كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة امسام الأممية
يُعد الشيخ عبيد الله النهري واحدًا من أعظم الشخصيات في التاريخ الكوردي الحديث وأحد أبرز القادة الذين أسسوا للوعي القومي الكوردي في أواخر القرن التاسع عشر وقد جمع بين الزعامة الدينية والقيادة السياسية والحكمة العشائرية، ليصبح أول قائد كوردي يطرح مشروعًا سياسيًا واسعًا يهدف إلى توحيد الكورد والدفاع عن حقوقهم بوصفهم أمةً تمتلك هويتها وتاريخها وإرادتها السياسية ولذلك، ينظر إليه كثير من المؤرخين بوصفه الأب الروحي للنهضة القومية الكوردية والرجل الذي مهّد الطريق للحركات الوطنية الكوردية التي ظهرت في القرن العشرين.
النشأة والبدايات:
وُلد الشيخ عبيد الله النهري نحو عام 1826 في بلدة نهري الواقعة في منطقة هكاري بشمال كوردستان (كوردستانا باكور)، في أسرة دينية عريقة عُرفت بالعلم والتصوف والنفوذ الاجتماعي وكان والده الشيخ طه النهري من أبرز مشايخ الطريقة النقشبندية الأمر الذي جعل عبيد الله ينشأ في بيئة دينية وثقافية أثرت في تكوين شخصيته منذ صغره.
تلقى علومه الشرعية واللغوية على يد علماء المنطقة حتى أصبح من كبار علماء الدين ثم خلف والده في زعامة الطريقة النقشبندية لتتسع مكانته تدريجيًا بين القبائل الكوردية ليس بوصفه شيخًا دينيًا فحسب بل باعتباره قائدًا يحظى بثقة المجتمع واحترامه.
مكانته الدينية والاجتماعية:
استطاع الشيخ عبيد الله النهري أن يجمع بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية وهي معادلة نادرة في تلك المرحلة فقد امتد نفوذه إلى مناطق واسعة من هكاري، وبهدينان، وبوتان، وأورمية، وسوران، وأصبح مرجعًا للقبائل الكوردية في كثير من القضايا الكبرى.
ولم يكن نفوذه قائمًا على القوة العسكرية وحدها بل على مكانته العلمية وعدالته وقدرته على الإصلاح بين العشائر مما جعله أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في المجتمع الكوردي خلال القرن التاسع عشر.
من الشيخ إلى قائد النهضة القومية:
شهد القرن التاسع عشر تغيرات كبيرة في المنطقة مع تراجع نفوذ الدولة العثمانية والدولة القاجارية وتصاعد التدخلات الأجنبية وفي خضم هذه التحولات، بدأ الشيخ عبيد الله ينظر إلى مستقبل الكورد بمنظور سياسي جديد يقوم على ضرورة توحيد صفوفهم والدفاع عن حقوقهم بوصفهم شعبًا متميزًا بلغته وثقافته وتاريخه.
وتُعد رسائله السياسية إلى المسؤولين العثمانيين والأجانب من أوائل الوثائق التي عبّرت بوضوح عن رؤيته التي تعتبر الكورد أمة لها حقوقها وهو ما جعل كثيرًا من الباحثين يعدونه رائد الفكر السياسي القومي الكوردي الحديث.
قائد انتفاضة عام 1880:
في عام 1880، قاد الشيخ عبيد الله النهري واحدة من أكبر الانتفاضات الكوردية في القرن التاسع عشر التي امتدت من كوردستان الشمالية من منطقة نهري و شمدينان وهكاري والتي كانت تحت نفوذ الدولة العثمانية ومناطق من كوردستان الجنوبية منطقة سنجق العمادية وبادينان ومناطق من كوردستان الشرقية كل من الاورمية ومهاباد و (ساوج بولاق) و مياندوآب و مناطق جنوب بحيرة الاورمية والتي كانت تحت نفوذ بلاد الفرس، تمكن من حشد آلاف المقاتلين من مختلف القبائل الكوردية في محاولة لتوحيد الموقف الكوردي وتحقيق مشروع سياسي مستقل.
بعد النجاحات الأولية الكبيرة التي حققها الشيخ عبيد الله وسيطرة قواته على مناطق واسعة في كوردستان إيران واقترابه من تبريز، واجهت الحركة تحديات كبيرة نتيجة التفوق العسكري للقوات الحكومية إضافة إلى غياب الدعم الدولي والانقسامات الإقليمية الأمر الذي أدى في النهاية إلى تراجع الانتفاضة و بعد تراجع قوات الثورة لجأ حكام إيران إلى أسلوب منح “الأمان” لبعض القادة الكورد قبل الغدر بهم ومن أبرزهم القائد الميداني البارز “حمزة آغا المنغور” الذي جرى اغتياله غدراً بعد إعطائه العهد بالأمان.
المواجهة مع الدولتين العثمانية والقاجارية (ايران حاليا) :
وجد الشيخ عبيد الله نفسه في مواجهة قوتين إقليميتين كبيرتين: الدولة العثمانية والدولة القاجارية (ايران)، فقد نظر الطرفان إلى حركته بوصفها تهديدًا للاستقرار السياسي فتعاونا على احتواء الانتفاضة وإنهائها.
ورغم شجاعة المحاربين الكورد واتساع رقعة الحركة، فإن موازين القوى العسكرية والسياسية حالت دون تحقيق أهدافها لتنتهي الانتفاضة بعد سلسلة من المعارك والضغوط السياسية.
الاعتقال والمنفى:
استدعت الدولة العثمانية الشيخ عبيد الله إلى إسطنبول عام 1881 تحت وطأة الضغوط الدولية والإيرانية ورغم محاولته العودة إلى منطقته (شمدينان) لإعادة تنظيم صفوفه ألقت السلطات العثمانية القبض عليه مجدداً عام 1882 ونفته إلى مكة المكرمة، حيث عاش سنواته الأخيرة بعيدًا عن كردستان لكنه بقي يتابع أخبار شعبه ويأمل بمستقبل أفضل له.
وفي عام 1883، توفي في مكة لتنتهي حياة أحد أعظم رجال النهضة الكوردية بعد مسيرة حافلة بالقيادة والإصلاح والنضال.
إرثه التاريخي:
يحتل الشيخ عبيد الله النهري مكانة استثنائية في التاريخ الكوردي، لأنه كان أول قائد نجح في تحويل المطالب المحلية إلى مشروع سياسي ذي أفق قومي واسع وربط بين القيادة الدينية والوعي الوطني وسعى إلى توحيد القبائل الكوردية تحت رؤية مشتركة.
ورغم أن انتفاضته لم تحقق أهدافها السياسية فإنها أرست الأساس الذي انطلقت منه الحركات الوطنية الكوردية في العقود اللاحقة والتي تلاه القادة امثال: الشيخ عبدالسلام البارزاني الثاني و الشيخ سعيد پيران، والشيخ محمود الحفيد، والشيخ رضا، وإحسان نوري باشا، وقاضي محمد، ومصطفى البارزاني، فكرة أن وحدة الصف والإرادة السياسية تمثلان الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني كوردي.
ولهذا، بقي اسم الشيخ عبيد الله النهري حاضرًا في الذاكرة القومية الكوردية بوصفه الأب الروحي للنهضة القومية الكوردية ورائد المشروع الوطني الكوردي الحديث وأحد الرجال الذين سبقوا عصرهم برؤيتهم وتركوا إرثًا تاريخيًا ما زال يلهم الأجيال في مسيرة الدفاع عن الهوية والحقوق القومية للشعب الكوردي.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






