السويداء بعد عام على أحداث تموز.. الهدوء عاد والملفات الكبرى ما تزال مفتوحة

تكبير الصورة

بعد عام على المواجهات التي شهدتها محافظة السويداء في الثالث عشر من تموز 2025، لا تزال المحافظة تعيش آثار واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخها الحديث، وبينما تراجعت المواجهات العسكرية واستعاد الشارع قدراً من الهدوء، ما تزال ملفات النزوح، والمفقودين، والمحاسبة، وعودة الأهالي إلى قراهم، تشكل أبرز التحديات التي تواجه المحافظة وسكانها.

فخلال أيام قليلة من تموز العام الماضي، تحولت الاشتباكات التي اندلعت في ريف المحافظة على خلفية حادثة أمنية بين مجموعات مسلحة من أبناء العشائر ومسلحين محليين إلى مواجهة واسعة النطاق، شاركت فيها القوات الحكومية، ولاحقا شهدت تدخل إسرائيلي.

وامتدت أعمال العنف إلى عشرات القرى والبلدات، وأسفرت، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن مقتل 2064 شخصاً حتى اليوم، بينهم 1990 قتيلاً سقطوا خلال أحداث تموز 2025.

كما تسببت بنزوح أكثر من 200 ألف شخص من أبناء الطائفة الدرزية، إلى جانب نزوح أكثر من 35 ألفاً من أبناء العشائر باتجاه محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق.

ولا يزال 91 شخصاً في عداد المفقودين، بينهم أبناء عشائر وعناصر من وزارة الدفاع، فيما خلّفت المواجهات دماراً واسعاً في المنازل والممتلكات، قبل أن تنتهي بوقفٍ لإطلاق النار، لتترك واقعاً جديداً غيّر ملامح المحافظة عمّا كانت عليه قبل تموز 2025.

كيف تحركت الحكومة على مدار العام الماضي

على صعيد المساءلة، أعلنت الحكومة المؤقتة في 31 تموز 2025 تشكيل "لجنة وطنية للتحقيق في الانتهاكات" التي رافقت أحداث السويداء، وكلفتها بجمع الأدلة والاستماع إلى الشهادات وتحديد المسؤوليات.

وبعد نحو ثمانية أشهر من عملها، أعلنت وزارة العدل في آذار 2026 تسلم التقرير النهائي للجنة، مؤكدة أن نتائجه أحيلت إلى الجهات القضائية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين.

ومع اقتراب الذكرى الأولى للأحداث، أعلنت السلطات السورية مطلع تموز 2026 بدء أولى جلسات المحاكمة أمام القضاء العسكري في دمشق بحق عدد من المتهمين، بعد إحالتهم من قبل النيابة العامة العسكرية، وقالت إن التحقيقات ما تزال مستمرة وأن المحاسبة ستشمل كل من يثبت تورطه في الانتهاكات، دون أن تعلن حتى الآن العدد الإجمالي للمتهمين أو تنشر تفاصيل التقرير النهائي للجنة التحقيق.

وخلال بيان صدر في يوم الـ9 من تموز الجاري، أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا في ختام زياراتها لسوريا، على ضرورة ضمان المحاكمات العادلة، ومحاسبة المسؤولين عن أحداث الساحل والسويداء، وتوسيع مشاركة الضحايا والمجتمع في مسار العدالة.

في المقابل، ترى المرجعيات الدينية والحقوقية والفعاليات المدنية في السويداء أن الإجراءات الحكومية لا تزال دون مستوى مطالب الضحايا، مؤكدةً أن العدالة لا تتحقق بمجرد تشكيل اللجان أو بدء المحاكمات، بل تتطلب نشر نتائج التحقيق بشفافية، والإعلان عن أسماء جميع المسؤولين عن الانتهاكات، ومحاسبة الآمرين والمنفذين على حد سواء، إلى جانب الكشف عن مصير المفقودين، والإفراج عن المعتقلين، وتأمين عودة المهجرين وتعويض المتضررين، وهي ملفات يقول ناشطون إنها ما تزال عالقة بعد مرور عام على الأحداث.

ومن جهة أخرى يدعو اليوم، الرئيس الروحي للموحدين الدروز، الشيخ حكمت سلمان الهجري، إلى تعزيز التماسك المجتمعي ودعم بناء مؤسسات محلية في المحافظة بعيداً عن الحكومة "جبل باشان"، منتقداً ما وصفه باستمرار الانتهاكات بحق السكان.

آلاف المهجرين… عام كامل بعيداً عن منازلهم

ورغم مرور عام على الأحداث، لا يزال ملف المهجرين أحد أكثر الملفات تعقيداً في المحافظة، إذ قال مدير مراكز الإيواء في السويداء والناشط في الشأن العام أشرف منذر في تصريح لوكالة هاوار الكردية بهذه المناسبة، إن الإحصاءات التي أعدّتها الفرق العاملة عقب الأحداث أظهرت تهجير نحو 23 ألف عائلة من قرى الريفين الشمالي والغربي، بعد تعرّض تلك المناطق للحرق والتدمير.

وأضاف أن نحو خمسة آلاف عائلة غادرت المحافظة لاحقاً إلى خارج سوريا أو إلى مناطق سورية أخرى، فيما تشير الإحصاءات الحالية إلى بقاء نحو 18 ألف عائلة مهجرة داخل السويداء، موزعة بين المدن الرئيسة والريفين الشرقي والجنوبي.

وبحسب منذر، يبلغ عدد أفراد هذه الأسر نحو 61 ألف شخص، فقدَ معظمهم منازلهم وأراضيهم الزراعية ومصادر دخلهم، ويعيشون اليوم في ظروف معيشية صعبة، سواء داخل مراكز الإيواء أو في منازل مستأجرة أو لدى أقارب.

وأشار إلى أن المحافظة تضم حالياً 75 مركز إيواء تستضيف نحو 1200 عائلة فقط، بينما تعتمد غالبية الأسر المهجرة على الاستضافة أو استئجار مساكن، في ظل أوضاع اقتصادية وصفها بـ "القاسية".

كما سجلت فرق الإحصاء، بحسب منذر، وجود نحو 900 شخص من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة ضمن الأسر المهجرة، إضافة إلى قرابة 10 آلاف مصاب بأمراض مزمنة، مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع

ضغط الدم، فضلاً عن 11 ألفاً و500 طفل دون سن الثانية عشرة يحتاجون إلى خدمات تعليمية وصحية ودعم نفسي.

وأكد أن 22 قرية لا تزال، بحسب إحصاءاتهم، خالية من سكانها الأصليين، في ظل استمرار تعثر العودة وغياب الظروف التي تتيح استقرار الأهالي فيها، تشمل القرى الأكثر تضرراً "قرى المزرعة، والدور، والطيرة، ولبين، وعريقة، وكفر اللحف، وريمة اللحف، وصميد، وداما، ونجران، والصورة الكبيرة، والصورة الصغيرة، والمتونة، وأم الزيتون"، إلى جانب قرى أخرى في الريفين الغربي والشمالي.

الضحايا ومصير المفقودين والمعتقلين

ولا يقتصر أثر أحداث تموز على النزوح، إذ لا يزال ملف المفقودين والمعتقلين يشكل أحد أبرز الملفات حساسية بالنسبة لعائلات الضحايا ممن يخرجون يومياً في وقفات احتجاجية مطالبة بإطلاق سراحهم.

الناشط الحقوقي والمهجر من بلدة المزرعة منيب الحسين، قال لوكالتنا في تصريح خاص، إن المحافظة "قدمت أكثر من ثلاثة آلاف قتيل"، مضيفاً أن عدداً كبيراً من العائلات ما يزال يبحث عن مصير أبنائه بعد مرور عام على الأحداث.

وأشار الحسين إلى أن أكثر من 100 شخص ما زالوا في عداد المفقودين، إلى جانب عشرات المعتقلين، رغم تنفيذ عمليات تبادل خلال الأشهر الماضية، لافتاً إلى أن عائلات كثيرة لا تزال تجهل مصير ذويها حتى الآن.

وأضاف أن بعض المعتقلين، بحسب المعلومات المتوفرة لديهم، ما يزالون محتجزين في سجني عدرا وطرطوس، بينما يبقى مصير آخرين مجهولاً، داعياً إلى الكشف عن أماكن وجودهم وتمكين ذويهم من معرفة مصيرهم.

قرى تنتظر العودة

ويرى الحسين أن العودة إلى القرى المهجرة ما تزال بعيدة، مشيراً إلى أن عدداً من القرى تعرّض لعمليات قتل ونهب وإحراق للمنازل، الأمر الذي حال دون عودة سكانها حتى الآن.

وأكد أن الأهالي "متمسكون بحقهم في العودة"، إلا أنهم يربطون ذلك بتوفير ضمانات أمنية حقيقية، والكشف عن مصير المفقودين، وإعادة إعمار ما دمرته المواجهات.

كما يؤكد المهجّرون أنه لا عودة إلى ديارهم من دون ضمانات دولية وإنهاء الوجود العسكري والأمني للحكومة في مناطقهم، مشددين على تمسكهم بحق العودة، وفق ما رصدته وكالتنا من آراء المقيمين في مراكز الإيواء.

مشهد أمني مختلف

وعلى الصعيد الأمني، أشار مراسلنا إلى أن السويداء تشهد اليوم هدوءاً نسبياً مقارنة بالعام الماضي، عقب توقف العمليات العسكرية الواسعة، غير أن حالة الحذر ما تزال قائمة في ظل انتشار السلاح، واعتماد الاستقرار بدرجة كبيرة على التفاهمات المحلية أكثر من مؤسسات الدولة.

كما أعادت أحداث تموز رسم العلاقة بين المحافظة والحكومة المؤقتة في سوريا، بعدما أضيفت إلى الخلافات السابقة ملفات جديدة، أبرزها المحاسبة على الانتهاكات، ومستقبل الترتيبات الأمنية، وعودة المهجرين، وتعويض المتضررين.

اقتصاد مثقل بالخسائر

اقتصادياً، لا تزال المحافظة تعاني من آثار المواجهات، إذ تعرضت قطاعات الزراعة والتجارة لخسائر كبيرة، فيما فقد آلاف السكان مصادر دخلهم بعد تدمير منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم.

ورغم استئناف جزء من النشاط الاقتصادي، على ما رصده مراسلنا فإن ضعف الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل، واستمرار تضرر البنية التحتية في عدد من المناطق، ما تزال تمثل تحديات يومية أمام السكان.

ANHA

× Zoomed Image
Scroll to Top