من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 8/8

تكبير الصورة

د. محمود عباس

ثم جاءت الكلفة الخارجية، وهي ربما أكثر ما يفسر لماذا لم تبقَ أزمة إيران داخل حدودها.

فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، أصبح دعم القوى السياسية والمسلحة خارج الحدود ركيزة ثابتة في السياسة الإيرانية. وأنشأ الحرس الثوري، ولا سيما فيلق القدس، شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين، واستخدم المال والسلاح والتدريب والنفوذ السياسي لبناء ما أصبح يعرف لاحقًا بـ«محور المقاومة». وهذه السياسة لم تكن هامشية، بل أصبحت واحدة من أدوات إيران الأساسية لمد نفوذها الإقليمي.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

ومن الصعب معرفة الرقم الحقيقي الذي أنفقته إيران على هذه الشبكات؛ فجانب كبير من التمويل لا يمر عبر موازنات شفافة، ويجري عبر الحرس الثوري والمؤسسات والشركات وشبكات النفط والتمويل غير المباشر. لكن الأرقام الجزئية تكشف الحجم. فقد قدرت جهات أمريكية الدعم الإيراني السنوي لحزب الله في بعض السنوات بنحو 700 مليون دولار، فضلًا عن مئات الملايين التي ذهبت إلى جماعات أخرى، فيما وثقت وزارة الخزانة شبكات نقلت مئات الملايين من عوائد النفط إلى الحرس الثوري وحلفائه الإقليميين.

وفي سوريا لم يكن الدور الإيراني ماليًا فقط، يقال أنه تجاوز 13 مليار دولار؛ بل شمل التدريب والتسليح وإرسال المستشارين ودعم الميليشيات وإسناد نظام الأسد خلال الحرب، كما أسهم حزب الله وقوات مرتبطة بالحرس الثوري في العمليات العسكرية هناك. وفي العراق دعمت طهران فصائل مسلحة أصبحت لاحقًا جزءًا من المشهد العسكري والسياسي، وبعضها يملك اليوم نفوذًا يتجاوز في جوانب معينة مؤسسات الدولة نفسها. وفي اليمن قدمت إيران دعمًا للحوثيين بالمال والسلاح والتكنولوجيا، وأسهمت هذه الشبكة في تحويل صراعات محلية إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع.

وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة، الأموال التي خرجت من إيران لبناء النفوذ خارج حدودها لم تكن أموالًا مجردة؛ كانت في الوقت نفسه مصانع لم تُبنَ، وشبكات ماء لم تُحدَّث، ومدارس ومستشفيات لم تتوسع، وطرقًا وموانئ لم تتطور، وفرص عمل لم تُخلق.

ولم تقتصر النتيجة على استنزاف الداخل، بل ساهمت هذه السياسة في تعميق أزمات دول مجاورة. ففي العراق ارتبطت بعض الفصائل بطهران أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الوطنية، وفي لبنان أصبح سلاح حزب الله عنصرًا دائمًا في الصراع على سيادة الدولة، وفي سوريا ساعد الدعم الإيراني في إطالة عمر النظام خلال حرب مدمرة، وفي اليمن أصبحت الحرب جزءًا من صراع إقليمي أوسع.

وبذلك لم يكن «تصدير الثورة» شعارًا أيديولوجيًا فقط، بل تحول إلى مشروع جيوسياسي كلّف إيران والمنطقة معًا أثمانًا هائلة.

وهنا يظهر وجه آخر للمفارقة الإيرانية، النظام الذي كان يستطيع استخدام موارد إيران لبناء واحدة من أكثر دول آسيا تقدمًا، استخدم جزءًا معتبرًا منها لبناء نفوذ خارج الحدود، بينما بقيت في الداخل شعوب كالكورد والبلوش وعرب الأهواز تطالب بحقوق ثقافية وسياسية وتنموية أساسية.

أي إن المسألة لم تعد فقط: كم خسرت إيران اقتصاديًا؟

بل أيضًا:

كم خسر شعب إيران من حريته وحقوقه، وكم خسرت دول المنطقة من استقرارها، لكي يبقى مشروع ولاية الفقيه قادرًا على القول إن نفوذه يمتد خارج الحدود؟

ولهذا لا أرى أن أزمة إيران يمكن اختزالها بالقول إن «العقوبات دمّرت إيران»، رغم أن العقوبات لعبت دورًا بالغ القسوة، ولا يمكن اختزالها بالحرب الحالية، رغم ما أضافته من تدمير واستنزاف.

فالحرب جاءت فوق بنية تعاني منذ عقود من ضعف الاستثمار، وسوء الإدارة، والعزلة، وهيمنة المؤسسات العقائدية والأمنية على أجزاء واسعة من الاقتصاد، ومن سياسة خارجية جعلت الصدام المستمر مع الخارج جزءًا من وظيفة النظام.

ومن هنا يصبح السؤال، من أفقر إيران، العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟

ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى تعديل، لأن العلاقة بين الاثنين ليست منفصلة تمامًا.

فالعقوبات عامل خارجي حقيقي، لكن ينبغي أيضًا أن نسأل، كم من العقوبات جاء نتيجة قرارات اتخذها النظام؟ وكم من العزلة نتج عن مشروع تصدير الثورة؟ وكم من الموارد أنفقت على بناء شبكات نفوذ وقوى عسكرية خارج الحدود؟ وكم من الاستثمارات والتقنيات والأسواق فقدتها إيران لأنها قررت أن تكون في صدام مستمر مع جزء واسع من النظام الدولي؟

ولا يعني ذلك أن كل ما أصاب إيران سببه النظام. فالحرب العراقية–الإيرانية، والسياسات الأمريكية والإسرائيلية، والعقوبات الخارجية، وتقلب أسعار الطاقة، والتغير المناخي والجفاف عوامل حقيقية، ولا يجوز حذفها من أي تحليل جاد.

لكن الدولة تُقاس أيضًا بقدرتها على تقليل المخاطر، لا بتوليدها باستمرار.

وهنا يعود الأمر إلى طبيعة النظام نفسه. والمشكلة ليست في المذهب الشيعي ولا في الشيعة كجماعة دينية، وإنما في تحويل ولاية الفقيه والأيديولوجيا المذهبية إلى نظام حكم ومشروع سياسي يتجاوز حدود الدولة.

فعندما يصبح «تصدير الثورة» جزءًا من الوظيفة التاريخية للنظام، وتصبح حماية المشروع العقائدي أولوية تتقدم على رخاء المجتمع، يمكن للسلطة أن تعيد تعريف كل خسارة بطريقة تخدم بقاءها: الفقر يصبح «ثمن المقاومة»، والعقوبات تصبح «حصار الأعداء»، والعزلة تتحول إلى «استقلال»، والقتلى يصبحون «شهداء»، واستمرار النظام يصبح بحد ذاته دليلًا على الانتصار.

لكن المواطن لا يستطيع أن يدفع فاتورة حياته بالشعارات.

وهنا تظهر المسافة الهائلة بين إيران التي تسمح بها مواردها وإيران التي يعيش فيها شعبها بالفعل. دولة كان يمكن أن تكون قوة عالمية في الطاقة والصناعة والتجارة والثقافة والعلوم، لكنها وصلت إلى مرحلة يناقش فيها المواطن يوميًا سعر الدولار والخبز والكهرباء والماء.

هذه هي المفارقة التي لا تستطيع الدعاية إخفاءها.

فالحرب الحالية لا تخلق الأزمة الإيرانية من الصفر؛ إنها فقط تزيل الغطاء عنها، وتسرّع ما كان يتراكم منذ عقود.

والنظام العقائدي لا يقيس الهزيمة بما خسره الشعب، بل بما إذا كان هو نفسه ما يزال قائمًا. فإذا بقي جهاز سياسي–ديني في طهران وقم يؤمن بأن شرعيته تأتي من ولاية الفقيه، وأن رسالته تتجاوز إيران إلى تصدير الثورة، يستطيع أن يعتبر مجرد بقائه نوعًا من الانتصار، حتى لو كانت الدولة أفقر والمجتمع أكثر إنهاكًا.

وهنا تبلغ المأساة ذروتها:

يستطيع الشعب أن يخسر، وتستطيع الثروة أن تتبدد، ويستطيع المستقبل أن ينكمش، ثم يخرج النظام ليعلن أنه انتصر.

الولايات المتحدة الأمريكية

3/8/2026 م


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top