نحن مدينون لمن تمردوا!

تكبير الصورة

ماهر جبره

كيف ستستفيد شركتي من “لعبة كهربائية”؟ هذا ما قاله ويليام أورتون رئيس شركة ويسترن يونيون ردا على عرض وكيل وشريك غراهام بيل لبيع براءة اختراع الهاتف مقابل 100 ألف دولار سنة 1876. ويسترن يونيون حينها كانت أكبر شركة اتصالات وكانت تسيطر على سوق التليغراف. فلماذا رفضت عرض بيل؟ ولماذا عادة ما تجد الأفكار المُبتكرة مقاومة في البداية؟

رغم وجود خلاف تاريخي على من هو المخترع الحقيقي للهاتف، فالثابت هو أن أول من حصل على براءة اختراعه هو بيل (1847- 1922). وقد قام بأول مكالمة ناجحة يوم 10 مارس 1876، عندما قال لمساعده من خلال اختراعه الجديد “سيد واتسون، تعال هنا أريد أن أراك”، وقتها سمعه واتسون الذي كان في غرفة أخرى وذهب إليه بالفعل.

ولكن نظرا للضغوط المالية التي كان يمر بها، فكر بيل وشركائه في بيع براءة الاختراع لأكبر شركة اتصالات في هذا الوقت. حينها كان التليغراف الذي يرسل رسائل نصية هو الوسيلة الأساسية للاتصالات وخصوصا في عالم الأعمال. وكانت ويسترن يونيون باعتبارها الشركة الأهم في مجال التليغراف، قد استثمرت أموالا ضخمة في تطويره وتحسين شبكاته.

ولكن عندما تم عرض التليفون على الشركة، كان ردهم أنه مرتفع الثمن ولا يتيح للأشخاص التواصل في المدن البعيدة وأن الناس ستفضل الرسائل التلغرافية المكتوبة الواضحة على الصوت المُشوش، وبالتالي فلا قيمة له.

بعدها أسس بيل شركته “شركة بيل للهواتف” والتي قادت صناعة الهواتف في أميركا مما جعل ويسترن يونيون تدرك أنها أخطأت خطأ فادحا. ولكن هل قصة السخرية من فكرة الهاتف الذي يُعتبر اليوم من أساسيات حياتنا فريدة؟

الحقيقة لا، فعندما قدم المهندس الشاب ستيفن ساسون فكرة الكاميرات الرقمية أو الديجيتال سنة 1975 للمسؤولين في شركة كوداك التي كان يعمل بها، لم يتحمسوا للفكرة. كوداك حينها كانت عملاق التصوير الفوتوغرافي في العالم، الذي كان يعتمد على تحميض أفلام التصوير وطباعة الصور.

وقتها ساسون الذي كان يرى المستقبل في الكاميرات الرقمية حاول إقناع المسؤولين في الشركة بفكرته على مدار سنوات طويلة. ولكن ردهم كان “أن الطباعة ظلت معنا لأكثر من مئة عام، ولم يشتكي منها أحد، خصوصا أنها غير مكلفة. ونحن لا نعتقد أن أحدا ما سيهتم أن يرى صورته على شاشة”.

أما الاعتراض الأهم فقد جاء من فريق التسويق الذي قال إن كوداك تسيطر على سوق تحميض وطباعة الصور وفكرة الكاميرات الرقمية التي لا تحتاج إلى تحميض أو طباعة ستتسبب في خسائر ضخمة للشركة.

وبناء عليه رفضت كوداك أن تستثمر فيها، وتباطأت في إنتاجها. ولكن مع الوقت انتشرت الكاميرات الجديدة واختفت تدريجيا فكرة طباعة وتحميض الأفلام حتى اضطرت كوداك إلى إشهار إفلاسها في عام 2012. والسؤال هنا هو: لماذا كانت هناك مقاومة للابتكار أو الأفكار الجديدة في الحالتين؟ وما هو الابتكار من الأساس؟

قصة الابتكار هي قصة تطور الحضارة البشرية، وهي أن يجد شخص أو مجموعة من الأشخاص طريقة جديدة لرؤية مشكلة ما، ويقدمون لها علاجا أو حلا بشكل لم يقدمه أحد من قبلهم.

ولأن الإنسان عدو ما يجهل كما نقول، ولأن الفكرة الجديدة تحمل احتمالية النجاح أو الفشل على عكس التي نعرفها ونتقنها، فكثيرا ما نرفض الأفكار الجديدة حتى نبقى في المناطق الآمنة التي اعتدناها. فضلا عن أننا أحيانا ما نشعر بالتهديد من تغيير الأوضاع القائمة.

فصناعة الهواتف، مع الوقت، قضت على التليغراف التي استثمرت فيه ويسترن يونيون الكثير من المال. وصناعة الكاميرات الرقمية تسببت في تراجع صناعة تحميض وطباعة الأفلام التي كانت تُدِر مكاسب ضخمة على كوداك.

ولهذا كثيرا ما يُقابَل أصحاب الأفكار المُبتكرَة بالسخرية والرفض. ولكن بسبب هؤلاء المتمردين حدثت تقريبا كل التطورات الكبرى في العالم. فالأمر لا يتوقف على العلوم والتكنولوجيا فقط، فحتى من غيّروا شكل العلاقات في المجتمعات كان يجمعهم صفة مشتركة إلا وهي إنهم لم يقبلوا بالوضع القائم.

فعندما خلعت هدى شعراوي البرقع في محطة القطار بالقاهرة أمام الناس، وهي عائدة من رحلة إلى روما سنة 1923. كانت تقول بشكل عملي أنا أرفض الواقع. أرفض الأعراف والقوانين التي تَحرم المرأة من المشاركة في الحياة العامة، وتنظر لوجهها على أنه عورة.

هذا التصرف الذي يبدو بسيطاً شجع نساء أخريات على خلع البرقع ودخول الحياة العامة. وبسبب نضالها ونضال من دافعوا عن حقوق النساء حصلت المرأة العربية على حقوق أساسية كانت محرومة منها حينها مثل التعليم والعمل والسفر.

وعندما قررت روزا باركس الأميركية ذات الأصول الأفريقية أن ترفض طلب شخص أبيض في أن تتخلى عن مقعدها في الباص له. كانت تقول أيضا بشكل عملي أنا أرفض الأعراف والقوانين التي تتعامل مع الأميركيين السود باعتبارهم أقل من البيض.

هذا الموقف حرّك احتجاجات ومظاهرات قادت فيما بعد إلى اشتعال حركة الحقوق المدنية في أميركا، التي نتج عنها حصول الأميركيين من أصول أفريقية على الكثير من حقوقهم بعد قرون من العبودية والتمييز ضدهم.

فقصة تطورنا كمجتمعات هي محصلة لقصص أشخاص متميزين ومتفردين، صدقوا أفكارهم وأحلامهم ونجحوا رغم الضغوط في أن يكسروا الأعراف والتقاليد. ولولاهم لكنا نعيش على الصيد وجمع الثمار كما كان يفعل الإنسان البدائي.

الحرة

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

× Zoomed Image
Scroll to Top