في خضم التحولات العميقة التي تشهدها سوريا، وبين إرث المركزية الثقيلة ومحاولات البحث عن صيغ أكثر قدرة على إدارة التنوع والأزمات، تبرز اللامركزية بوصفها خياراً وطنياً ملحاً، لا باعتبارها طرحاً سياسياً نظرياً، بل كمسار عملي لإعادة بناء الدولة وتعزيز استقرار المجتمعات المحلية. وفي محافظة السويداء، التي واجهت خلال السنوات الماضية تحديات أمنية واقتصادية وخدمية معقدة، تصاعد النقاش حول أهمية الإدارة المحلية ودورها في سد الفراغ الذي خلفه ضعف المركز.
ويرى المحامي الدكتور وليم الشعار، من السويداء، أن الحديث عن اللامركزية لم يعد ترفاً سياسياً أو مادة للنقاش الفكري، بل ضرورة قانونية ووطنية لإنقاذ الدولة السورية من مزيد من الانهيار. ويقول إن الواقع السوري الراهن، في ظل النزاع الممتد وما نتج عنه من ضعف هيكلي في مؤسسات الدولة المركزية، أثبت محدودية قدرة الإدارة المركزية على الاستجابة لاحتياجات المحافظات، ومنها السويداء التي اضطرت خلال السنوات الماضية إلى إدارة كثير من شؤونها بصورة ذاتية.
ويؤكد الشعار أن دستور عام 2012، رغم إشاراته إلى صلاحيات المحافظات في المادة 146، أبقى هذه الصلاحيات ضمن إطار الوصاية المركزية، الأمر الذي انعكس، بحسب وصفه، على شكل فساد إداري وإهمال تنموي. ويضيف أن اللامركزية الحقيقية تتطلب تعديلات دستورية تمنح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات تنفيذية واضحة في مجالات الميزانية والتعليم والأمن المحلي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على وحدة الدولة وسيادتها.
ويشير الشعار إلى أن التجارب اللامركزية الناجحة في العالم تثبت إمكانية الجمع بين الاستقلالية المحلية ووحدة الدولة، موضحاً أن سوريا قادرة على بناء نموذج إداري مرن يستوعب تنوعها الثقافي والاجتماعي، دون أن يتحول ذلك إلى مدخل للتفكك أو الانقسام. ويعتبر أن السويداء قدمت خلال السنوات الماضية مثالاً على قدرة المجتمعات المحلية على تنظيم شؤونها اليومية وإدارة أزماتها، بما ساهم في تقليص مظاهر الفساد وتعزيز دور المجتمع في الرقابة والمساءلة.
ويقول الشعار إن أي مجتمع محلي هو الأقدر على فهم احتياجاته وتحديد أولوياته، خصوصاً في ظل الفوضى السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد، مشدداً على أن اللامركزية لا تعني الانفصال عن الدولة، بل إعادة توزيع الصلاحيات بطريقة تضمن فعالية الإدارة وتحافظ على وحدة الوطن.
وحول مخاطر تأخر تطبيق اللامركزية، يحذر الشعار من أن استمرار الفراغ الإداري والسياسي يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية ويعمق حالة الانقسام المجتمعي، داعياً إلى صياغة ميثاق وطني يحدد بوضوح حدود اللامركزية وصلاحياتها. ويضيف: “السياسة الخارجية والدفاع يجب أن يبقيا ضمن صلاحيات الدولة المركزية، بينما تُمنح المجتمعات المحلية صلاحيات إدارة شؤونها الداخلية”.
كما يدعو الشعار إلى عقد مؤتمر دستوري انتقالي يضم ممثلين عن مختلف المحافظات السورية، بهدف صياغة إطار قانوني جديد يضمن الحقوق ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، مؤكداً أن “السويداء ليست حالة استثنائية، بل نموذج يمكن الاستفادة منه في بناء سوريا أكثر توازناً واستقراراً”.
من جهته، يرى الناشط السياسي سلمان الدبس أن أهمية اللامركزية تتضاعف في ظل التعقيدات التي يعيشها الواقع السوري، معتبراً أن النقاش حولها يجب أن يتجاوز الطرح النظري إلى البحث الجدي في آليات إدارة المجتمعات المحلية، بما يمنع تفكك النسيج الوطني ويعزز الاستقرار الداخلي.
ويقول الدبس إن جوهر اللامركزية يكمن في تحويل المجتمعات المحلية من وحدات إدارية هامشية إلى كيانات قادرة على إدارة شؤونها اليومية بكفاءة وفاعلية. ويضيف أن التركيز المركزي الذي حكم سوريا لعقود أسهم في تهميش المحافظات والمناطق البعيدة عن العاصمة، ما جعل توزيع السلطات محلياً خطوة أساسية لمعالجة الاختلالات التنموية والسياسية.
وبحسب الدبس، فإن منح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات أوسع وميزانيات مستقلة يقلل من الاعتماد الكامل على المركز، ويحد من تراكم مشاعر التهميش والاستياء التي ساهمت في تعقيد الأزمة السورية. كما أن هذا النموذج، وفق رأيه، يعزز مبدأ المساءلة، إذ يصبح المسؤول المحلي خاضعاً مباشرة لرقابة المجتمع المحلي، لا لسلطة بيروقراطية بعيدة.
ويشبه الدبس اللامركزية بـ”شبكة أمان اجتماعي”، قادرة على تحويل الدولة من بنية جامدة إلى نظام أكثر مرونة وتكيفاً مع التنوع السوري العرقي والثقافي والطائفي. ويشير إلى أن السويداء شهدت خلال السنوات الماضية مبادرات محلية نجحت في إدارة ملفات أمنية وخدمية واقتصادية رغم محدودية الإمكانات وغياب التدخل الحكومي الفاعل، ما يعكس قدرة الإدارة المحلية على ملء الفراغ بكفاءة أعلى من الإدارة التقليدية.
ويذهب الدبس أبعد من ذلك في توصيفه للمشهد السوري، إذ يرى أن اللامركزية تمثل حلاً وسطاً بين الحفاظ على وحدة الدولة ومنح المجتمعات المحلية هامشاً واسعاً من الاستقلالية الإدارية. ويؤكد أن سنوات النزاع أفرزت نماذج محلية للإدارة في أكثر من منطقة سورية، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه التجارب من مصدر قلق سياسي إلى ركيزة للاستقرار الوطني، عبر دستور واضح يحدد صلاحيات المحافظات والعلاقة بينها وبين المركز.
ويختتم الدبس حديثه بالدعوة إلى اعتماد اللامركزية كسياسة انتقالية عاجلة، تبدأ بعقد مؤتمر وطني تشارك فيه مختلف المحافظات لصياغة إطار دستوري جديد، مضيفاً أن “اللامركزية لم تعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة لوقف دورة العنف وإعادة بناء السلام من داخل المجتمعات المحلية نفسها”.
وفي ظل استمرار الأزمة السورية وتعقيداتها السياسية والأمنية، تبدو اللامركزية بالنسبة لكثيرين إطاراً يتجاوز فكرة الإصلاح الإداري التقليدي، ليطرح تصوراً مختلفاً لشكل الدولة وعلاقتها بالمجتمع. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بتوزيع الصلاحيات فحسب، بل بإعادة بناء الثقة بين السوريين ومؤسساتهم، وتحويل التنوع الاجتماعي والثقافي من عنصر توتر إلى مصدر قوة واستقرار. وفي هذا السياق، تبرز الدعوات إلى عقد مؤتمرات محلية ووطنية وصياغة قوانين انتقالية بوصفها خطوات ضرورية نحو بناء دولة أكثر توازناً، قادرة على حماية وحدتها عبر توزيع عادل وفعّال للسلطة.
عمر صحناوي-السويداء
المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87158
مقالات قد تهمك











