الذكرى ١٢٨ لصدور أول صحيفة كردية: الكلمة بوصفها تأسيساً للوعي العام

الدكتور كاميران حاج عبدو

تشكّل الذكرى ١٢٨ لصدور أول صحيفة كردية «كردستان» التي أصدرها الأمير مقداد مدحت بدرخان في القاهرة عام ١٨٩٨، قبل أن تنتقل لاحقاً في صدورها بين عدد من العواصم بفعل الظروف السياسية والرقابية التي أحاطت بها، محطةً مفصلية في تاريخ الوعي الثقافي والسياسي للشعب الكردي؛ ليس بوصفها حدثاً صحفياً فحسب، بل باعتبارها لحظة تأسيس لانتقال الكلمة إلى فضاء الصحافة الدورية الحديثة، بما تحمله من خطاب عام موجّه يتجاوز التدوين الفردي في الكتب والمخطوطات إلى صناعة وعي جمعي متداول.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الصحافة الكردية بوصفها تحوّلاً في شكل التعبير العام، لا بديلاً عن الكتابة التقليدية، بل امتداداً لها في مستوى جديد من الحضور والتأثير.

إذ تمثل الصحافة الكردية تحولاً في شكل التعبير العام، بوصفها امتداداً للكتابة التقليدية داخل فضاء التداول العمومي الحديث، لا بديلاً عنها، بل إعادة تنظيم لوظيفتها الاجتماعية والثقافية، والارتقاء بها إلى مستويات جديدة من الحضور والتأثير.

في سياق هذا التحول، يبرز الدور الطليعي للعائلة البدرخانية، التي يمكن اعتبارها من أبرز الفاعلين في التأسيس المبكر للنهضة الثقافية والفكرية الكردية الحديثة. فقد أدرك البدرخانيون مبكراً أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل أو التدوين، بل هي وعاء للهوية ووسيلة لحفظ الذاكرة الجمعية. ومن هذا الوعي، جاءت مبادرة إصدار صحيفة «كردستان» لتؤسس لأول تجربة صحفية كردية حديثة، حملت على عاتقها مهمة نشر الوعي القومي، وتثبيت اللغة، وربط الشتات الكردي بخطاب مكتوب يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.

وقد مثّلت هذه الصحيفة أكثر من منبر إعلامي؛ إذ كانت مشروعاً ثقافياً نهضوياً مبكراً، استخدم الكلمة كأداة لتشكيل الوعي التاريخي، وكوسيلة لمقاومة التهميش الثقافي. ومن خلالها بدأ يتبلور خطاب كردي حديث يقوم على الربط بين اللغة والهوية، وبين المعرفة والانتماء، ويؤسس لفكرة أن بناء الذات الجمعية يبدأ من بناء الوعي اللغوي والثقافي.
في موازاة هذا المسار الثقافي، تطوّر مسار آخر في التاريخ الكردي تمثّل في الدور الريادي الذي اضطلع به البارزانيون في المجالين السياسي والميداني. فإذا كان البدرخانيون قد أسّسوا لثورة الكلمة، فإن البارزانيين مثّلوا أحد أبرز تجليات الفعل النضالي في التاريخ الكردي الحديث، حيث ارتبطت مساراتهم التاريخية بالحراك السياسي والمقاومة المسلحة من أجل الحقوق القومية. وقد امتدت هذه المسيرة عبر مراحل متعددة من تاريخ الحركة الكردية، لتعبّر عن تصور يرى في الحرية مشروعاً متكاملاً يجمع بين الفعل السياسي والتضحيات الميدانية.

إن التلاقي الرمزي بين البدرخانيين والبارزانيين لا يقوم على التقابل، بل على التكامل بين مستويين من الفعل التاريخي: بناء الوعي من جهة، والدفاع عنه من جهة أخرى. فالثقافة، في أحد أبعادها، لا تنفصل عن السياسة، كما أن الفعل السياسي حين يُفصل عن الوعي يتحول إلى ممارسة ناقصة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التجربة الكردية الحديثة بوصفها تراكماً مزدوجاً: تراكم الكلمة التي أسستها الصحافة، وتراكم الفعل الذي صاغه النضال السياسي والميداني.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم الصحافة الكردية بوصفها مساراً ممتداً في إنتاج المعنى وصياغة الوعي العام، حيث أسهمت التجارب الصحفية اللاحقة، إلى جانب الجهود التوثيقية والثقافية، في مواصلة ذلك التحول الذي جعل من الكلمة حضوراً اجتماعياً فاعلاً، ومن الخطاب أداة في تشكيل الوعي الجماعي. إذ تتجلى أهمية الصحافة الكردية بوصفها أحد أبرز تجليات تشكّل الوعي الحديث، حيث تتحول الكلمة إلى فعل، والمعنى إلى ممارسة تاريخية متواصلة.

إن إحياء ذكرى صدور أول صحيفة كردية هو، في جوهره، إحياء لفكرة أن الشعوب لا تُقاس فقط بقدرتها على الفعل السياسي أو العسكري، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج خطابها الخاص وكتابة سرديتها التاريخية. وفي هذا المعنى، تصبح الصحافة فعلاً تأسيسياً لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال، لأنها تؤسس للمعنى قبل أن تُدوّن الحدث.
ختاماً:
يبقى إرث البدرخانيين والبارزانيين شاهداً على مسارين متكاملين في التاريخ الكردي الحديث: مسارٍ أسّس للوعي بالكلمة، وآخر جسّده بالفعل السياسي والميداني، بما يؤكد أن بناء الحرية عملية تاريخية مركّبة تتجاوز الشعارات إلى إعادة تشكيل العلاقة بين اللغة والواقع والتجربة.
تحية للصحافة الحرة، وللكلمة التي لا تنحني، وللشعوب التي تصنع نورها مهما اشتدت العواصف.

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top