أحمد الرمح
دخل أحد حكماء الهند على طلابه؛ فوجدهم يصرخون بصوتٍ عالٍ أثناء نقاشهم. فسألهم بهدوء: لماذا يصرخ الناس عند الغضب؟
أجاب أحد الطلبة قائلاً: لأننا نفقد الهدوء.
وقال آخر: لنفرض رأينا على الآخر.
وقال ثالث: لأننا نعتقد أننا على حق.
قال الحكيم: ولكنْ لماذا نصرخ؛ والشخص الآخر موجود بقربنا؟ لماذا لا نتحاور بهدوء؟
سكت الطلبة.
فقال لهم: عندما يختلف شخصان؛ تتباعد قلوبهما عن بعض؛ وحتى يقربا ابتعاد القلوب يصرخان بصوت عال! أما الحبيبان والعاشقان؛ فلا يصرخان؛ إنما يتكلمان بهمس وهدوء؛ لأن قلوبهما قريبةٌ جداً من بعضها، بل لا مسافة بين قلبيهما.
لذلك عندما يحب بعضُنا بعضاً نكتفي بالكلام الهادئ والهمس؛ وعندما نتباغض؛ تتباعد قلوبنا عن بعضها؛ فنعوض ابتعاد القلوب بالصراخ.
وإذا اختلفنا بمسألة ما؛ يجب ألا نسمح لقلوبنا أنْ تتباعد؛ حتى لا نصرخ، وقد نتفوه بالشتائم والاتهامات؛ فنهدم الجسور التي بين القلوب؛ ولا تبقى وسيلة بيننا إلا الكراهية والبغضاء والتكفير.
منذ وفاة محمد ﷺ؛ انتهى إسلام الدعوة؛ وبدأ إسلام الدولة! فاختلفت قلوبنا؛ وتفرقنا بعد حادثة السقيفة؛ وبدأ الصراخ؛ وتمَّ اغتيال عمر وعثمان وعلي؛ وكانت معركة صفين؛ ثم موقعة الجمل؛ وتكاثرت نتيجة ابتعاد القلوب الفِرق والطوائف والجماعات؛ كلها يصرخ في الآخر تكفيراً وتفجيراً وعداوةً. وما نزال نصرخ؛ وما تزال القلوب تتباعد، حتى أصبحنا بالنسبة للأمم الأخرى مضحكةً وغثاءً كغثاء السيل.
ولن يتوقف السوريون عن الصراخ لبعضهم بعضاً؛ حتى يجلسوا على طاولة سورية وطنية؛ لا شرقية ولا غربية، لا سنية ولا علوية، لا عربية ولا كردية؛ طاولة وجْبَتُها الرئيسة المواطنة؛ ومكوناتها الأخوة الإنسانية والدينية والرَحَمِية والوطنية.
فمتى يا بني وطني؟ أليس فيكم إنسان رشيد؟




