2006، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن النظام المقبور نفذ عمليات الإبادة بمنتهى السرية، وعليه فإن الكشف عن المقابر ليس سهلًا، ومتى ما أُبلغنا بموقع أينما كان يتحرك الفريق وفقًا للبند الرابع والسادس، وليس هناك أية تلكؤ أو إهمال في عمل الفريق.
وأضاف: هذا الملف ليس ثانويًا ولا يخضع لحساب سياسي أو مزاجي، إنه ملف وطني وجودي وأخلاقي، وإن أي تقاعس عن إنصاف الضحايا والكشف عن مصيرهم جريمة أخرى تُضاف إلى ما سبق.
نحن في إقليم كردستان نرى ضرورة مراجعة قانون حماية المقابر الجماعية رقم 5 لسنة 2006 المعدّل، والذي لا يمنح الإقليم الدور الكافي في هذه القضية. ومن الضروري أن يتم إشراك الجهات الكردية بفعالية في كل مراحل العمل، من البحث والتنقيب، مرورًا بالفحوصات المختبرية، وصولًا إلى إعادة دفن الضحايا في مراسيم تليق بكرامتهم ومكانتهم.
ويقول السيد ضياء الساعدي بهذا الخصوص: سبق وأن تم تعديل القانون وفق قانون رقم 13 لسنة 2015 وفق مقتضى حاجة الملف، حيث تم توكيل رئاسة اللجنة إلى قاضٍ يعنيه مجلس القضاء بدلًا من الموظف.
واقترح عدد من النشطاء في مجال الإبادة الجماعية مرارًا تحديد يوم خاص بمقابر الكورد الجماعية في إقليم كردستان، على غرار اليوم الوطني في العراق. ويرى البعض أن تاريخ فتح أول مقبرة جماعية للكورد في معمل قير قرب أربيل في أيلول/سبتمبر 1991، والتي تعود لضحايا منطقة باليسان، هو أنسب يوم لاعتماده في الإقليم، ويرى البعض أنه من الضروري النظر إلى هذه القضية كقضية وطنية على مستوى العراق وليس من الضروري تجزئتها، وذلك من أجل توثيقها وتدويلها على مستوى العراق.
من المؤسف أن غالبية رفات الضحايا (الرفات) التي تم إعادتهم إلى مثواهم لم تخضع حتى اليوم لفحوصات الحمض النووي (DNA)، وهو ما يعرقل عملية التعرف على الهويات ومطابقة الرفات مع ذويهم. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الماسة لإطلاق حملة وطنية شاملة لجمع عينات دم من عائلات الشهداء. ويؤكد السيد ضياء الساعدي أن دائرتهم قامت خلال السنة الماضية بالتعاون مع معهد الطب العدلي وبدعم من السيدة شاناز إبراهيم أحمد، والتي كانت سيدة العراق الأولى، والتي كلفت بدورها الأخت بري نوري عزيز، والتي ساهمت بشكل فعال لتمكين فرقنا من إنجاز مهامها، وإن هذا الفحص يساهم في إجراء عمليات المطابقة والتعرف على الضحايا، وهو مطلب إنساني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.
تشارك منظمة icmp في فتح كافة المقابر وتساهم في عملية توثيق هذه الجرائم، لكن هذا ليس كافيًا، بل يجب إشراك كافة المنظمات العاملة في هذا المجال، مثل الصليب الأحمر الدولي و(opcw)، وحتى نرى من الضروري حضور ممثليات الدول المتواجدة في العراق بهدف إعطاء الملف طابعًا دوليًا.
في هذا اليوم، نُحيي أرواح شهداء المقابر الجماعية وعمليات الأنفال بكل إجلال وإكرام، ونجدد العهد على أن نواصل العمل لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة لهم. ستظل المقابر الجماعية وصمة عار في جبين من ارتكب هذه الجرائم البشعة، ومن لا يزال يحنّ إلى زمن القمع والقتل الجماعي.
الرحمة والخلود لشهدائنا المغيبين في باطن الأرض الذين دُفنوا غرباء في صحارى الموت، من كل أطيافه وأعراقه، والخزي والعار لمرتكبي جرائم الإبادة الجماعية.


