من يجرؤ على ردّ الصفعة حين تًباع الكرامة…

تكبير الصورة

فرست عبدالرحمن مصطفى

تُروى حكاية رمزية من زمن الاستعمار البريطاني للهند عن رجل فقير صفعه ضابط بريطاني أمام الناس، فردّ عليه وأسقطه أرضاً دفاعاً عن كرامته التي لم يكن يملك سواها. لكن قائد الضابط أمره لاحقاً بالاعتذار للرجل ومنحه مبلغاً ضخماً من المال فتغيّرت حياته وأصبح ثرياً تحيط به الأموال والحراس. وبعد سنوات عاد الضابط وصفعه مجدداً أمام الناس، لكن الرجل لم يردّ الصفعة خوفاً على ثروته ومكانته.

قد لا تكون هذه الحكاية واقعة تاريخية موثقة لكنها تختزل حقيقة مؤلمة، حين يعجز المستعمر أو الدكتاتور عن إخضاع الإنسان بالقوة قد يلجأ إلى شراء صمته بالمال والامتيازات.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

فالاستعمار لا يحتل الأرض بالجيوش وحدها والدكتاتورية لا تحكم بالسجون فقط، فكلاهما قد يستخدم المصالح والمناصب لتصنيع الولاء وتحويل المواطن من مدافع عن حقوقه إلى حارس لمكاسبه، حتى يصبح الخوف على الامتيازات أقوى من الرغبة في الدفاع عن الكرامة.

وفي كوردستان تزداد هذه الصورة إيلاماً حين تُقطع الأشجار بفعل العمليات العسكرية التركية وتُدمّر الغابات، بينما تُحاصر أحياناً الأصوات المطالبة بحماية الأرض والحريات. فالمأساة ليست في سقوط الأشجار وحده بل في أن يُكبح نداء المظلومين ويُصبح التعبير عن الرفض مصدر خوف، حتى يمرّ الظلم أمام أعين الجميع دون أن يتفوه أحد بكلمة.

ومع ذلك ليس كل صمت خيانة، فقد يكون الخوف على الأسرة والحياة سبباً في السكوت لكن الخطر يبدأ حين يتحول الصمت إلى ثقافة والمصلحة إلى بديل عن المبدأ والامتياز إلى ثمن للتنازل عن الحقوق.

إن أخطر ما يحققه المستعمر والدكتاتور ليس أن يجعل الإنسان عاجزاً عن المقاومة بل أن يجعله يخشى المقاومة أكثر من خشيته للظلم، وأن يقنعه بأن الحفاظ على ما يملك أهم من الدفاع عما ينتمي إليه.

فالجيوش قد تحتل الأرض والمال قد يشتري الذمم والخوف قد يُسكت الأصوات، لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان شريكاً في صمته أمام إهانة كرامته ووطنه.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top