مصطفى بوغازي/ الجزائر
لا شيء يُحرّكُ الرّكودَ في بُحيرات الأدب مثلُ صفّارةِ البداية التي تُطلقها المَواسمُ الإبداعيةُ حينَ تفتحُ الجوائزُ أبوابَها. ففي تلك اللحظة الفاصلة بين زوايا العُزلة وحسابات منصّات التتويج يتغيّرُ المَشهدُ برُمّته، وتتبدّلُ لغةُ الصمتِ بتدافُعٍ نَقديّ وإعلاميّ يثيرُ الكثيرَ من التساؤلاتِ والمُلاحظات.
تشهد هذه الفترة الفاصلة حراكاً نقدياً وإعلامياً يثير الدهشة ، إذ تتدفق القراءات، وتتعدد الحوارات، وتتسابق الملاحق الثقافية في تسليط الضوء على أعمال كان بعضها بالأمس القريب لا يغادر غبار الرفوف. وهنا يرتفع السؤال المشوب بالحيرة: هل أسدت الجوائز صنيعاً للأدب حين أيقظت النقاد من سباتهم، وأخرجت تلك النصوص من عتمة الصمت الأدبي إلى نجوى الضوء؟ أم أننا أمام هندسة خفية للانطباعات، ومحاولات ناعمة لتوجيه ذائقة المتلقي والضغط على ضمائر اللجان عبر ضجيج احتفائي يسعى لفرض اسم بعينه؟
إن القول بالأول يحمل قدراً من المشروعية؛ فالجوائز بما تملكه من سلطة رمزية وبريق مادي ، تعمل كمغناطيس يشد أنظار النقاد، وتوفر منصة اكتشاف تُعيد للكلمة جلالها المفقود. غير أن الملاحظة الفاحصة تجعلنا لا نغفل الوجه الآخر للعملة؛ إذ يتداخل في هذه الفترة الحساسة ما هو نقدي أصيل بما هو تسويقي ومصلحي. يتحول الإعلام الثقافي أحياناً إلى حلبة استقطاب، وساحة لاصطفاف الأصدقاء والمريدين حول “الكاتب فلان”، في محاولة لنسج هالة استبقائية تحسم النتيجة قبل أن يجف حبر التقرير النهائي للجنة.
بين احتفاء الكشف وشبهة التوجيه، تبدو هذه الظاهرة سلاحاً ذو حدين؛ فهي من جهة تُحرك الركود وتخلق زَخَماً قرائياً نحن بأشد الحاجة إليه، لكنها من جهة أخرى قد تُربك حياد المحكمين وتستبدل القيمة الجمالية الخالصة بالترويج الموجّه. ويبقى النص الأصيل هو الوحيد القادر على الصمود بوجه هذا الزبد، فما يُبنى على صخب الإعلام يزول بزوال الحفل، وما صُنع ببصمة الإبداع يظل راسخاً في ذاكرة الأدب، تُتوجه الجوائز أم لا تلتفت إليه.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






