د. محمود عباس
وأنا، على عتبة الرابعة والسبعين، لا أودّع سنةً أخرى من العمر فحسب، بل أودّع طبقةً أخرى من نفسي. كأن السنوات لم تعد أرقامًا تُضاف إلى سجل الميلاد، بل وجوهًا غابت، وأصواتًا خفتت، وأبوابًا أُغلقت، وطرقاتٍ بقيت في الذاكرة أكثر مما بقيت على الأرض.
لم أعش الحياة بطولها فقط، بل عشتها بعرضها أيضًا؛ في الفرح والانكسار، في الوطن والمنفى، فيما ربحته وما خسرته، وفي تلك المسافة الغامضة بين ما اخترناه وما فُرض علينا. لذلك لا أكتب هنا احتفالًا بالعمر، بل شهادةً على عبوره؛ لا أطفئ شمعةً بقدر ما أضيء ذاكرة، وأحاول أن ألمس ذلك الخيط الخفي الذي يصل الإنسان ببداياته، حتى حين تبتعد الجغرافيا ويتحوّل الرجوع نفسه إلى سؤال موجع.
تركتُ القرية خلفي قبل ستة وأربعين عامًا، لكنها لم تتركني. مشت معي في المنافي، نامت في لغتي، وسكنت وجهي، وكبرت في داخلي كلما كبرتُ. عند أول رجفة حنين، تعود نصران كأنها لم تكن قرية من تراب وبيوت وطرقات، بل قطعة من روحي، وعمري الأول، وصورتي قبل أن تشوّهها الغربة. تعود بصوت الماء في سوبلاخ قبل أن يصير أخدودًا في الأرض، وبوجوه الذين غابوا عن الحياة ولم يغادروا داخلي.
ستة وأربعون عامًا ليست زمنًا فقط، بل عمرٌ كاملٌ من الفراق.
ومن بعيد، من مسافات لا ترحم، ودّعت الوالدين، والإخوة، والأحبة.
لم أكن حاضرًا كما ينبغي.
كانت الغربة تقف مكاني.
وكان القلب يصل دائمًا متأخرًا، كأنه رسالة عبرت محيطًا بعد انتهاء العزاء.
آخر مرة رأيت نصران كانت قبل ستة وعشرين عامًا. ومنذ ذلك اليوم لم تعد القرية مكانًا أزوره، بل صارت محرابًا داخليًا أعود إليه كلما ضاق بي العالم. أبحث فيها عن نفسي الأولى، عن ذلك الطفل الذي كان يظن أن الأرض كلها تبدأ من ضفاف سوبلاخ، وأن الماء لا يجف، وأن الوجوه التي نحبها لا تغيب.
أبحث اليوم عن تاريخي الأول في سوبلاخ.
عن ضفافه.
عن صوته.
عن ذلك الماء الذي كان يمر قرب طفولتنا كأنه يعرف أسماءنا.
فلا أجد إلا أخدودًا في الأرض،
جرحًا يابسًا،
وخطًا حزينًا يقول إن ماءً مرّ من هنا ذات يوم، ثم ترك المكان للصمت.
لكن سوبلاخ لم يجف وحده.
شيء في داخلي جفّ معه.
كأن ثلاثةً وسبعين عامًا من عمري انحسرت مع مائه، وتركت في صدري أخدودًا لا يراه أحد.
ومن سوبلاخ تبدأ الطريق إلى البيوت.
كأن النهر كان باب القرية الأول، وكأن ضفافه كانت تقودني دائمًا إلى ذلك العالم الذي ظننت أنه ثابت لا يتبدل: البيوت القديمة، الوجوه التي كانت تمنحها الدفء، والأصوات التي جعلت من أطلال بيوتنا وديوان الوالد ذاكرةً ومن التراب أهلًا.
بين تلك البيوت، كان حضور الوالدة – خنسه عباس، يحوم كدعاء لا ينقطع. كانت الأم لا تملأ البيت فقط، بل تمنح المكان معنى البيت. رائحتها، خطواتها، ظلها، صمتها، قلقها علينا، كانت تجعل الجدران أكثر دفئًا، وتجعل المعاناة أقل قسوة، والغربة مؤجلة، والمستقبل أقل عتمة.
وكان ديوان الوالد، محمد عباس، عالمًا آخر.
لم يكن غرفةً فحسب، بل هيبةً ووقارًا وحضورًا. كان المكان يمتلئ به حتى في صمته، كأن الجالسين فيه لا يدخلون ديوانًا، بل يدخلون معنىً من معاني الكرامة القديمة؛ حيث للكلمة وزن، وللرجال وقار، وللضيافة روح، وللبيت جذور تمتد في الأرض والناس والذاكرة.
واليوم، نهضت مكان تلك البيوت دار الأخ عباس والأخت سعادة؛ دارٌ تواكب العصر والتطور، لكنها لم تقطع خيطها مع الماضي. فيها شيء من الحاضر، نعم، لكنها لا تخون الجذور. كأنها تقول إن البيوت يمكن أن تتغير، وأن الجدران يمكن أن تُبنى من جديد، لكن روح المكان لا تموت إذا بقي في أهله وفاء لذاكرته.
ومع ذلك، لا شيء يعود كما كان.
حتى حين يتجدّد المكان، يبقى في القلب حنينٌ يبحث عن شيء لا تستطيع الحجارة الجديدة أن تعيده. أبحث عن ضحكةٍ قديمة كانت تسكن الجدران، عن يدِ أمٍّ على الباب، عن صوت أبٍ في الديوان، عن خطوات إخوةٍ غادرونا وبقي صداهم في الروح؛ عن صبري وأحمد صابر، والأخت حياة، عن ظلّ شجرةٍ كانت فيءَ الباحة وطمأنينتها، وبئرٍ كنّا ننهل منه ماءً رقراقًا كأنه ذاكرة الطفولة، عن طريقٍ ترابي بين نصران ودوكري، عن سوبلاخ قبل أن يصبح أخدودًا، وعن نصران قبل أن يطالها ما طالنا جميعًا من تبدّل الزمن.
ربما الذاكرة أرحم من العودة.
فالذاكرة تحفظ الأشياء كما أحببناها، لا كما صارت.
تحفظ القرية مضيئة، والنهر حيًا، والأم واقفة في الباب، والأب في ديوانه، والبيوت عامرة بأصوات الذين رحلوا.
أما العودة، فإنها تكشف ما فعله الزمن بنا وبالأمكنة.
تكشف أن الذي غاب لم يكن مكانًا فقط، بل عمرًا كاملًا لا يمكن استرجاعه.
كم هو قاسٍ أن يكتشف الإنسان، بعد كل هذه السنوات، أن الوطن الذي حلم به ليس هو الوطن الذي يعود إليه، وأن القرية التي حملها في قلبه ليست هي القرية التي يجدها أمام عينيه. لا لأن نصران فقدت روحها، بل لأننا نحن أيضًا لم نعد كما كنا. الغربة أخذت منا شيئًا، والزمن أخذ من القرية شيئًا، والموت أخذ من الجميع أكثر مما نستطيع الاعتراف به.
لهذا أخاف أحيانًا من العودة، بعد غيابٍ امتدّ ستةً وأربعين عامًا. ليس خوفًا من المكان، بل خوفًا على الصورة المقدّسة التي بقيت في داخلي. أخاف أن ينهار ما تبقّى من الجمال، وأن أندم حتى على الذكريات التي كانت تعزّيني. فبعض الذكريات، كي تبقى خالدة، تحتاج أن تظلّ بعيدة، وبعض الأمكنة، كي تبقى جميلة، لا ينبغي أن نراها كثيرًا بعد أن عبث بها الزمن.
لكن كيف يتخلى الإنسان عن قريته؟
كيف يتخلى عن نصران؟
عن أول تراب عرف اسمه؟
عن سوبلاخ، حتى لو صار أخدودًا؟
عن ديوان الوالد، حتى لو تغيرت الجدران؟
عن حضور الوالدة، حتى لو صار طيفًا يدور في الذاكرة؟
عن بيتٍ صار بيتًا آخر، لكنه ما زال يرفع في داخله شيئًا من الروح القديمة؟
إن الإنسان في آخر العمر لا يبحث عن الأماكن كما هي، بل عن المعنى الذي تركه فيها. يبحث عن أثر نفسه في الطريق، وعن ظله قرب النهر، وعن صوته في باحة البيت، وعن عين أمه حين كان يعود متعبًا، وعن صمت أبيه حين كان الصمت أبلغ من الكلام.
وأنا اليوم، بين الثالثة والسبعين والرابعة والسبعين، أقف بين خلود الذاكرة وعدمية الحاضر. الماضي يضيء لكنه موجع. الحاضر حاضر لكنه ناقص. والمستقبل يقترب كعتمة هادئة. لا أملك إلا أن أتمسك بما بقي: نصران في القلب، سوبلاخ في الذاكرة، الوالدة دعاءً لا ينتهي، الوالد وقارًا لا يغيب، وبيت عباس وسعادة شاهدًا على أن الحياة، رغم كل شيء، تحاول أن تستمر دون أن تنسى أصلها.
ربما لا يعود النهر إلى مجراه.
وربما لا تعود نصران كما كانت.
وربما لا يعود الغائبون إلا في الحلم.
لكن ما دام في القلب متسع لاسم نصران، وما دام سوبلاخ يجري في الذاكرة ولو جفّ على الأرض، فإن شيئًا من الوطن لم يمت.
فالحنين إلى نصران ليس حنينًا إلى قرية وحدها، بل إلى الناس الذين صنعوا معنى القرية، وإلى كوردستان التي منحت المكان روحه واسمه وامتداده. نصران، في داخلي، ليست نقطة صغيرة على جغرافية بعيدة؛ إنها بابٌ إلى الوطن كله، إلى كوردستان التي قد تتعب، وتُجرح، وتُقسَّم، لكنها لا تفقد خلودها ما دامت حية في الذاكرة واللغة والوجدان.
فالقرى التي تسكن الروح لا تُهدم.
والأنهار التي جرت في الطفولة لا تجف تمامًا.
والذين نحبهم، وإن غابوا، يبقون فينا كأصل الضوء؛
ذلك الضوء الكوردستاني العميق، الذي مهما باعدت بيننا وبينه المسافات، ظل القلب يعود إليه كلما ضاقت به الدنيا، وكأن الوطن لا يغادرنا، بل ينتظرنا في الداخل.
25/5/2026م
الولايات المتحدة الأمريكية
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=88081
مقالات قد تهمك









