مجلس الشعب السوري المعيّن – 2

تكبير الصورة

د. محمود عباس

هل تحولت سوريا إلى دولة تابعة بواجهة انتقالية؟

وهنا تتضح وظيفة السلطة الجديدة في دمشق. فهي ليست سلطة انتقالية بالمعنى الوطني، بل سلطة ضبط. تضبط الداخل السوري لمصلحة الترتيبات التركية، وتمنع بروز مشروع ديمقراطي لا مركزي، وتقطع الطريق على أي حل فيدرالي، وتحوّل مجلس الشعب إلى أداة لشرعنة المركزية الجديدة. أما القوى الديمقراطية السورية، التي كانت تطالب ببناء دولة مواطنة ولامركزية، فقد وجدت نفسها محاصرة بين الخوف من الفوضى، وإغراء المناصب، وضغط الخارج، وصراع المكونات على البقاء.

وفي قلب هذا المشهد يقف الحراك الكوردي أمام معضلة قاسية. فالمشاركة في مجلس الشعب بهذه النسبة الهزيلة، وضمن تمثيل قُزّمت فيه الديمغرافية الكوردية، قد تُستخدم ضد القضية القومية نفسها. ستقول السلطة للعالم: الكورد ممثلون في المجلس. وستقول تركيا: لم يعد هناك ملف كوردي خارج المؤسسات السورية. وستقول بعض العواصم الغربية: شاركوا من الداخل وطالبوا بحقوقكم عبر الآليات الدستورية. لكن أي آليات هذه إذا كانت المؤسسة نفسها مصنوعة لحماية المركزية وإغلاق باب الفيدرالية؟

وفي المقابل، فإن عدم المشاركة قد يفتح أبوابًا أخرى من الخطر: اتهامات بالانفصال، والخيانة، ورفض الوطنية، وتعطيل الانتقال، والارتهان للخارج. وهذه ليست تهمًا عابرة؛ لقد اشتغلت تركيا طوال سنوات على نشر هذه القاموس داخل سوريا، حتى صار كل مطلب كوردي باللامركزية أو الفيدرالية يُقرأ عند كثيرين بوصفه مشروع تقسيم. وهكذا يجد الحراك الكوردي نفسه بين فخين: المشاركة التي قد تُشرعن التصفية الناعمة لمطالبه، والمقاطعة التي قد تُستخدم لتجريمه سياسيًا وإعلاميًا.

هذه هي المأساة الحقيقية: أن يُدفع شعب كامل إلى الاختيار بين فتاتٍ يُضعف قضيته، ورفضٍ قد يُستخدم لعزله. وفي الحالتين، لا يوجد ضمان دولي واضح، ولا دعم أمريكي حاسم، ولا موقف غربي يرقى إلى مستوى حماية الحقوق القومية والديمقراطية. لذلك يصبح الخطر على مستقبل الشعب الكوردي مضاعفًا: خطر من السلطة المركزية الجديدة، وخطر من تركيا، وخطر من صمت العالم، وخطر من التسرع الداخلي في قبول صيغ تمثيل لا تحمي جوهر القضية.

إن ما يجري في سوريا ليس انتقالًا سياسيًا، بل إعادة بناء سلطة مركزية بغطاء انتقالي. وليس مجلس الشعب سوى إحدى أدوات هذه العملية. أما من يراهن على أن المؤسسات الشكلية ستنتج دولة ديمقراطية، فهو يتجاهل أن المؤسسات لا تكون ديمقراطية بمجرد تسميتها، بل بمصدر شرعيتها، واستقلالها، وقدرتها على مراقبة السلطة، وضمان حقوق المكونات، ومنع هيمنة الأيديولوجيا والسلاح والخارج.

ولهذا يجب ألا ينخدع السوريون، ولا الكورد خصوصًا، بلغة “الاختيار الأنسب” و“التمثيل” و“المرحلة الانتقالية”. فحين يكون الاختيار مصممًا مسبقًا، والتمثيل مضبوطًا، والمرحلة الانتقالية محكومة بإرادة خارجية، فإن ما يُبنى ليس دولة، بل نظام تبعية. وحين يصبح البرلمان أداة في يد السلطة، والسلطة أداة في يد الخارج، فإن السيادة تصبح خطابًا، لا حقيقة.

إن سوريا اليوم أمام احتلال جديد بصيغة جديدة: لا يرفع علمه فوق كل مؤسسة، لكنه يحدد من يدخلها؛ لا يعلن حكمه المباشر، لكنه يرسم حدود القرار؛ لا يلغي اسم الدولة، لكنه يعيد تشكيلها من الداخل. وهذه هي أخطر أشكال السيطرة، لأنها تجعل الشعب يظن أنه يشارك في بناء مستقبله، بينما يُطلب منه فقط أن يصفق للمستقبل الذي صُمم له.

أما الحراك الكوردي، فعليه أن يدرك أن المشاركة أو المقاطعة ليستا هدفًا بذاتهما. الهدف هو حماية جوهر القضية: الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي، تثبيت اللامركزية السياسية، ضمان الحقوق القومية، حماية غربي كوردستان من التذويب، ورفض أي دستور مركزي أو ديني أو أيديولوجي يعيد إنتاج الاستبداد. ومن دون هذه الضمانات، فإن أي مقعد في مجلس الشعب قد يتحول من مكسب رمزي إلى شاهد زور على دفن قضية كاملة.

إن الخطر الأكبر ليس في أن تُعيّن تركيا مجلسًا لسوريا، بل في أن يقبل السوريون، والكورد منهم خصوصًا، بهذا المجلس بوصفه قدرًا سياسيًا. فالشعوب لا تُهزم فقط حين تُقهر، بل تُهزم حين تُدفع إلى الاعتراف بأدوات قهرها كأنها مؤسسات شرعية. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة كشف البنية، لا الاكتفاء بنقد الوجوه؛ ومعركة الدفاع عن الدولة الديمقراطية اللامركزية، لا التنافس على مقاعد داخل دولة تُصاغ ضد مستقبلها.

الولايات المتحدة الأمريكية

4/7/2026 م.

× Zoomed Image
Scroll to Top