صون التراث الشعبي “الأغنية الشفاهية نموذجا” -3

جوان عبدال

على الرغم من أن الغناء “مستهجن” والسماع إلى الموسيقا “مكروه ومنكر”، كما قيل، فهي تلهي عن الذكر فقد نُبذت، لذا سادت الزغاريد والتهاليل والأهازيج، وكثرت الأناشيد والتراتيل بدلاً عن الغناء لهذا السبب، لأن ليس فيها من الموسيقا والغناء غير لحن على نسق واحد، ونمط مرتل وحيد له وزنه وتفعيلاته الداخلية.. وعلى الرغم من هذا التحريم في تراثنا قديماً والحط منه، فقد بذلت محاولات من تلك الفئة بالذات للحفاظ على الإرث الغنائي، ومنها الألحان والأنغام، فقد ضاع من أغانينا الكلاسيكية الكثير لولا الطرق الصوفية التي عمدت إلى تركيب القصائد الدينية على الألحان الكلاسيكية لضاع أصل ما تبقى من هذه الألحان. كما يقول نسيب الاختيار. ويضيف: “وكان نصيب الأغاني الشعبية من الضياع أكثر من نصيب الأغاني الكلاسيكية، إذ كانت تعتبر من سقط المتاع، ومع هذا الاعتبار فقد حضنتها القلوب والذاكرة الجمعية للناس لأنها حكايتها وحياتها فتابعتْ طريقها عبر السنين متعرضة للنقص والزيادة متأثرة ومؤثرة في الغناء الكلاسيكي نفسه”.

فالسماع إلى الغناء والتلهي به والتمهن في المجتمعات المحافظة (الدينية) يعد تحدياً، لقد رفضته بشدة ووسمته بـ “الرجس” فهو غير مقبول، وإن تساهلت فيه وغضت النظر عنه مرات على استحياء في المناسبات المقامة، ولكن إلى الآن هناك فئات محافظة تقيم حفلاتها وبالأخص الزواج والأعراس دون موسيقا أو ألحان وغناء، إنما تمارس طقساً وشعيرة دينية بإلقاء القصائد الدينية والأناشيد النبوية فقط.

إن معارضة المجتمع للميول الغنائية والموسيقية لا يفهم إلا في إطاره، وهذه النظرة الدونية من الأهل ومن الأقارب ومن الجيران والبعيدين كانت وما تزال عاملاً محبطاً في سمو الغناء والموسيقا والرقص على مر السنين، وإلى الآن نلاحظ أن هذا الشيء -وأن خفت وطأته وخفت سطوته، وبتنا في القرن الواحد والعشرين- يكره ويشنع ويوصف بأبشع الصفات اللاهية، رغم ما في الغناء من السمو بما يهبه من السكينة والهدوء، وتطبع المرء بالنعومة والرقة، ناهيك عن النشوة والسرور والفرح، تدارياً عن شقاء العالم وآلامه، ورغماً عن عذاباته وانكسار الأحلام وإحباط الآمال وإجهاض الهمم، ومن كل ذلك -والقول كثير- يبقى الغناء وتبقى الموسيقا حاجة إنسانية من كل بد، لها مسارها ولها عشاقها، صغاراً كانوا أم كباراً، ذكوراً كانوا أم إناثاً.

فالأغنية ثقافة مجتمع إنساني لما تتضمنه من قيم لأنها حاضنة للوجدان والضمير، حاضنة للغة، حاضنة للكلمات، حاضنة للأدوات والأشياء، يعني؛ ما نملكه من أغانٍ وهو أثر ثمين متوارث يرقى الإنسان والمجتمع بفضلها إلى أرقى الدرجات، ومن كانت لديه أصول موسيقية ويمتلك ناصيتها ويولي الاهتمام والرعاية بها، سيرقى بفضلها إلى أعلى فأعلى.

إن طائفة كبيرة من الأغاني الشعبية هي ذاكرة الناس ومجمع كل حياتها، وهي ذات صفاء وعفوية فطرية، تعبر عن مدى الترابط بينهما، بين الأشياء والإنسان، ولأن التراث يُعدُّ وثيقة يمكن الاعتماد عليها في التعرُّف على أحوال الناس وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم، ويلخص ذلك قولهم: إنه حياة الماضي، وقد حاول النقاد تناول ذلك إلى تقديم تصوُّر عن الماضي ولغته وأدواته من خلال التراث وفصفصته.

إن أخبار الأغاني والمغنين كثيرة جداً، وقد ذكر أبو فرج الأصفهاني في كتابه “الأغاني” جزءًا يسيراً منها وأظهر مدى تعلق الناس -علية القوم وعامته- بها، فقد ذكر رجالتها ومغنياتها، ذكر مجالسها وحيثياتها، وطرفها ولهوها بشكل تفصيلي مشوق.

إن الفعل المتجلي والذي يستمد منه استمرار الماضي في الحاضر المستمر يلازمنا أبداً، وأي إغفال له يعد انسلاخاً من الهوية ومن الجوهر كالإيغال في القشور.. ومن نافل القول أنّا وَرَثاء التاريخ والماضي، بكل ما فيه، لأننا أبناء الشرق ووعينا للتاريخ بكافة مفاصله وأنساقه يعني وجودنا.. ومن البديهي أن يستمر الماضي وهو إثبات وإيجاد للذات، كما يقول المثل السائر “إلي ما لو قديم ما لو جديد”.. لأن التراث نوع من التوثيق يضاهي التاريخ، ويكشف تزويره وينقي الثقافة الوطنية من التشويه إن جار الزمن.

ولروعة وجمال وسلاسة هذا التراث وما فيه من إبداع من ناحية سعينا إلى أن نخلده في دراسة متواضعة للأجيال ومن ناحية أخرى نحفظه للقادم من الأيام من الضياع والاندثار.. بدراسة بنيوية الأغنية الشعبية الشفاهية السورية (التراثية)، أو ما بقي نصونه من التحريف والتشويه، فبعض النشاط الإنساني –سواء كان معنوياً أم مادياً- من المهم أن يوثق في كل مجالاته للأجيال القادمة، وأنا من طرفي أميل للتراث، فاستمع إليه وأجمع جزيئاته وأقارنه وأرى فيه حياة ماضية جديدة، وآمال معادة كامتداد لي، أتملى الماضي لأرى بأنه امتداد وصل إلي، وأنه حياة كاملة وليس جهالة وتخلف، بل العكس إن ما مضى كان فيه من الصفاء والصدق الكثير، وإنما المختلف بيننا هو هذه التقنية الصناعية وهذه الاختراعات التي حدثت في عصرنا ليس أكثر.

إن لماضي الأسلاف سطوة دامغة يرتبط بها الناس، ثم بتقادمه يتحول إلى نوع من الاهتمام والتبجيل، بسبب القول المكرر فيه والعمل به، وبمرور الوقت والأزمان يصبح تخمراً، كما تختمر الخمرة، يسكر من يسمعها فيسكر بها حتى التقديس وبذا يفرض ركيزته ومنطقه العياني، ثم يتطور الأمر إلى أن يصبح الأمر محورياً في حياتهم، فيتبركون به وهم على يقين مما يفعلون وما يأملون تحقيقه، الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء ليكتشف المرء هذا فيما حوله.. من بقايا وآثار من مروا وتركوا بصمة وراءهم، والشواهد تبدو جلية أكثر في المعتقدات والعادات، فيبدأ الأيمان والاعتقاد يتلبس حياتهم وتصرفاتهم الآنية والمستقبلية أن يكونوا مثله ويتمثلوه -بالتأكيد هناك استثناءات صغيرة-لأنهم يجدون أنفسهم في منطقة الأمان وما يفعلونه في السياق العام بحيث يمارسون “ما أصبح نظام حياة”، لذا يعلقون عليه آمالهم وآلامهم.. وهذا يتأتى درءاً للمجهول والغامض من الأمور اليومية المعاشة الناظمة لمسيرته، والإنسان عدو ما يجهل، فلتكن الأمور كما هي -كما وصلت إلينا من السلف-أفضل وأكثر راحة وطمأنينة من أن تكون جديدة لا يعرف رأسها من أساسها.

وحتى لا ينقطع الخلف عن السلف، وبأنه متواصل مع آخرين سبقوه، فهو يعول على تجربتهم المعاشة، ولأنهم أكثر خبرة تأولَ عليهم قدره، ولذلك، فحين يكون المرء صغيراً وينظر إلى ما حوله –إلى الذين هم أكبر منه. من أهله ومن مجتمعه-ينظر إلى من هم كبيرين وعارفين، ولأنهم ذوو تجربة فيتمثلهم؛ إذ أن ذلك السلف له قدرة لن ينقطع مداها بموته، لذا يبقى ماثلا في ذاكرته يلجأ إليه المرء دائماً، وبذا يعطي راحة نفسية وتجانساً داخلياً مع الخارج الآخر، من الإحباطات والآمال المجهضة، من الصراعات الصغيرة، من اللغز المحير للحياة والوجود والكون من ديناميكيتها وصيرورتها.

فقد نجد تحول امرئ ما ـاضطراراً- للعيش في مجتمع آخر، فتراه غير مرتاح إلا أن يمارس عاداته وتقاليده، ويعيش ثقافته التراثية كما كان أسلافه، وهكذا نجد كيف يتلبس المرء ماضيه بكل جدارة بما يمنحه من أمن وحميمية.

نعم؛ الناس لا تترك عاداتها ومعتقداتها لأنها أسرى مجتمعاتها وما هي عليه، إنهم أبناء بيئتهم وما توارثوه من أسلافهم، وهم مقتدون ومقتفون آثارهم، وقد ذكر تعالى في كتابه العزيز: ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) “23 الزخرف”.

صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top