بات من بدهيات الحياة أن يجد المرء، من حوله،
الأمر ونقيضه، الأصل والشبيه، الحقيقي والزائف، الصحيح والمزور، في آن واحد، كخطين
متلازمين، متوازيين، لا يلتقيان البتة، وهو ما يكاد يشمل كل شيء، من دون استثناء.
.
وإذا كان الأمر على هذا النحو، حيث “الضد إلى
جانب الضد”، فإن المرء لقادرٌ على أن يميز كل ما حوله من المتناقضات، في ما إذا
احتكم إلى العقل، ليكون معياره حاضراً، دقيقاً، أنى طلب إليه، ليتعرف إلى كنه هذه
الأشياء بلا تردد، فيسمي كل شيء باسمه، عيّاراً ، يتجسد حذقه في درجة تقويم ما
يريد، لنستطيع معرفة مدى صوابية قراءته، هذه، من خلال إدراك درجة ملامسته للواقع .
بيد أن الأمر يغدو أكثر صعوبة، عندما نكون إزاء
خطاب شفاهي، رسمي، أو مدوّن، حيث تصبح مهمة المتلقي أو القارئ، أكثر صعوبة،
ووعورة، فيما إذا أراد التوغل في جوهر هذا الخطاب، فيصنفه في إحدى خانتي الصدق أو
الكذب، وهو في صدد إبداء القول الفصل بين أمرين متناقضين .
وقد تصبح المهمة أكثر التباساً، عندما يصبح
المرء، أمام صنف مراوغ من الخطاب، يقدم صاحبه ذرائعه الواحدة منها تلو الأخرى، في
ثوب الطهر، والنبل، والصدق، والإنسانية، مسفهاً نقيضه الصادق، متهماً إياه بالضلال
والبهتان، حيث يتطلب من المتلقي أو القارئ -في هذا المقام- بذل جهد إضافي، حتى
يستطيع الاهتداء إلى ضالته، لاسيما أن إطلاق حكم القيمة، من قبله يجعله أمام
مسؤولية تاريخية كبرى، بل سيكون في مواجهة خسارة جد جسيمة، يدفع ضريبتها على حساب
اسمه، وحضوره، فيما لو أطلق أحكامه جزافاً، نتيجة انزلاق من قبله في لجة الأهواء،
أو الغواية، من جهة، أو لجهل بين في شخصه، فيكون شريكاً لصاحب الخطاب، في ما أقدم
عليه، والمسؤولية ستكبر عندما يتعلق الأمر بكرامة أو حياة فرد، أو أسرة، أو مؤسسة،
أو مجتمع، بل حتى لو تعلق الأمر بما هو معنوي رؤيوي، إذ ما أصعب تسفيه أو تثمين
أمر، على خلاف ما يستحق .
هذه النقاط المشار إليها، أعلاه، وسواها، تفرض
نفسها، وبقوة، على ضمير الإنسان، أياً كان، عندما يكون وجهاً لوجه، أمام حالات
ملتبسة إشكالية، إذ عليه أن يلجأ إلى الخيار الصادق، ولو كان اتخاذه محفوفاً
بالمصاعب، أو المخاطر، أو يفرض عليه دفع ضريبة ما، تصغر أو تكبر، وهذه الحالة تصبح
أكثر حساسية، بالنسبة إلى المبدع، أياً كان المجال الذي يشتغل فيه، لأن خطأه من
نوع الأخطاء الأشد خطورة على الإطلاق .
من هنا، فإن المبدع مطالب، في قراءته للواقع، أن
يتحلى بعمق الرؤى، والحكمة، والموضوعية، من دون أن يتأثر ب”قشور” المرئيات، أو
بريقها الخلاب، لأن أي خلل في معالجة المعادلة، سوف يعرضه إلى المجازفة بعامل
الصدق في خطابه، وهذا ما يفقد هذا الخطاب جدواه، بعد أن يغدو شريكاً في آلة التزوير،
وهو أعظم ما يخسره، لأنه يخسر نفسه، وخطابه في الوقت نفسه .
الخليج-أفق-16-1-2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






