ضعف تمثيل النساء في مجلس الشعب يجدد المطالب بإقرار كوتا نسائية في سوريا

تكبير الصورة

حلب – خديجة الحريري

أعاد الإعلان عن التشكيلة النهائية لمجلس الشعب السوري ملف المشاركة السياسية للمرأة إلى واجهة النقاش العام، بعدما أظهرت النتائج استمرار الحضور المحدود للنساء داخل المؤسسة التشريعية، في مرحلة يُفترض أن تؤسس لمسار سياسي جديد يقوم على الشمولية وتوسيع قاعدة التمثيل. وأثارت هذه النتائج موجة من الانتقادات في الأوساط النسوية والحقوقية، بالتزامن مع انطلاق حراك مدني في مدينة حلب للمطالبة بضمان مشاركة أكثر عدالة للنساء في مواقع صنع القرار، وإقرار كوتا نسائية لا تقل عن 30% في المؤسسات المنتخبة والمعينة.

ويأتي هذا الجدل في وقت تؤكد فيه غالبية المواثيق الدولية والتجارب المقارنة أن مشاركة النساء في المؤسسات التشريعية والتنفيذية لم تعد تُعد قضية مرتبطة بحقوق المرأة فحسب، بل أصبحت أحد المؤشرات الأساسية على جودة الحوكمة واستقرار الأنظمة السياسية وقدرتها على تمثيل مختلف مكونات المجتمع.

واكتمل تشكيل مجلس الشعب بواقع 210 أعضاء، بينهم 140 عضوًا جرى اختيارهم عبر الهيئات الناخبة، و70 عضوًا عُيّنوا بقرار من رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، في حين لم تُستكمل بعد إجراءات اختيار ممثلي محافظة السويداء.

وأظهرت التشكيلة النهائية أن عدد النساء بلغ 22 عضوة فقط من أصل 210 أعضاء، أي بنسبة 10.48%، منهن سبع عضوات جرى اختيارهن عبر الهيئات الناخبة، مقابل خمس عشرة عضوة بالتعيين. واعتبرت ناشطات وحقوقيات أن هذه النسبة لا تعكس حجم حضور المرأة السورية وإسهامها في الحياة السياسية والمجتمعية، ولا تنسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية التي ترفع شعار الشراكة وبناء دولة المواطنة.

ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل نص النظام الانتخابي الخاص بالمرحلة الانتقالية على استهداف تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 20% ضمن تشكيل الهيئات الناخبة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول مدى قدرة المرحلة الجديدة على ترجمة مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص إلى سياسات عملية، وعدم الاكتفاء بالنصوص أو الالتزامات المعلنة.

وفي هذا السياق، نظمت مجموعة من سيدات مدينة حلب تحت اسم “تجمع ناشطات حلب” وقفة سلمية احتجاجاً على استمرار ضعف تمثيل النساء في مجلس الشعب ومختلف مواقع صنع القرار، مؤكدات أن النسبة الحالية لا تعكس الدور الذي اضطلعت به المرأة السورية خلال السنوات الماضية في المجالات السياسية والمجتمعية والإنسانية، ولا تنسجم مع مبادئ المواطنة المتساوية والشراكة في إدارة الشأن العام.

ورفعت المشاركات لافتات دعت إلى ضمان حضور النساء في التعيينات العامة والمؤسسات التشريعية والتنفيذية، مشددات على أن توسيع المشاركة السياسية يجب أن يستند إلى الكفاءة والاستحقاق، وأن بناء مؤسسات قوية يتطلب إتاحة الفرصة لجميع الكفاءات دون تمييز، بما يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة ويمنحها شرعية أوسع.

وقالت الناشطة الحقوقية (ز.إ): “لا يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة بينما لا تزال النساء ممثلات بنسبة لا تتجاوز 10.48% في أعلى سلطة تشريعية، وما نطالب به ليس امتيازًا، وإنما ضمان حق النساء في الوصول إلى مواقع القرار وفق الكفاءة والخبرة، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش.”

من جهتها، رأت الناشطة النسوية (ر.م) أن ضعف تمثيل المرأة في مجلس الشعب لا يعكس غياب الكفاءات النسائية، بل يكشف استمرار وجود فجوة سياسية تحول دون وصول النساء إلى مواقع صنع القرار، مؤكدة أن أي إصلاح سياسي حقيقي لن يحقق أهدافه دون مشاركة متوازنة بين النساء والرجال.

ولم يقتصر الحراك على الوقفة السلمية، إذ شهدت مدينة حلب أيضًا انعقاد مؤتمر بعنوان “قوة القرار بصوت النساء… من المطالبة إلى التأثير”، بمشاركة محافظ حلب وناشطات وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وشخصيات أكاديمية وحقوقية، بهدف مناقشة واقع المشاركة السياسية للمرأة وتحويل المطالب إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

وشكل المؤتمر مساحة للحوار بين ممثلي السلطات المحلية والمجتمع المدني والناشطات، في محاولة للانتقال بالنقاش من مستوى المطالب العامة إلى مستوى السياسات والإجراءات، بما يضمن حضورًا أكثر فاعلية للنساء في مؤسسات الدولة خلال المرحلة المقبلة. وركزت جلساته على الفجوة القائمة بين الدور الذي تؤديه النساء في المجتمع السوري ومستوى تمثيلهن داخل المؤسسات الرسمية، معتبرة أن استمرار هذه النسبة المتدنية يؤكد الحاجة إلى مراجعة آليات التعيين والتمثيل السياسي بما يحقق مشاركة أكثر عدالة وتوازنًا.

وطالبت المشاركات بإقرار نظام كوتا نسائية لا تقل نسبته عن 30% في مجلس الشعب والمؤسسات العامة، بوصفه إجراءً مرحليًا يسهم في توسيع مشاركة النساء في الحياة السياسية، ويمهد للوصول إلى تمثيل أكثر توازنًا يعكس الكفاءة والتنوع المجتمعي، ويمنح النساء فرصة حقيقية للمساهمة في رسم السياسات العامة وصناعة القرار.

ويعكس الحراك الذي شهدته مدينة حلب تنامي القناعة بأن قضية تمثيل النساء لم تعد مرتبطة بزيادة عدد المقاعد داخل المؤسسات فحسب، بل أصبحت جزءًا من النقاش حول شكل الدولة السورية المقبلة وطبيعة نظامها السياسي، ومدى قدرته على استيعاب جميع الطاقات والكفاءات دون تمييز. كما يؤشر إلى أن مشاركة المرأة باتت تُنظر إليها بوصفها أحد معايير جدية أي مشروع سياسي يسعى إلى ترسيخ المواطنة والشراكة، انطلاقًا من أن بناء دولة أكثر تمثيلًا واستقرارًا يتطلب حضورًا متوازنًا للنساء والرجال في مواقع صنع القرار.

 

المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”

 

× Zoomed Image
Scroll to Top