الفكر الشوفيني والبعثي أخطر سلاح خفي

بكر حج عيسى

قد يظنُّ البعض إن قنبلةً ذريةً كفيلة بتدمير سوريا، لكن الحقيقة أن الفكر الشوفيني والبعثي الذي حكم هذا الوطن لأكثر من نصف قرن، أضاع ما يفوق قدرته أي قنبلة نووية، هذا الفكر لم يقضِ على البنى المادية فحسب، بل دمر النسيج الاجتماعي، ثقافة التعايش، والحقوق الأساسية لكل السوريين.
نظام البعث زرع الكراهية والعنصرية في الإعلام، الجامعات، والأوساط المثقفة، وحوّلها إلى أدواتٍ لإدامة الانقسام. اليوم، نرى صدى هذا الفكر في خطاب الكراهية والتحامل على الشعوب والأقليات، حيث يُحاصر الآخر، يُسلب حقه في اللغة، ويُحرم من المشاركة في الحياة العامة. مثال صارخ: بعض المثقفين والأكاديميين العرب يعتبرون أن الكرد يحق لهم التحدث بلغتهم في منازلهم فقط، بينما يُحرمون من استخدام لغتهم في الحياة العامة. هنا يأتي البُعد الديني؛ فحق اللغة هو حق شرعي. يقول الله تعالى: «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم». كل من يمنع الكرد من التحدث بلغتهم يقف ضد آيات الله، ويزعم الإسلام بينما ينقض قيمه، لماذا يُسمح لك بالتحدث والكتابة بالعربية، بينما يُحرم الكرد من حقهم الطبيعي؟ تاريخ الكرد يثبت أنهم أقدم من عاش على هذه الأرض، وتاريخهم تعرض للإهمال والاضطهاد طوال عقود، سواء في عهد النظام أو بعد سقوطه.
الحقائق التاريخية والسياسية تؤكد مظلومية الكرد
في عهد النظام السوري السابق، عانى الكرد من التمييز الثقافي والسياسي، لكن بعد سقوط النظام لم ينتهِ الاضطهاد، بل تصاعد. التهجير، التغير الديموغرافي، والمجازر بحق الكرد هي استمرار للفكر الشوفيني بوجوه جديدة. النظام البعثي لم يرتكب مجازر ممنهجة بحقهم كما حدث لاحقًا، مما يوضح إن الحل لا يكمن في تغيير النظام وحده، بل في بناء دولة ديمقراطية تحترم الحقوق.
سوريا بحاجة اليوم إلى إدارة عقلية منفتحة، تؤمن بحقوق جميع الشعوب، وتضع حدًا لخطابات الكراهية والعنصرية. الدستور الشامل العادل ليس خيارًا، بل ضرورة ملحة. كل تأخير في صياغته يزيد الاحتقان ويغذي الانقسامات، ويترك المجتمع يدفع ثمن إرث الفكر البعثي والشوفيني، الذي لم يتحرر منه الشباب العربي حتى اليوم.
الأجيال التي تربت على هذا الفكر لم تتحرر بعد من سمومه، كما تحررت الشعوب الأوروبية من النازية. سوريا مطالبة بتحرير نفسها من هذا الإرث القاتل قبل أن يُدمّر ما تبقى من نسيجها الاجتماعي والثقافي. الفكر الشوفيني والبعثي ليس مجرد ماضٍ سياسي، بل مرض مستمر يهدد حاضر ومستقبل الوطن، ويقف في مواجهة الحق والعدل والتاريخ والدين. إن احترام اللغة، العدالة بين الشعوب، والحوار الديمقراطي هي السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا، وبناء وطن يحمي الجميع دون تمييز أو إقصاء وهذا لا يتم إلا عبر حوار وطني تشارك فيه جميع الشعوب والأديان
بعيدة عن أسلوب النظام البعثي في اختيار الأشخاص، حيث كان ولائه للنظام وليس للوطن أو ولائه للقومية التي ينتمي إليها، مع الأسف الحكومة المؤقتة تتبّع اليوم هذا الأسلوب تختار كردياً جوهره فارغ من كرديته، وهذا ليس محض صدفه ولو كان هذا الأسلوب مُجدياً لما سقط نظام صدام حسين ونظام الأسد.
في الختام أؤكد لا حل في سوريا سوى إعلان عن دستور ديمقراطي يحتضن جميع السوريين دون إقصاء.

روناهي

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top