صالح عيسى
مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.
موجز تاريخ وجغرافية ريف كوباني:
تاريخ كوباني وجغرافية مجتمعاتها لا يقتصر على المدينة فقط، بل يمتد إلى ريفها، الذي يُعتبر من أساس مجتمعاتها وجذرها. آثار المنطقة، مثل تل العبر (تل برسيب)، وتل الأحمر على الضفة الشرقية لنهر الفرات ضمن سهل برجم وقرية إيلاجاغ، تُشير إلى أن المنطقة كانت مركزًا حضاريًا قديمًا، كان فيها العديد من القرى، وتحولت إلى تلال أثرية.
فعلى سبيل المثال تُعرف قرية إيلاجاغ بـ أم القرى، حيث انبثقت عنها أكثر من (30) ثلاثين قرية. وهي من القرى القديمة جدا في المنطقة، حيث التل الأثري والينابيع. كما أن قرية Xanê (خاني)، الواقعة على بعد 15 كم إلى الغرب من مدينة كوباني، تضم تلًا أثريًا يُعتقد أنه يخفي تحت طبقاته الكثير عن تاريخ المنطقة.
لا يمكن اختصار تاريخ جميع القرى هنا، لكن من الواضح أن تاريخ كوباني متشابك مع قراها ضمن جغرافيتها الغنية وآثارها الدالة على حضارات متعاقبة.
إلى الجنوب من كوباني، تقع قرية تل غزال Girê Xezalan، وهي قرية عريقة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ.
كانت ناحية (صرين) كردية مع ريفها حتى عام (1820)، حيث شهدت أكثر من معركة بين القبائل الكردية والعربية للسيطرة على مراعيها. ولا تزال قبور ضحايا تلك المعارك شاهدة على كردية الأرض وتاريخها. وبالقرب من كوباني، تقع قرية شيران (Ṣêran)، التي اكتسبت شهرة عالمية بفضل آثارها التاريخية. رغم محاولات التعريب والتتريك، حافظت القرية على اسمها الحقيقي وهويتها الأصلية. خضعت شيران لعمليات تنقيب دقيقة، كشفت عن آثار تعود إلى حضارات متعددة، مثل الحوريين، الميتانيين، الآشوريين، الرومان، والبيزنطيين. للأسف، نُهب جزء كبير من آثار شيران ونُقل إلى إسطنبول خلال الاحتلال العثماني، بينما وصل قسم آخر إلى فرنسا. كذلك، ما زال الكثير يتذكر وجود أسدين من آثار شيران في حديقة الرشيد بمدينة الرقة، وقسم آخر في متحف حلب.
“من آثار قرية شيران (أرسلان طاش) عام 1884، الصورة من رحلة وولف للشرق 1849- 1910، المصور هاينز جون هنري. مجموعة ج.ر.سيتلينجتون ستيريت للصور الأثرية”
كان اسم شيران في السابق «حداتو»، حيث كانت تُعد عاصمة لمملكلة آرامية محلية، قبل أن يطلق عليها العثمانيون اسم «أصلان طاش». أما خلال فترات التعريب، عُرفت باسم «الفرزدق»، إلا أن الاسم الكردي شيران بقي راسخاً في ذاكرة التاريخ وملاصقاً لهويتها الأصلية.
بالقرب من شيران الى الشرق منها، تقع قرية تل حاجب (تليجب)، وهي من القرى القديمة جداً وتحتاج إلى اهتمام علمي وتنقيب دقيق. المنطقة غنية بالتلال والكهوف التي تحمل تاريخاً دفيناً، ولكنها تُركت للإهمال المتعمد خوفاً من كشف حقائق قد لا يُراد لها أن تُعرف.
رغم الإهمال الخدمي الحكومي المتعاقب، ظلت المنطقة نشطة، ولعبت دوراً سياسياً ريادياً في الخفاء، مثل استقبال أبناء عائلة بدرخان التي هربت من بطش العثمانيين إلى قرية مكتلة، تلك القرية التي أصبحت اليوم حياً من أحياء كوباني.
لقد أثرت عملية التقسيم وترسيم الحدود الدولية على ريف كوباني، خاصة بعد سنة 1921، فانقسم ريف كوباني إلى قسمين: شمالي وجنوبي. في الشمال أجبر السكان على النزوح إلى تركيا، حيث تحولت القرى إلى مواقع عسكري. مع ذلك، لم تنقطع الروابط بين السكان على جانبي الحدود، واستمرت العلاقات الاجتماعية حيث انقسمت العائلة الواحدة بين دولتين نتيجة ترسيم الحدود، وهذا التقسيم أُجبر الأقرباء على تعزيز الروابط الاجتماعية عن طريق المصاهرة بين طرفي الحدود. وانتعشت القرى، واستمرت الحياة الريفية.
تتبع لكوباني (368) قرية وأكثر من (60) مزرعة، بإجمالي عدد يتجاوز 420 تجمعاً سكانياً. مع نسبة قليلة من القرى المهجورة لأسباب اجتماعية.
في الثمانينيات والتسعينات من القرن الماضي شهدت المنطقة وريفها قفزة نوعية في مجال التعليم حيث بات في كل بيت واحد أو أكثر ممن وصلوا المرحلة الجامعية ومن كلا الجنسين، هناك المئات من المهندسين والمئات من الأطباء والصيادلة والمحامين بالإضافة إلى الفروع العلمية والفكرية المختلفة. وهناك ثماني شهادات دكتوراه في مجالات مختلفة حتى 2025
بعد هذا الموجز سنتطرق إلى بعض القرى التابعة لكوباني ومنها:
1- قرية هوران (دربازين هوري- Derbazên Horî):
تهدف هذه الدراسة إلى توثيق المعلومات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية حول قرية هوران (المعروفة أيضًا باسم دربازين هوري) الواقعة غرب مدينة كوباني بنحو 23 كم. اعتمد البحث على الروايات المحلية والمصادر الشفوية، إضافةً إلى الملاحظات الميدانية. تبرز أهمية القرية من خلال موقعها الجغرافي كعقدة مواصلات، وعمقها التاريخي بما تحويه من آثار قديمة، إلى جانب دورها الاجتماعي في المنطقة الغربية من كوباني.
تُعد القرى الصغيرة في شمال سوريا جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة. ومن بين هذه القرى تبرز قرية هوران التي تحمل في طياتها مزيجًا من التاريخ والتراث والعلاقات الاجتماعية. تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة بحثية متكاملة للقرية من خلال محاور الموقع والتسمية والجغرافيا والتاريخ والسكان والخدمات.
الموقع الجغرافي
تقع قرية هوران غرب مدينة كوباني بمسافة 23 كم، على الطريق الواصل بين كوباني – جرابلس – حلب. وتشكّل نقطة التقاء لعدة طرق معبّدة على شكل صليب، مما جعلها عقدة مواصلات مهمة بين الريف والمدينة.
“صورة لقرية دربازن هوران”
حدود القرية:
شمالًا: قرية كولي قل.
شرقًا: قرية بندر كبير.
جنوبًا: قرية سيف علي.
غربًا: قرية ببرالوص.
جنوب شرقًا: قرية درب النوب.
التسمية: اسم القرية الأصلي «دربازين هوري» أو «هوران»، وهو مركب من ثلاث كلمات كردية: هوري: اسم أول امرأة سكنت القرية.
دري: تعني «الباب». بازن: تعني «سوارة اليد».
تعود التسمية إلى قصة حفر أول بئر ماء من قبل السيدة هوري وهي اول من سكنت القرية، حيث وُضع على فوهته حجر مثقوب على شكل سوارة اليد. ومنه جاء التعبير «دري بازن هوري» الذي اختُصر لاحقًا إلى «دربازنا هوري»، ثم تحوّل إلى «هوران».
في عهد حكومات البعث جرت محاولات لتعريب الاسم؛ فسميت القرية بـ «دربازين التحتاني» و»دار الباز». وتبقى التسمية متباينة في سجلات المؤسسات الرسمية حتى اليوم. فنجد لدى مديرية التربية باسم دربازين التحتاني ولدى دائرة الأحوال المدنية تارة باسم دربازين التحتاني وتارة باسم دربازين هوري ولدى مديرية المصالح العقارية باسم دار الباز.
الجغرافيا: تتسم أراضي هوران بأنها شبه سهلية مع وجود بعض التلال الصغيرة، مثل هضبة قوجا عمبورة وقوجا نبي وقوجا توبيه وقراجي شوتي. يمر من شرقها وادٍ متوسط الحجم قادماً من الشرق يفيض شتاءً. ويتجه غربًا نحو نهر الفرات. قسم من الاراضي مروية من الآبار الأرتوازية لزراعة القطن والسمسم والذرة ويعتمد السكان على الزراعة، خاصة القمح والشعير والعدس والكمون، إضافةً إلى إنتشار زراعة الفستق الحلبي والزيتون حديثًا بأعداد كبيرة جدا. سابقًا كان الاهالي يعتمدون على تربية المواشي كالاغنام ولكن تقلصت في الآونة الأخيرة.
التاريخ والآثار: تُعد هوران من القرى القديمة في غرب كوباني. عُثر فيها على آثار من القرميد المصنوع بدقة هندسية، ما يشير إلى وجود حمامات ومطابخ قديمة. كما كانت تضم كهوفًا، اثنان منهما بالقرب من المدرسة الحالية في الجهة الشمالية حيث تفصل بيينهما الطريق المعبد واستخدمت لتربية المواشي وحفظ المياه، واثنان في الجهة الغربية من المدرسة ولكن معظمها رُدم حديثًا. وهناك بعض الكهوف على بعد أقل من واحد كم في الجهة الشمالية من القرية إلا أنها ردمت أيضًا حيث تم العبث بها عشوائيا، معظم خربة القرية تكثر فيها الرماد وبقايا البناء القديم حيث تكثر الأحجار المصفوف على شكل أساسات غرف. كما اشتهرت ببئر ماء عذب قرب المدرسة الحالية في وسط القرية وشجرة توت الوحيدة والتي تزيد عمرها عن مئة عام، والتي ارتبطت بذاكرة أطفال القرية. واعتبرت ظلها قبة لبرلمان الطفولة حيث كان تخطط كل شيء في ظلها الوارف حينها حيث قيظ الصيف الحارق. أما مقبرة القرية تقع في الزاوية الجنوبية الغربية من القرية وفي زاوية المقبرة الشمالية الشرقية وجد الكثير من القرميد واماكن لمواقد مع بقايا الرماد الأسود
السكان والعلاقات الاجتماعية: ينحدر سكان القرية من أصول كردية (عشيرة زرواري عليديني بيجان)، ويتحدثون الكردية بلهجتها الكرمانجية. تميزت العلاقات الاجتماعية بروح المحبة والتسامح مع القرى المجاورة. عدد السكان فيها حوالي 400 نسمة. أما الذين كانوا يسكنون خارجها حوالي 500 نسمة.
وهناك علاقة قرابة لسكانها مع الكرد في محافظة حماة وسط سوريا. وهم من نفس العشيرة.
من الشخصيات البارزة، نبي هوري: عازف بزق معروف قبل قرن وهو جد لقسم من أبناء القرية ومازال احفاده مقيمين فيها. مثل: عيني (Ana Eynê)، القابلة (الداية) التي أشرفت على معظم الولادات بين 1950–2005. وهي ابنة نبي هوري. عبد الرزاق (رزو) الدرويش: عُرف بالحكمة وكان رمزًا تراثيًا معروفا محليًا.
الخدمات القديمة: اشتغل السكان في الزراعة والصناعة، وخاصة صناعة محاريث الفلاحة والنجارة. عُرف المرحومان عبدو شيخي وبركل نبي بمهارتهما في هذه الحرف، منذ حوالي 80 عام.
الخدمات الحديثة: شهدت القرية منذ عام 2011 تطورًا ملحوظًا بفضل عودة أبنائها من المدن الكبرى، حيث أنشئت محلات تجارية متنوعة، حدادة، صيدلية زراعية وصيدلية طبية، محلات ألبسة، صاغة ذهب، محلات زراعية وغيرها. أصبحت القرية أقرب إلى بلدة صغيرة تعج بالحركة والنشاط. بلغ عدد المحلات التجارية فيها أكثر من ثلاثين محل. بالرغم من صغر القرية فيها مدرسة وشبكة الكهرباء وطرق معبدة بالاسفلت وشبكة المياه وسابقا شبكة هاتف أرضي.
التعليم: افتتحت أول مدرسة ابتدائية عام 1983. قبل ذلك كان الطلاب يتوجهون إلى قرى مجاورة. حاليًا يوجد في القرية خريجون جامعيون في مجالات متعددة، مثل الهندسة والحقوق واللغات والعلوم الاجتماعية.
الخاتمة: تُظهر دراسة قرية هوران أن القرى الصغيرة تحمل قيمة كبيرة من حيث التاريخ والهوية الاجتماعية. ورغم محاولات تغيير اسمها وطمس هويتها، ما تزال القرية محتفظة بجذورها الكردية وتقاليدها الأصيلة، وهي اليوم نموذج لقرية ريفية تنمو بخطى ثابتة نحو التمدن.
2- قرية تل حاجب Tilêcbê
حالة قرية تل حاجب القديمة تفنيد رواية الهجرة من الشمال إلى الجنوب. تقع قرية تليجب (تل حاجب) في الجهة الشرقية من مدينة كوباني على مسافة 10 كم، وهي من القرى الأثرية.
تسميتها: إسمها القديم، تليجب، وتله هجبة، وتليجب نسبة إلى عائلة (هجبة الكردية) التي كانت تسكن فيها تقريباً قبل عام 1500 ميلادي، وعرفت لدى الدولة السورية باسم تل حاجب اعتمادًا على السجلات الطابو العثمانية للقرن السادس عشر وما قبله. علماً بأن ما ورد هنا هو تحريف عن اللغة الكردية، حيث تلفظ تله هجبة وهو اسم العائلة.
تاريخها: تعتبر قرية تليجب من القرى القديمة جدًا في سوريا، وكان من المفترض أن تقوم الجهات الرسمية بتسجيل اسم هذه القرية لدى منظمة اليونسكو باعتبارها قرية تراثية، لتكون مدرجة على لائحة التراث الثقافي العالمي، كون هدف المنظمة هو حماية هذا التراث والدفاع عنه والحفاظ عليه.
حيث نجد في وسط القرية تلًا أثريًا قديمًا مرَّ عليه عدد من الحضارات القديمة مثل، الآراميين، الرومان، والعثمانيين. ويتجلى ذلك من خلال العثور على بعض اللقى الأثرية والتاريخية في التل ومحيطه، وبعض هذه اللقى ما زالت محفوظة في متحف حلب أو متاحف أخرى.
كانت هناك بعثة تنقيب فرنسية تقوم بالدراسة، وعثرت هذه البعثة على العديد من الآثار مثل الأواني الفخارية المختلفة الأحجام والأنواع. كما عثرت على لوحة فسيفساء جميلة جدًا، تحتوي على رسوم ونقوش حيوانية (الغزلان، الأسود، وغيرها). لا نعلم مصير هذه اللوحة؛ هل هي في متحف حلب، دمشق، أم في متحف اللوفر؟ ناهيك عن الكثير من الأشياء الأثرية الأخرى.
توجد في الجهة الجنوبية من القرية، على سفح الجبل، مجموعة كبيرة من الكهوف التي تم العبث بها من قبل الأهالي، حيث كانوا يعثرون على الزخارف، العملات القديمة، والهياكل العظمية، ولكن تم ردم أغلب هذه الكهوف من قبل الأهالي لجهلهم بقيمتها الثقافية والتاريخية.
كان يوجد في الجهة الشرقية من القرية ناعورة [قرافة] وهي آلة لرفع المياه للزراعة ضمن حفرة بعمق حوالي 5 متر وعرض 3 متر.
تأكيدًا لما سبق حول الاسم، دون معرفة سكن تاريخ هذه العائلة في التل أو في محيطه بشكل دقيق كما ورد اعلاه قبل 1500 ميلادي، نجد أن الذين يسكنون القرية ويقيمون فيها منذ أكثر من خمسمائة عام هم من عشيرة الزروار البرازية. توارثوا ملكية هذه القرية من الأجداد إلى الأحفاد حتى يومنا هذا، وبعد رحيل عائلة هجبة بسبب خلافها مع القرى المجاورة إلى الشمال ظل قسم من اقربائهم في القرية.
رحلت عائلة هجبة إلى الشمال وسكنت أطراف قرية سويركي في الجهة الشمالية من الحدود. لهذه العائلة أكثر من سبع قرى هناك، وهذا [يفند] بعض الروايات التي تدعي أن الهجرة كانت دائمًا من الشمال باتجاه الجنوب، حيث تبين لنا هذه القرية أن الهجرة كانت تتبع فصول السنة، بالإضافة إلى وجود مشاكل اجتماعية. وأن الهجرة غالباً تكون من الجنوب نحو الشمال.
جغرافيتها: تحدها من الشمال قرية كازكان، ومن الغرب قرية شيران، ومن الزاوية الجنوبية الشرقية قرى خراب بال، خراب حيل، وخراب كورت. ومن الزاوية الشمالية الشرقية قرى شران، عليشار، وجوم علي. علماً أنه هناك قيرتان [شيران و شران] للتمييز.
أراضي القرية سهلية باستثناء الجنوب حيث جبل تليجب، وهو جبل كبير وتربتها خصبة جدًا للزراعة. كانت تعتبر من القرى المروية حتى التسعينات من القرن الماضي، وكان الناس يعتمدون على زراعة القطن، الذرة الصفراء، والقمح. ولكن بعد التسعينات، تحولت إلى قرية بعلية نتيجة لعوامل مناخية، حيث ساد الجفاف، فجفت كل الينابيع والآبار، وتحولت زراعتها إلى زراعة القمح، الشعير، العدس، والكمون. كما أن نبات الزعتر البري ينمو على سفح الجبل.
يمر من وسط القرية طريق معبد قادم من كوباني إلى الرقة، بالإضافة إلى طرق فرعية مفروشة بالمواد الحصوية. وعلى قمة التل توجد إشارة طبوغرافية وضعتها دائرة المساحة السورية.
التعليم: كانت هناك مدرسة ابتدائية منذ السبعينات من القرن الماضي وفي عام 2003، تم إحداث إعدادية فيها، وفي عام 2008 تحولت المدرسة إلى مدرسة ثانوية. تخرج من هذه المدرسة مجموعة من شباب القرية في كافة المجالات العلمية مثل الحقوق، الطب، الهندسة، الآداب، والعلوم الإنسانية، والمعاهد المتوسطة والثانوية العامة.
من الناحية الثقافية هنالك رواية تقول إن السيد أحمد ميلك وهو أحد أعيان قرية تليجب والمنطقة، قد كتب في جريدة هاوار، ودعا فيه أعيان المنطقة إلى افتتاح مدرسة كردية على غرار مدارس الأرمن، وذلك منذ النصف الأول من القرن العشرين.
السكان: يبلغ عدد سكان القرية أكثر من 2700 نسمة حسب سجلات الأحوال المدنية لعام 2014، وأغلبهم كانوا يقطنون في محافظات الرقة، دمشق، وحلب، ومدن أخرى تبعًا للأعمال التي كانوا يمارسونها. ينتمون بحسب الأصول العشائرية إلى عشيرة الزروار، وهم من القومية الكردية ويتحدثون اللهجة الكرمانجية أبا عن جد. يمتازون بعلاقات اجتماعية متينة فيما بينهم، وكذلك مع الجوار، وهم منفتحون في تعاملاتهم مع كافة العشائر، حيث تسود بينهم وبين محيطهم علاقات المحبة والتسامح.
جدير بالذكر أيضاً أن المجتمعات الكردية البرازية الذين يقطنون حالياً في محافظة حماة وسط سوريا هم من أقرباء سكان هذه القرية، حيث رحلوا وسكنوا هناك منذ أكثر من مئتي سنة، وما زالوا يحتفظون بعلاقات القرابة والمصاهرة إلى يومنا هذا.
الخدمات: مقارنة مع القرى المجاورة، تعتبر هذه القرية من القرى المحظوظة نسبياً، حيث يوجد مجلس بلدي (البلدية) وكان لهذا المجلس دور فعال في خدمة القرية مثل تمديد شبكة الصرف الصحي، إنشاء مؤسسة البريد، وتزويد القرية بخطوط هاتف أرضي، بالإضافة إلى شبكة الكهرباء وطريق بقايا غير معبد داخل القرية. وفي الجهة الشرقية من القرية، على الطريق العام (الرقة – كوباني)، توجد محطة وقود (كازية).
كما توجد مجموعة من المحلات التجارية والبقاليات، عددها أكثر من خمس محلات، ومحل نوفوتيه صغير، ومحل لتصليح وتصويج السيارات، وكذلك معمل لصناعة البلوك. وفي الآونة الأخيرة، توقف عمل مجلس البلدية بسبب اندماج البلديات، حيث تم دمج بلدية القرية مع بلدية قرية شيران.
3- قرية بغديك
“موقع قرية بغديك صورة من الجو”
بغديك Bexdîk، التي عُربت إلى (القمحة)، واغبيش Axbêṣ التي عُربت أيضاً إلى (البيضة) قريتان متجوارتان، تبعد عن بعضهما بمسافة تقارب (2) كيلومتر، وترتبطان بعلاقة عضوية يصعب فصلها، نتيجة تداخل أراضيهما ومقاومتهما المشتركة للتحديات السياسية والاجتماعية، مع القرى المحيطة بهما خصوصاً في مواجهة سياسات البعث وقد برز اسم (اغبيش) بشكل خاص بسبب الدور المحوري للراحل جمو علهمك الذي يعد واحداً من الرموزً البارزًة في تاريخ المنطقة، فقط للتذكير اغلب ابناء تلك المنطقة قاوموا الحزام العربي بطرق متعددة مما أدى إلى استشهاد بعض أبناء تلك القرى أثناء تصديهم لمشروع الحزام.
الموقع: تقع قرية بغديك إلى الشرق من كوباني بحوالي (38) كم، على طريق حدودي يربط كوباني بتل أبيض، وتبعد عن تل أبيض حوالي (30) كم غرباً.
اغبيش: تبعد عن كوباني بحوالي (40) كم وعن تل أبيض حوالي (28) كم غرباً على نفس الطريق.
التسمية: اشتُق اسم بغديك من الكلمة العثمانية التي تعني (القمح) في إشارة إلى زراعة القمح التي اشتهرت بها المنطقة بفضل وفرة المياه وخصوبة التربة. وبرزت التسمية خلال فترة الاحتلال العثماني، تعرضت للتعريب وتم تسجيلها لاحقاً باسم (القمحة) لدى المصرف الزراعي ضمن محاولات البائسة من سلطة البعث.
التاريخ: يعود تاريخ بغديك إلى أكثر من 300 عام، يعتقد تم البناء والسكن فيها خلال فترة الاحتلال العثماني للمنطقة وتشتهر بالكهوف التي يصل عددها إلى حوالي 40 كهفاً تُعرف بالكردية باسم (Iṣkeftên Horika) (الكهوف الصغيرة) تتميز هذه الكهوف بأبوابها المفتوحة على مستوى سطح الارض ووجود مواقد النار (Argûn) بالكردية. وهذه الكهوف مبنية من الداخل بشكل هندسي قمة في الروعة والدهشة بمساحة (3×4) م.
وإلى الجنوب الغربي من بغديك، توجد آثار صخرية يُعتقد أنها معاصر لصناعة النبيذ، وتشير الروايات إلى أن المنطقة كانت مليئة بكروم العنب ومازال كبار السن يتحدثون عن بقايا آثار الكروم فيها. ومن المعالم الأثرية البارزة فيها:
١- كهف [كن عفتار] وتعني (وكر الضبع). وهذا الكهف قريب من قرية صولان
٢- كهف [دف مغار] تعني (كهف الجمل) والذي يجاوره مجموعة من الجرون (أحواض صغيرة) لخزن المياه. حيث الحاجة في فصل الصيف، وهناك الكثير من الروايات الشفهية تتحدث عنها، تشبه الأساطير حول ماض هذه الكهوف.
“أحد الكهوف القديمة في قرية بغديك”
٣ – مقبرة هيمو: مقبرة قديمة غير معروفة لمن تعود. يبدو أن هذه المقبرة أصبحت جزء من الماضي لأنها اندثرت بشكل شبه كامل.
٤-مدافن رومانية: منتشرة على الهضاب المحيطة، يقال بأنها تعود إلى العصر الروماني.
٥- منطقة تعرف باسم زناري كزنا Zinarê kizina.
الجغرافيا والحدود: من الشمال الحدود الدولتية بين سوريا وتركيا. من الشرق، قرية كل تبه. من الجنوب، قرية عيداني شدادة. ومن الغرب، سلسلة جبال شاهقة. ومن الجنوب الشرقي، قرية بندر خان. ومن الشمال الشرقي، قرية اغبيش المجاورة. يمر بجوار القريتين وادٍ كبير في حال شبه جريان الدائم للمياه، يعبر الحدود السورية-التركية أكثر من مرة، ثم يعود. مما يضفي عليهما أهمية استراتيجية. تتميز الأراضي بتربتها الحمراء والجبال بصخورها واحجارها السوداء.
الزراعة والاقتصاد: بدأت الزراعة المروية فيها منذ الستينيات، وازدهرت زراعة القمح القطن، السمسم، والذرة. بالإضافة إلى البساتين كالبندورة، الخيار، الباذنجان والفليفلة…الخ.
مع شح الأمطار نتيجة للعوامل الطبيعة انتقل السكان إلى الزراعة البعلية، القمح، الشعير، العدس، الكمون. وفي الآونة الاخيرة برزت زراعة الزيتون بشكل ملحوظ، وكذلك والفستق الحلبي. ويعتمد السكان أيضًا على تربية المواشي كالأغنام. وبعض الأعمال الحرة المختلفة كالتجارة والاستثمارات الزراعية.
السكان والعلاقات الاجتماعية: يبلغ عدد سكان قرية بغديك أكثر من 1000 نسمة (175 عائلة)، وجميعهم ينتمون إلى عشيرة العاصيان والتي تنتمي بدورها إلى إمارة الشدادية علما ان كل من (عاصي، أوخ، شداد وعلي زر) كانوا أربع أخوة، سكنوا المنطقة معاً، وتربطهم علاقات اجتماعية كالقرابة والمصاهرة مع القرى المحيطة بهما. وهم من أصول كردية أبا عن جد، ويتكلمون اللغة الكردية اللهجة الكرمانجية. على الرغم من الاحتلال العثماني ومحاولات التعريب والتغيير الديمغرافي، فقد تشبث السكان بأرض الآباء والأجداد.
التعليم: تحتوي القرية على مدرسة ابتدائية وإعدادية، وخرجت العديد من الأجيال المتعلمة في مختلف الاختصاصات الجامعية العلمية والفكرية وكذلك خريجي المعاهد المتوسطة.
الخدمات: تعتبر بغديك من القرى المحظوظة بخدماتها مقارنة بالقرى الكردية الأخرى وفيها بعض الخدمات الحيوية كوحدة إرشادية زراعية وشبكة كهرباء وطريق معبد يصلها بكوباني وتل أبيض وحوض مياه الشرب للقرية ولقرى المجاورة أيضًا. واهم معلم الخدمي هو مركز ثقافي بالإضافة مركز هاتف أرضي سابقاً. محلات تجارية ومعامل لصناعة البلوك.
ومن الملاحظ أن التوزيع الإداري بين محافظتي حلب والرقة تم بناءً على التوزع العشائري. فأغلب القرى التابعة ((لعشيرة شيخان)) مُلحقة إدارياً بمحافظة حلب بينما بقية العشائر تتبع إدارياً للرقة، قد تكون هناك سر غير معروف لدينا حالياً.
المقاومة وإيقاف مشروع الحزام العربي: برزت اسم قريتي (بغديك واغبيش) كجزء من أسماء القرى المقاومة لمشروع الحزام العربي الذي أطلقته السلطات السورية عام (1963) لإعادة توزيع الأراضي علناً، ثم تغيير الهندسة الديمغرافية للمناطق الكردية سراَ وزرع مستوطنات عربية ضمن الجغرافية الكردية استناداً الى دراسة محمد طلب هلال في إبعاد الكرد عن الحدود و إحلال العرب مكانهم، حيث تم تنفيذ تلك الخطة بنجاح، حتى وصلت الى ريف تل أبيض وكوباني، حيث اصطدمت الخطة بشجاعة رجالاتها الذين قاوموا العنصريين في السلطة والمتربصين المستفيدين من الخطة دون هوادة، وذاقوهم الويلات لأكثر من ثلاث سنوات. مما أجبر المستوطنين ترك الأراضي والعودة الى ديارهم. وكل هذا كان بفضل تكاتف وتعاون شعبي – أهلي. وبرز من بين صفوف المقاومين، عائلتان مقاومتان عائلة الكردي وعائلة جمو علهمك. وقد استشهد نخبة من شباب عائلة الكردي في تلك المقاومة.
ولكن كان كلمة الفصل كانت للسيد جمو علهمك، الشخصية البارزة الذي قاوم هذا المشروع التوطيني بشجاعة. ولجأ إلى تهديد المستوطنين جهاراً نهاراً، سواء بتهديدهم مباشرة، أو بشكل غير مباشر. واستغل الموقع الجغرافي للقرية حيث أنها قرب الحدود، ففي الليل كان يذهب إلى شمال الحدود ويقنص ببندقيته خيام المستوطنين ويحرق آلياتهم، ويقوم بزرع الألغام التي كان يجلبها من الطرف الشمالي من الحدود، ويرزعها ليلاً ضمن أرضه. حيث كانت تنفجر بالماشية، او بالآليات لمنع تنفيذ سياسات الحزام العربي والتغيير الديمغرافي. لذلك تعرض للاعتقال والتعذيب والمحاكمة لدى المحاكم العسكرية في محافظة دير الزور، اتهم بمناهضة النظام الاشتراكي. حيث قضى فترة في غياهب سجون السلطة، ولكن تلك المقاومة حققت غرضها الأساسي في منع زحف مشروع الحزام العربي نحو كوباني، لهذا أصبح جمو علهمك رمزًا للبطولة والمقاومة ولكن يجب ان لا ننسى فضل عائلة الكردي وشهدائها مع المناصرين الآخرين.
وتظل قريتا (بغديك واغبيش) شاهدتين على تاريخ غني بالمقاومة والعراقة، وشكلتا سداً في ايقاف زحف سياسات التغيير نحو مدينة كوباني، حيث لعبتا دوراً محورياً في حماية الهوية الكردية من سياسات التغيير بموجب الهندسة الديمغرافية الحكومية، وما زال إرثهما حاضراً في ذاكرة أهالي المنطقة.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=84657
مقالات قد تهمك















