م. أحمد زيبار
في المنعطفات المصيرية التي تمر بها الشعوب، لا يكون الانتصار لمن يلوذ بالصمت أو ينجرف وراء الصخب، بل لمن يحتكم إلى الحكمة، ويُغلِّب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، ويملك شجاعة المراجعة قبل أن يفرض الواقع مراجعاته القاسية.
يعيش شعبنا الكردي في سوريا اليوم مرحلةً بالغة الحساسية، فيما تمر حركتنا السياسية بأزمة عميقة انعكست على أدائها، وأضعفت ثقة الجماهير بها. ولم يكن حزب الوحدة بمنأى عن هذه الأزمة، وهو الحزب الذي شكّل محطةً مهمة في مسيرة النضال القومي والوطني، وأسهم عبر عقود من العمل والتضحيات في ترسيخ حضور الحركة السياسية الكردية في سوريا.
في ظل هذه الظروف، اتخذنا نحن الرفاق الثلاثة قرارنا، لا سعياً إلى موقع أو مكسب، ولا تهرباً من المسؤولية، وإنما انطلاقاً من قناعة راسخة بأن ما أقدمنا عليه يمثل موقفاً سياسياً وأخلاقياً يرمي إلى دق ناقوس الخطر، والتنبيه إلى حجم الأزمة التي تعيشها الحركة والحزب، والدعوة إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار للمبادئ التي تأسس عليها الحزب، وتستعيد دوره ورسالته.
لقد كان قرارنا، والطريقة التي أوصلنا بها موقفنا، تعبيراً عن حقنا في حرية الاختيار، وهو الحق الذي نناضل من أجله لشعبنا، ولا يجوز أن ننكره على رفاقنا مهما اختلفت اجتهاداتهم. فالأزمة الحقيقية ليست في الانسحاب، بل في أسبابه ودوافعه. أما الاكتفاء بالوقوف عند النتيجة وتجاهل الأسباب التي أفضت إليها، فليس سوى هروب من مواجهة الواقع. والإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وتشخيص أسبابها، ثم العمل الجاد على معالجتها، في ظل واقعٍ بات مقلقاً ويزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
ومن اختار البقاء في موقعه عن قناعة ومسؤولية – لا بدافع التمسك بالموقع، أو التصفيق للأشخاص، أو التقليل من خطورة الأزمة حفاظاً على مصالحه، غير مكترثٍ بما آل إليه الحزب، ولا بما قد ينتهي إليه إذا استمرت الأوضاع على حالها – فهو أيضاً حر في خياره، وله منا كل الاحترام والتقدير. أما أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى تهمة، وأن تُصوَّر حرية القرار وكأنها خروج على المبادئ، فذلك يتناقض مع جوهر النضال الذي حملناه لعقود. فكيف نناضل من أجل حرية شعب، ثم نصادر حرية المناضلين في اتخاذ مواقفهم؟ إن الحرية لا تتجزأ، والمبادئ لا تُقاس بموازين الأشخاص، بل بثبات الالتزام بها.
ومن هنا، أجدد ندائي إلى العقلاء والحكماء، وإلى كل من يحمل همَّ هذا الشعب وهذه الحركة. فما زال الوقت متاحاً لتصحيح الأخطاء، وما زالت الفرصة قائمة لاستعادة ثقة أبناء شعبنا الكردي، عبر مشروع سياسي قومي ووطني يعيد الاعتبار للعمل المؤسسي من خلال مؤتمر قومي جامع، ويؤسس لقيادة تمتلك الشرعية النضالية، وتعبّر بصدق عن إرادة الكرد السوريين، وتستمد قرارها منهم وحدهم، بعيداً عن أي وصاية أو تبعية، مع الحفاظ على عمقها القومي وصلاتها الطبيعية بأبناء الأمة الكردية في سائر أجزاء كردستان.
ويمكن لحزب الوحدة أن يستعيد دوره، وأن يسهم بدورٍ مهم وإيجابي في إعادة بناء الحركة الكردية وتعزيز حضورها، إذا امتلك إرادة حقيقية للإصلاح، وعالج الأسباب التي أدت إلى الانقسامات وإلى فقدان الحزب الكثير من كوادره وأعضائه، واعتمد نهجاً مؤسسياً يقوم على العمل الجماعي، والشفافية، والتشاركية في صنع القرار. فالأحزاب لا تُقاس بتاريخها فحسب، بل بقدرتها على الاعتراف بأخطائها، ومراجعة تجربتها، وتجديد أدواتها، والاستجابة لمتطلبات المرحلة.
إن قضيتنا القومية هي قضية وطنية سورية عادلة، ولا يمكن الوصول إلى حل دائم لها إلا في إطار الدولة السورية، عبر مشروع وطني ديمقراطي يقوم على الشراكة الحقيقية، والمواطنة المتساوية، والاعتراف الدستوري والسياسي بحقوق الشعب الكردي. وهذه الحقوق ليست منحة من أحد، ولا ورقة تفاوض عابرة، بل حقوق تاريخية وقومية ودستورية مشروعة، لا تسقط بالتقادم، ولا تقبل المساومة أو الانتقاص.
وفي الوقت نفسه، فإن انتماءنا الوطني لا يتعارض مع عمقنا القومي، فالمناطق الكردية في سوريا تشكل وحدة تاريخية واجتماعية وثقافية، تجمعها الهوية والمصلحة والمصير المشترك. ولذلك، فإن أي معالجة سياسية جادة ينبغي أن تنطلق من رؤية شاملة تحفظ وحدة القضية الكردية في سوريا، بعيداً عن التجزئة أو الحلول المرحلية، مع استمرار التواصل الطبيعي مع أبناء شعبنا في سائر أجزاء كردستان، على أساس الاحترام المتبادل ووحدة الانتماء القومي.
أما الأصوات التي تحاول التشويش والإساءة، سواء صدرت عن بعض البسطاء الذين لم تتضح لهم حقيقة ما يجري، أو عن قلة من المنافقين والمتسلقين الذين اعتادوا الاستثمار في الأزمات، داخل التنظيم أو خارجه، فإنها لن تغيّر من الحقائق شيئاً، ولن توقف حركة التاريخ. غير أن ما يدعو إلى الأسف حقاً هو صمت بعض من تقع على عاتقهم مسؤولية القرار، في وقت تستوجب فيه المرحلة الوضوح والشجاعة والمبادرة، لا الانتظار أو المراهنة على عامل الزمن.
ولذلك، أكرر اليوم ما قلته وطرحته بالأمس أمام الهيئة القيادية: إذا لم تُتخذ قرارات جريئة ومسؤولة تُقدِّم مصلحة الحزب والشعب على المصالح الشخصية، وتُحرِّر الحزب من تأثير المحاور، وتُرسِّخ مبدأ أن لا أحد فوق النظام والمساءلة، وتُجرى مراجعة نقدية وشفافة لحقبة الأزمة السورية، بما يفضي إلى استخلاص الدروس، وتحمل المسؤوليات، وتصويب المسار؛ فإن الحزب، الذي أسهم في بنائه وخدمته أجيالٌ من المناضلين والمخلصين، يعاني اليوم تراجعاً واضحاً في دوره ومكانته، وهو مهدد بمزيد من التراجع، وربما بالانحدار إلى مرحلة قد يصعب بعدها استعادة ما فُقد.
إن التاريخ لا يجامل أحداً، ولا يرحم المترددين ولا المتقاعسين، وسيكتب أن من امتلك فرصة الإصلاح والإنقاذ ثم فرّط بها، يتحمل مسؤوليته أمام شعبه، وأمام رفاقه، وأمام الأجيال القادمة.
لقد قلنا كلمتنا بدافع المسؤولية، لا بدافع الخصومة، وبقصد الإصلاح، لا بقصد الهدم. وما زال باب المراجعة مفتوحاً، وما زلنا نؤمن بأن إرادة المخلصين قادرة على إعادة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، إذا صدقت النوايا، وغُلِّبت المصلحة العامة على كل اعتبار.
بريمن – 20.07.2026






