فينوس بابان
في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط الجديد، يُدشّن رئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي، زيارة رسمية استثنائية لمدتها وتركيبتها إلى العاصمة الأمريكية واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب، وبينما تتجه الأنظار إلى طائرة الوفد العراقي، المطبخ التنفيذي والاقتصادي، فإن الحدث الحقيقي الذي هندس مخرجات هذه الزيارة مسبقاً لم يحدث في البيت الأبيض بل جرت صياغته في أروقة بغداد قبل ساعات من الإقلاع عبر معادلة نيجيرفان بارزاني – علي الزيدي التي ولدت في الاجتماع الطارئ لإدارة الدولة.
هذه المعادلة لا تمثل مجرد تنسيق سياسي عابر بل هي قارب النجاة الدستوري والدرع الاستراتيجي الذي يمنح حكومة الزيدي الحصانة والمقبولية في دوائر القرار الأمريكي في توقيت داخلي وإقليمي بالغ الحرج والتعقيد ومكلل باستكمال الزيدي لتشكيلته الحكومية ونيل الثقة الكاملة قبيل المغادرة.
السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان حجر الزاوية ومهندس المقبولية في واشنطن
لم يكن حضور رئيس إقليم كوردستان الرئيس نيجيرفان بارزاني، إلى بغداد تلبيةً لدعوة بروتوكولية بل كان خطوة استراتيجية مدروسة فرضها توقيت الزيارة الحرج، ففي الوقت الذي تعاني فيه بغداد تاريخياً من أزمة ثقة مزمنة مع مراكز القرار في واشنطن، يبرز السيد نيجيرفان بارزاني كشخصية تحظى بموثوقية عالية وعلاقات تاريخية راسخة مع الحزبين ، الجمهوري والديمقراطي ومع إدارة الرئيس دونالد ترامب تحديداً.
مفتاح الدخول الآمن للبيت الأبيض.. يدرك السيد على الزيدي أن إدارة ترامب ذات العقلية البراغماتية الصارمة لن تمنح تفويضاً أو إعفاءات مالية لحكومة عراقية ينظر إليها الغرب بعين الريبة، حضور رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني بشخصه وموقعه الدستوري مَنَح السيد الزيدي شهادة حسن سير سياسي أمام البيت الأبيض والكونغرس محولاً الخطاب من حكومة منبثقة عن إطار تنسيقي شيعي إلى حكومة دولة اتحادية متوازنة يمثل الإقليم شريكاً وصمام أمان فيها.
إجهاض الفيتو الفصائلي.. جاء حضور رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني ليعيد ميزان القوى إلى مربع الدولة، فالبيان التصعيدي الحاد الذي أصدرته المقاومة الإسلامية لمحاولة فرملة الزيارة وتهديد الشركات الأجنبية تكسّر سياسياً أمام مشهد الشراكة الاتحادية – الكوردستانية، لقد أعطى السيد نيجيرفان بارزاني لخطوات الزيدي الشرعية الوطنية الشاملة مرسلاً رسالة لترامب بأن المؤسسات الدستورية هي من تقود الدبلوماسية وليس السلاح.
تركيبة الوفد العراقي.. هندسة فنية لمخاطبة عقلية ترامب
يتوجه الزيدي إلى واشنطن بوفد نوعي غير تقليدي جرت صياغته بتنسيق وتوافق مع أربيل حيث يغيب الطابع السياسي التقليدي ويهيمن عليه الفريق الفني التخصصي والقطاع الخاص.
هيكل الوفد وعملهم المحدد: الفريق التنفيذي والمالي، يضم وزراء النفط، التخطيط والمالية إلى جانب محافظ البنك المركزي، وعملهم يتركز على تقديم ضمانات ملموسة حول حماية النظام المصرفي العراقي وتدفقات الدولار وضمان عدم الالتفاف على العقود الدولية. الفريق الأمني والسيادي، ممثلاً بمستشار الأمن القومي وقادة الهيئات التسليحية، وعملهم اللوجستي هو استكمال التفاهمات الجدّية التي بدأت مع المبعوث الأمريكي توم باراك في بغداد بشأن النزع الكامل للسلاح وحظر الفصائل خارج سلطة الدولة، وتقديم أدلة لترامب على فك ارتباط بعض الأجنحة المسلحة كإجراء عملي لفرض السيادة. أقطاب القطاع الخاص ورجال الأعمال، أكبر وفد اقتصادي واستثماري يرافق رئيس وزراء عراقي، عملهم هو عقد صفقات مباشرة مع الشركات الأمريكية العملاقة مثل GE وChevron لتأهيل بنية الطاقة والغاز هذا التشكيل ينسجم تماماً مع عقيدة ترامب القائمة على Business-driven diplomacy أو دبلوماسية الصفقات المنتجة، فترامب لا تستهويه الوعود السياسية بل لغة الأرقام والاستثمار.
تفكيك العقدة الكبرى وعقلية الصفقة النفطية
هنا تحديداً تبرز عبقرية التوقيت في حضورالسيد نيجيرفان بارزاني في بغداد حيث تم إبرام صفقة اللحظة الأخيرة قبل الإقلاع:
حل معضلة نفط الإقليم والشركات الأمريكية.. الملف الأكثر سخونة على طاولة ترامب هو توقف صادرات نفط الإقليم والمشاكل القانونية والمالية التي تواجهها شركات الطاقة العالمية والأمريكية منها خاصة، لم يكن بإمكان الزيدي الجلوس مع رؤساء هذه الشركات العملاقة في واشنطن وهو مكبل الأيدي، لذا جاء حضور رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني ليوفر صيغة حل قانونية ودستورية مرنة تضمن مستحقات الإقليم وتمنح السيد الزيدي الضوء الأخضر لإبرام مذكرات تفاهم تاريخية تعيد تدفق النفط عبر ميناء جيهان وتحمي الاستثمارات الأمريكية وهو ما يفسر خروج بيان الفصائل الرافض للاستثمارات في ذات التوقيت.
اختبار الشرق الأوسط الجديد ومطب الـ 17 من تموز، البُعد الأكثر حرجاً في هذه
الزيارة التي ستستغرق أسبوعاً أو أكثر هو مشاركة الزيدي المقررة في مؤتمر قمة بواشنطن في 17 من الشهر الحالي بحضور قادة دول خليجية ومسؤولين أمريكيين لمناقشة تداعيات الحرب مع إيران وملامح الشرق الأوسط الجديد. هذا المحور هو الذي فجّر غضب الفصائل ودفعها للتحذير من التنازل والانبطاح ، وفي هذا المفصل تحديداً يُعد وجود رئيس إقليم كوردستان في عمق القرار السياسي ببغداد ضمانة لحماية التموقع العراقي:
إقليم كوردستان، بقيادة السيد نيجيرفان بارزاني وعلاقاته المتوازنة مع المحيط العربي والخليجي والدولي يمثل الجسر الموثوق الذي يمكن لعراق الزيدي العبور فوقه نحو عمق اقتصادي خليجي دون السقوط في فخ المواجهة المباشرة مع طهران، رئيس إقليم كوردستان يمنح بغداد مرونة المناورة في مؤتمر واشنطن الحساس لانتزاع شراكات أمنية واقتصادية تضمن استقرار الدينار العراقي دون إثارة أزمة داخلية تفجر الهدنة الهشة.
إن رئيس الوزراء السيد علي الزيدي لا يطير إلى واشنطن في نزهة دبلوماسية بل يذهب وهو يحمل في جعبته تفويضاً مؤسساتياً تزن أركانه بميزان الذهب صُنعت حصانته الكوردستانية والدستورية في بغداد بجهود حثيثة من رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، ولم يعد نجاح هذه الزيارة التاريخية يُقاس بجودة الخطابات بل بحجم الصفقات النفطية وعقود الطاقة التي سيعود بها الوفد الفني والقطاع الخاص العراقي.
ثلاث رسائل مصيرية في توقيت حاسم:
إلى صناع القرار في بغداد.. الشراكة الحقيقية مع إقليم كوردستان ليست خياراً للمناورة، بل هي الدرع السيادي والركيزة الاقتصادية التي تحمي العراق من الانهيار. أي تراجع عن التفاهمات الحالية هو بمثابة انتحار اقتصادي للدولة.
إلى قوى الممانعة..السيادة لا تُبنى بخنق الموازنة أو التهديد، بل باقتصاد صلب يستثمر ثروات المركز والإقليم. لغة التهديد تجاوزها الزمن، والعالم اليوم –بما فيه الإدارة الأمريكية– لا يكترث إلا للغة الاستقرار والأرقام.
إلى الشارع العراقي..معركتنا اليوم في واشنطن ليست صراعاً سياسياً، بل هي معركة تأمين الرواتب واستقرار الدينار. التحالف الذي يرسخه السيد نيجيرفان بارزاني ورئيس الوزراء علي الزيدي هو خط الدفاع الأخير لحماية مستقبلكم من ضريبة الصراعات الإقليمية.











