جان كورد، 08 أيلول، 2011
قد تختلف التفسيرات والتأويلات لما يجري على الساحة السورية من عتفٍ دموي
وإرهاب منظم، على أيدي النظام القائم، منذ انتفاضة الشعب السوري في ال15 من آذار
2011 وإلى يومنا هذا، إلا أنها في الحقيقة والواقع ليست سوى حربٍ قذرة، فالحرب تكون
حيث تتحرك الجيوش بعتادها وسلاحها، وتستخدمهما بأوامر من قياداتها، وهذا ما يحدث في
سوريا بالضبط. فالجيش السوري يتحرك عبر المدن والأرياف مدججاً بالسلاح والعتاد، ويستخدم
الذخيرة الحية، وزج بالدبابت والمدرعات والمروحيات في حربه، وهو ليس في حالة من المناورات
التدريبية وانما في قتال ضد الشعب السوري، كما أنه ليس في حالة صد عدوان عسكري خارجي
أو في حالة هجوم لتحرير جزء مغتصب من الأرض السورية، والحرب تكون عادةً بين جيشين أو
عدة جيوش، بينهما أو بينها جبهات قتالية ومساحات معززة بدفاعات مختلفة، أما هذه الحرب
فإنها مختلفة نوعاً وأهدافاً لأنها تجري في شوارع المدن السورية، أي ليست حرب شوارعٍ
في أرض معادية، كما أنها ليست حرب شوارعٍ للدفاع عن مدن سورية…
إنها مختلفة نوعاً، لأنها ترتكب من قبل نظامٍ مرتبك، مذعور من احتمال
سقوطه بسرعة لم يكن يتصورها رجاله الذين اعتقدوا بأن حكمهم أبدي، أو كانوا يحلمون بذلك.
وهي ذات هدفٍ غير أهداف الجيوش المحاربة على حدود بلادها أو الغازية لبلاد أخرى، فالهدف
هنا ممارسة الذبح والقنص والتعذيب والإرهاب ضد شعبٍ من المفترض أن يذود عنه جيش النظام،
وذلك حتى يتوقف هذا الشعب عن المطالبة بتغيير النظام السياسي لبلاده، ويسكت على الضيم
والأذى اللذين يعاني منهما منذ استيلاء حفنة من المجرمين على السلطة في حقبة تاريخية
سابقة، ولاينبس ببنت شفة عما يطمح إليه، ويكتفي بإطلاق الحسرات الخافتة أثناء مشاهدته
حلقات المسلسلات التلفزيونية التي يسمح بها النظام ويبتكرها لديمومة الغط في النوم
الجماعي للشعب السوري، في عصر الحريات والعولمة، ورغم يناعة "الربيع العربي"
وقدرة الشعوب الشقيقة والصديقة على الانتاج السياسي.
لقد استشهد حتى الآن آلاف من المدنيين السوريين، أطفالاً ونساءً وشيوخاً
وشباباً، برصاص الجيش السوري، ومرتزقة النظام وأجهزته الأمنية وشبيحته المجرمة الارهابية،
وحقيقةً فإن هذا العدد أكبر بكثير مما استشهد من السوريين على أيدي الفرنسيين المستعمرين،
ومما سقطوا في حربي حزيران 1967 وحرب تشرين 1973 معاً. وهكذا نحن أمام وضعٍ أشد حرجاً
وإثارة للأحزان من وضع الحرب على جبهة القتال ضد اسرائيل.
ومع الأسف، فإن هناك من السوريين والعرب غير السوريين، شرذمة من الذين
نطلق عليهم صفة "المثقفين!" لاتزال تبرر للنظام الأسدي إرهابه ضد شعبه، بذريعة
أنه نظام "ممانع!"، ويسعون بشتى السبل لانقاذ رقبته من أيدي الشعب الذي يطالب،
بعد كل هذه الجرائم المرتكبة من قبله، بإعدام الرئيس وباسقاط النظام. ومن هؤلاء المثقفين
الممانعين (!) من يزعم أن من سيحكم سوريا بعد سقوط هذا النظام هو الليل الداجي وقد
تكون نهاية التاريخ بالنسبة للسوريين.
هذا الوضع يرينا إلى أي درجة استطاع هذا النظام، الذي لم يتغير فيه سوى
رأسه وراثياً ولمرة واحدة خلال العقود الأربعة الماضية، أن ينشر شبكته العنكبوتية وعملاءه
وأعوانه بين مختلف فئات الشعب السوري، بين علماء سوريا ومفكريها، وبين علماء ومفكري
العالم العربي، وكذلك بين التنظيمات والجمعيات والأحزاب، السورية وغير السورية، بحيث
لانجد زاوية إلا وفيها أشباح الطابور الخامس تعمل ليلاً نهاراً، سراً وجهاراً لاسكات
صوت الشعب وتمييع نضالاته وتحريف مساره الصحيح، وبث اليأس في النفوس، واطلاق الدعوات
المبطنة والصارخة لوقف الاحتجاجات السلمية، بذريعة "البحث عن مخرج للأزمة السورية"
وفي الحقيقة، فإن النظام الفاشل والضعيف والمفلس سياسياً ومالياً ودولياً
وحقوقياً، والفاقد لشرعيته منذ أن وجد، هو الذي أدخل نفسه في شرنقة، ولن يخرج منها
إلا جثة هامدة، والشعب السوري ليس في أزمة، وإنما في ثورة عارمة، لايمكن وصفها بالأزمة
في أي حالٍ من الأحوال.
لهؤلاء المتفذلكين من الذين لهم قدم في المعارضة وأخرى في عتبة النظام،
نقول: إنها الحرب يا سادة، وفي الحرب تتوضح معالم الجبهة، فإما أن تكونوا مع شعبكم
الذي يبذل الغالي والرخيص من أجل حريته ومستقبله، وإما أن تكونوا مع هذا النظام الذي
حول بلادكم إلى ساحة حربٍ، وأمعن في تقتيل وتعذيب وتشريد إخوتكم وأخواتكم، يسعى إلى
ادامتها لتصبح حرباً أهلية، وفتنة طائفية، عساه يجد فيها فرصة لادامة عمره بمساعدة
أمثالكم وسواكم من القوى التي لاتحب سوريا ولاتحب شعبها وتضمر لسوريا ولشعبكم الشر
والأذى.
ولذا، فلا مجال بعد الآن للحوار مع من شن الحرب ولايزال يشنها على شعبكم،
فقد فات الأوان لذلك، كما صرح الأمين العام للأمم المتحدة مؤخراً. وإن محاولاتكم الترقيعية
لن تفلح بعد اليوم فلقد اتسع الرقع على الراقع كما تقول العرب.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






