إدلب.. الفضاء العام بين إعادة التشكل ومتطلبات الضبط في مرحلة انتقالية

في إدلب، لم تعد الأسئلة الكبرى تقتصر على الأمن أو الخدمات، بل باتت تمتد إلى طبيعة الفضاء العام نفسه: من يملك حق الكلام؟ وأين تبدأ وحدود النقد؟ في ظل التحولات التي شهدتها سوريا خلال خمسة عشر شهراً تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، خصوصاً مع تزايد مؤشرات إعادة تنظيم المجال العام، ليس فقط عبر القوانين، بل أيضاً من خلال ممارسات يومية تعيد رسم سقف التعبير.

من الفوضى إلى التنظيم… ومن التنظيم إلى الحذر

مع تراجع حدّة الصراع المباشر، اتجهت إدلب نحو نمط أكثر انتظاماً في الإدارة، ترافق مع خطاب رسمي يركّز على الاستقرار وبناء المؤسسات. هذا التحول أتاح هامشاً نسبياً للنشاط المدني والإعلامي، لكنه في الوقت نفسه أدخل هذا النشاط ضمن معادلة جديدة، تقوم على التوازن بين الانفتاح والانضباط.

 

غير أن هذا التوازن لا يزال هشاً. فبينما يُسمح بقدر من النقد، خاصة في القضايا الخدمية، يبقى التعامل مع القضايا ذات البعد السياسي أو المرتبطة بالحراك العام أكثر حساسية، ما ينعكس في طبيعة الإجراءات المتخذة تجاه بعض الناشطين.

حوادث متفرقة بين الرسائل الضمنية وحدود المشاركة

في 19 نيسان/أبريل الجاري، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن جهة أمنية في إدلب أصدرت مذكرة تبليغ بحق الناشط الإعلامي مازن عرجة، على خلفية مشاركته في “اعتصام الكرامة” الذي نُظم في دمشق يوم 17 نيسان تحت شعار “قانون وكرامة”.

الاعتصام، الذي رفع مطالب تتعلق بالحقوق المدنية وتعزيز سيادة القانون، سبقته حملات إعلامية متباينة، وصل بعضها إلى حد التخوين، وفق متابعين. وفي هذا السياق، جاء استدعاء عرجة ليضيف بعداً جديداً للنقاش حول كيفية تعامل السلطات مع أشكال التعبير المرتبطة بالحراك السلمي.

ورغم عدم صدور توضيح رسمي مفصل حول الإجراء، اعتبر ناشطون أن الخطوة تحمل دلالات تتجاوز الحالة الفردية، فيما رأت مصادر أخرى أنها تدخل ضمن إطار “متابعة أنشطة قد يكون لها انعكاسات على الاستقرار العام”.

قراءات متعددة من داخل المشهد

يقول محمد الحسين، الباحث في الشأن السياسي المحلي من مدينة سراقب:
“ما جرى لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة. نحن أمام حكومة تحاول تثبيت حضورها وإعادة تعريف دورها، وهذا ينعكس على حساسيتها تجاه أي حراك، حتى لو كان سلمياً. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن ربط المشاركة في اعتصام مدني بإجراءات أمنية يطرح إشكالية حقيقية: هل يُنظر إلى الفضاء العام كامتداد للمجال السياسي المفتوح، أم كحيز يجب ضبطه ضمن حدود ضيقة؟ هذا السؤال لم يُحسم بعد.”

في إدلب المدينة، يرى أحمد السالم، وهو مدرّس وناشط مهتم بالشأن العام، أن المشكلة أعمق من حادثة بعينها:
“النقاش اليوم ليس حول شخص أو استدعاء، بل حول القواعد التي تحكم العلاقة بين المواطن والمؤسسة. عندما يشارك شخص في فعالية سلمية خارج منطقته، ثم يواجه مساءلة داخلها، فهذا يعني أن حدود الفضاء العام لم تعد جغرافية فقط، بل سياسية أيضاً. وهذا يخلق نوعاً من الالتباس: ما هو المسموح فعلاً؟”

 

أما رنا الخطيب (معرة النعمان)، الناشطة في العمل المجتمعي، فتقدّم قراءة تربط بين الحادثة والمناخ العام الذي سبقها:
“قبل الاعتصام، كانت هناك حملات تخوين واضحة على وسائل التواصل، وهذا خلق بيئة مشحونة. عندما تأتي بعدها إجراءات مثل الاستدعاء، حتى لو كانت محدودة، فإنها تُقرأ ضمن هذا السياق. الناس لا تنظر إلى كل حدث بمعزل عن الآخر، بل كجزء من سلسلة. لذلك، التأثير لا يكون فقط قانونياً، بل أيضاً نفسياً واجتماعياً.”

بين الرواية الرسمية وقراءة الناشطين

تشير تقديرات قريبة من دوائر القرار إلى أن التعامل مع بعض الأنشطة يتم ضمن مقاربة وقائية، تأخذ بعين الاعتبار حساسية المرحلة، وإمكانية استغلال بعض التحركات في سياقات أوسع قد تؤثر على الاستقرار.
في المقابل، يرى ناشطون أن هذا المنطق، رغم وجاهته في بعض الحالات، يصبح إشكالياً عندما يُطبّق على أنشطة سلمية ذات طابع مطلبي. ويؤكدون أن غياب معايير واضحة يفتح المجال أمام تفسيرات واسعة، قد تؤدي إلى تضييق غير مقصود على الفضاء العام.

أنماط تتشكل في إدارة التعبير

تُظهر هذه التطورات مجموعة من الاتجاهات التي باتت أكثر وضوحاً في إدلب. أولها، الميل إلى التعامل مع بعض أشكال التعبير من زاوية تأثيرها المحتمل على الاستقرار، وليس فقط مضمونها المباشر.

ثانيها، تداخل المجالين المدني والأمني، حيث يمكن أن تتحول قضايا مطلبية إلى ملفات تُعالج ضمن أطر غير مدنية.
ثالثها، بروز “الرسائل غير المباشرة” كأداة لإدارة الفضاء العام، حيث لا تكون الإجراءات بحد ذاتها هي الأهم، بل ما تحمله من دلالات لبقية الفاعلين.

هذه الأنماط لا تعني بالضرورة انغلاق الفضاء العام، لكنها تشير إلى أنه ما زال في طور التشكل، وأن قواعده لم تستقر بعد بشكل نهائي.

تكشف التطورات في إدلب عن معادلة معقدة: حكومة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات فاعلة، ومجتمع بات أكثر وعياً بدوره وحقّه في التعبير. وبين هذين المسارين، يتحدد شكل الفضاء العام وحدوده.

قضية مازن عرجة، في هذا الإطار، ليست سوى جزء من مشهد أوسع، يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية إدارة الاختلاف في مرحلة انتقالية.

الإجابة على هذا السؤال ستتجاوز إدلب، لتشكل مؤشراً على ملامح العلاقة المستقبلية بين السلطة والمجتمع في سوريا: هل ستكون علاقة قائمة على الضبط الحذر، أم على شراكة تسمح بالنقد كأداة بناء لا كعامل إرباك؟

بلال الأحمد- إدلب

 

المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top