الشعوذة وبيع الأوهام !

تكبير الصورة

عبدالله عطوي الطوالبة

يُهدر العرب خمسة مليارات دولار سنويًّا في سراديب الدجل والشعوذة؛ استناداً إلى إحصاءٍ وثّقته “الجزيرة” وتبنّته مجلة “الشراع” في صيف 2005 . وليس لدينا ما يُسوِّغ ترجيح نقصان هذا المبلغ، بل واقعنا ينبئ بغير ذلك. فما يزال كثيرون في مجتمعاتنا العربية يستسلمون للشعوذة والأوهام، في عصر العلم والفضاء الرقمي العابر للحدود.
وما أكثر الأدلة والبراهين والتجليات، ومنها الاستعانة بالخرزة الزرقاء لدرء الحسد واتقاء شروره. أما الطنين في الأذن، الذي يفسره العلم الحديث بتلف الخلايا الشعرية الدقيقة في القوقعة أو بخلل عصبي ما، فإنه بمنظور الشعوذة والتفكير الخرافي دليل على أن هناك من يذكُرَك. فإذا كان الطنين في الأذن اليمنى، فهناك من يذكر صاحبها بالخير، وإن “طَنَّت” اليسرى فالعكس هو الصحيح !
حك باطن اليد اليمنى، يعني مصافحة أحد. حكاك الأنف، انذار بالزعل. رفَّة العين، انذار بالبكاء والحزن. واذا انكسر فنجان أو صحن أو كأس، فهو علامة خير، لأن مصيبة كانت على وشك أن تحل لكنها تبخرت بكسر المكسور. ومثلها كثير، له بداية لكنه بلا نهاية.
وتنتشر في مجتمعاتنا ظاهرة الحُجُب، المكتوبة عادة بطلاسم غير مفهومة ولا ترابط بينها. في كتاب “ملف الهبل العربي” لمؤلفه حسين الداموني، نقرأ أحد أنموذجاتها: “اللهم ادفع عنه شرّ الأشرار، وعافِهِ من جميع الأمراض، وشر الناس أجمعين بحق الحمد لله رب العالمين، وبحق (سوسم حوسم، ديوم قيوم، عالوم صالوم، لوصي شماخ) ذلكم الله ربكم العزيز الجبار، وأعقد ألسنة المتكلمين من أولاد آدم وبنات حواء، والله من ورائهم محيط، بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ..وبحق ألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..اللهم يا سلام سلّم حامل كتابي هذا، واعقد عنه لسان البشر والحية والعقرب…).
ويورد المؤلف نماذج من تطبيقات الشعوذة في مجتمعاتنا. ففي مصر، أُصيبت امرأة بالاكتئاب، فنصحها شقيقها باللجؤ إلى مشعوذ “مختص”. وكان “العلاج” جاهزًا عند الأخير، وهو الضرب المبرِّح لإخراج عفريت يسكن جسدها. وكانت النتيجة موتها، نتيجة الضرب بقسوة. وفي الأردن، اذا سقط طفل على الأرض في الظلام، تسارع الأم إلى رش مكان سقوطه بالماء والملح مع قراءة بعض التعويذات، لتضمن حماية الولد من المس. ومن الأقوال المتداولة بهذا الخصوص:”دستور يا صاحب السهلة والمكان، لا تؤذونا ولا نؤذيكم، ميَّة وملح، إحنا ويَّاكم صُلح”.
وفي سوريا طالما تناولت الصحف ظاهرة تجمهر أعداد من النساء والرجال أمام منازل المنجّمين، وكأنهم يصطفون في طوابير أمام مركز سفريات أو مخبز. وإذا صدف وقرر مندوب الصحيفة اختيار عينات من المصطفات خاصة، وسؤالها عن سبب مجيئها إلى المكان، فعادة ما يكون “فك السحر” حاضرًا فيها بقوة…ابني سحرته زوجته، ولم يعُد يسأل عني، مع أنه كان من أحب أبنائي إلي. ابني سافر ولم أعُد أعرف عنه شيئًا، فأتيت لأعرف من المُنجِّم مصيره…ولدت طفلًا ومات، ولم أعد أنجب غير البنات وأشك بأن احداهن سحرتني.
وفي لبنان، يطلق المُشعوِذ دخان البخور في غرفته الخاصة. وكي يُبهر زواره، ويثبت لهم قدراته الخارقة على طرد العفاريت، يردد تعاويذ خاصة بصوت جهوري، منها: “أقسمت عليك يا غموش يا ابن فرغوش وكل اخوانك الفاشوش، السماء بكم ترجف، والأرض بكم تخسف، والرياح بكم تعصف، والبحار بكم تغرف، والجبال بكم تقذف، والنيران بكم تسعر وتلهب..يا سكان المكان، أجيبوا وانعزلوا، أنتم وخدامكم وبنوكم وأتباعكم، ومن إليكم، ومن يلوذ بكم عن طريق أعواننا، وتجنبوا وكونوا مساعدين لنا في قضاء حوائجنا الكلية والجزئية بحق طارس، ملك العمار…”.
وما يصدق على تلك الدول، سارٍ لا محالة على البقية؛ لتماثل البنى الاقتصادية والاجتماعية وتطابق أنماط التفكير في عالمنا العربي.
بالمناسبة، الخرافات والشعوذة في مجتمعاتنا ليست منبتة الجذور، حيث تزخر مراجعنا التراثية، قبل الاسلام وبعده، بأحداث كثيرة أبطالها الجن والشياطين. ونكتفي بإيراد مثال واحد، من أمثلة تستعصي على الحصر:”روى البيهقي من طريق (عائشة بنت أنس بن مالك) عن أمها، الربيع بنت معوّذ، وهي أنصارية بايعت النبي عليه السلام في بيعة الرضوان، قالت:”بينما أنا قائلة(وقت القيلولة) وقد ألقيت علي ملحفة، إذ فاجأني أسود (جنّي) يعالجني، أي (ما يكون ما بين الرجل والمرأة ما عدا الجماع)، عن نفسي..قالت: فبينما هو يعالجني أقبلت صحيفة من ورق أصفر تهوي من السماء حتى وقعت عنده، فإذا فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم: من ربّ لكين إلى لكين، أما بعد: فدع ابنتي بنت عبدي الصالح، فإني لم أجعل لك عليها سبيلًا، فانتهرني بقرصةٍ وقال: أولى لك..فما زالت القرصة مني حتى لقيت الله(خليل عبدالكريم: الصحابة والمجتمع، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ص 200. وأخرجه البيهقي في الدلائل، ج 7، ص 155).
أما انتشار الظاهرة في العصر الحديث، فمرتبط إلى حدٍّ كبير بالتخلف العلمي والتقني.
وأنت، أيها القارئ الصديق، أَتُعزز معلوماتُك عن الشعوذة والخرافات قولَ القائل: إنها في انتشارٍ مستمرٍّ، أم أنها في طريقها إلى الانحسار؟

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top