سوريا: حملة “لستَ شجرة”: خطاب كراهية وتحريض علني على الإقصاء الطائفي

تكبير الصورة

تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة،  ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.

1. خلفية:

بتاريخ 30 أيار/مايو 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن نتائج تحقيقها الأولي أظهرت تورط أمجد يوسف -أحد مرتكبي مجزرة التضامن عام 2013- في مقتل وإخفاء أطفال الطبيبة رانيا العباسي الستة. وأثار الإعلان موجة حزن وغضب واسعة بين السوريين/ات.

وفي اليوم التالي مباشرة ظهر على منصة إكس X حساب باسم “حملة لست شجرة” يدعو إلى عزل اجتماعي واقتصادي شامل يستهدف العلويين/ات في سوريا، ثمّ امتدّ نشاطه إلى خمس منصات أخرى (فيسبوك، ويوتيوب، وتيك توك، وإنستغرام، وتلغرام).
قُدمت الحملة على أنها “امتداد شعبي” لمسار المحاسبة، ومسار “تكامل لا تقاطع” مع مؤسسات الدولة الرسمية. وخلال أسابيع قليلة، غطّت الدعوات إلى المقاطعة جميع تفاصيل الحياة اليومية والعيش المشترك: إلقاء التحية والزواج والطبابة والتعليم ودفن الموتى؛ وبلغت ذروتها بنشرها خرائط تحدد أحياء وتجمعات سكانية بالاسم، وتدعو إلى “تفكيكها اجتماعياً واقتصادياً”.

الصورة رقم 1. لقطة شاشة لحساب الحملة على منصة إكس.

لا يمكن قراءة الخطاب الذي تبنّته الحملة بمعزل عن السياق التاريخي والميداني الذي مهّد له وأسهم في تشكيله؛ فمنذ أواخر عام 2024 وثّقت “سوريون” سلسلة انتهاكات على أساس الهوية طالت مدنيين/ات علويين/ات: منها إعدامات ميدانية سبقت مجازر الساحل في آذار/مارس 2025، ثمّ انتهاكات جسيمة أعقبتها في اللاذقية وحمص وحماة وطرطوس وريف دمشق، واستهدافات قائمة على الهوية، ونمطاً مستمراً من الاغتيالات بالدراجات النارية في مناطق ذات غالبية علوية، وخطفاً استهدف النساء العلويات، وإخلاءات قسرية طالت عائلات علوية في حي السومرية ومناطق أخرى ذات غالبية علوية.

وسبق لـ”سوريون” أن وثّقت الدور الذي أدّاه خطاب الكراهية والتحريض الطائفي في التمهيد للعنف الذي شهدته مناطق الساحل وفي تأجيجه وتبريره؛ ما يؤكد أن خطر انتقال الخطاب التحريضي إلى عنف مادي ليس احتمالاً نظرياً في السياق السوري الراهن، بل تؤيده وقائع حديثة موثقة. وتزداد خطورة حملة “لست شجرة” لأنها تستهدف أبناء الطائفة العلوية على أساس انتمائهم الطائفي.

2. المنهجية:

استند التقرير إلى رصد وتوثيق وتحليل شامل لجميع منشورات حساب “حملة لست شجرة” (@HLShajara) على منصة إكس منذ أول منشور موثق في 31 أيار/مايو 2026 وحتى تاريخ 2 تموز/يوليو 2026، إضافة إلى رصد مباشر لحسابات الحملة الرديفة المعلنة على فيسبوك ويوتيوب خلال الفترة نفسها. اعتُمد المنشور الواحد وحدة للتحليل بطبقتيه النصيتين: نص التصميم المرفق ونص التغريدة المرافق. وصُنّف كل منشور تصنيفاً متعدد الوسوم على عدة محاور تحليلية، إضافة إلى فئات توثيقية للمنشورات الإجرائية والمقاطعة الاقتصادية العامة واستهداف الأفراد المسمّين.

قام فريق “سوريون” بمتابعة استجابة الحكومة السورية الانتقالية عبر رصد حسابات وسائل التواصل ومواقع الإنترنت الرسمية الخاصة بالجهات الحكومية. واتبع عند التوثيق من المصادر المفتوحة منهجية تقاطع المعلومات عبر عدة مصادر للتحقق منها قبل استخدامها.

جُمعت لأغراض هذا التقرير 8 شهادات مباشرة، خلال شهر حزيران/يونيو 2026، مع مواطنين/ات من أبناء وبنات الطائفة العلوية، من محافظات طرطوس واللاذقية وحمص. وقد تم الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة على استخدام الشهادات، وذلك بعد شرح طبيعة المشاركة الطوعية واستخدام المعلومات وإبلاغهم بإمكانية سحب موافقاتهم في أي وقت كان. وبناءً على طلبهم/ن، استبدلت الأسماء الحقيقية بأسماء مستعارة، مع حجب أي تفاصيل قد تؤدي إلى الكشف عن هوياتهم/ن أو تعريضهم/ن أو عائلاتهم/ن لخطر الانتقام.

3. تحليل خطاب الحملة:

نشر حساب حملة “لست شجرة” على منصة إكس 25 منشوراً في يوم انطلاقته وحده، ثم دخل بين 4 و 10 حزيران/يونيو مرحلة يمكن وصفها بفترة التصعيد الجغرافي، نشر خلالها الخرائط والبيانات المناطقية، قبل أن يتراجع إيقاعه تدريجياً.

وتعرّف الحملة نفسها عبر هذه المنصات تعريفاً موحداً على أنها  “حملة للمقاطعة الشعبية الخالية من العنف ضد المجرمين وحواضنهم من الأقليات في سوريا”. ورغم محدودية عدد المتابعين،[1] وثقت تغطيات صحفية تداول تصاميم الحملة ووسومها على نطاق أوسع من حسابها.

كما خصص الحساب 15 منشوراً للحشد العام والبلاغات والهجوم على منتقديه؛ إذ رد على منتقدَيْن اثنين على الأقل (كاتبة وممثل) بألقاب تحقيرية وبيانات استنكار، طالب أحدها وزارة الإعلام بمنع خطاب الكاتبة. وتوزعت منشورات الحساب على المحاور الآتية:

# المحور عدد المنشورات النسبة من إجمالي النشاط
1 تحريض على مناطق معينة بالاسم 11 11.8%
2 تغيير ديمغرافي (خطاب استرداد الأرض) 14 15.1%
3 مواد بصرية تضمنت تجريداً من الإنسانية 7 7.5%
4 مواد نصية تضمنت تجريداً من الإنسانية 11 11.8%
5 عزل اجتماعي/حياتي 22 23.7%
6 مقاطعة اقتصادية 16 17.2%
7 تسويغات دينية-تاريخية للحملة 4 4.3%
8 تناقض ذاتي: ادعاء اللاطائفية 18 19.4%
9 إجرائي/تنظيمي 9 9.7%
10 أخرى (حشد/بلاغات/هجوم على منتقدين) 15 16.1%
11 استهداف أفراد بالاسم 15 16.1%

الجدول 1. توزُّع المحاور على المنشورات.[2]

3.1. استهداف المناطق بالاسم وخطاب “المستوطنات”:

أفرد الحساب 11 منشوراً للتحريض على مناطق ومساكن معينة بالاسم، و14 منشوراً لـ “خطاب استرداد الأرض”، وهو خطاب ينزع عن السكان الحاليين صفة الأهالي الشرعيين، ويصوّر مناطقهم بوصفها “أراض مغتصبة” يجب استعادتها إلى وضعها الديمغرافي “الأصلي”.

يتدرج هذا الخطاب زمنياً: توجيه سياحي “مناطقي” في اليوم الأول يصنف وجهات السياحة في الساحل السوري بعلامتي سماح ومنع بحسب هوية سكانها؛ ثم شطب أحياء حمصية بالاسم -النزهة ووادي الذهب وعكرمة- على صورة تحمل لوحات شوارعها، مع دعوة إلى الامتناع عن تأجير البيوت أو بيعهاللعلويين؛ وصولاً إلى الذروة: خريطتان لدمشق تعلّمان ثمانية أحياء بالاسم بوصفها “طوقاً” و”مستوطنات“، مع دعوة صريحة: “أيها الدمشقي السنّي: لا تجعل هذا الطوق يتكرر وحاول تفكيكه اجتماعياً واقتصادياً دائماً”. واستهدف منشور آخر “مساكن ضاحية المجد على طريق حمص–دمشق الرئيسي” بصورتين جويتين مع عبارة: “قاطع المستوطنات واعمل على تفكيكها اجتماعياً واقتصادياً”.

يؤسس هذا الخطاب لما هو أبعد من المقاطعة: هذه ليست مناطقهم أصلاً… سنستردها ونعيدها سنية كما كانت، وصولاً إلى المطالبة بـ تفكيك هذه المستوطنات، وإعادة الحقوق والعقارات والأراضي المغتصبة لأصحابها. وأحصى التقرير 20 موقعاً ذكر بالاسم في سياق التحريض أو الوصم في خمس محافظات، تتفاوت مستوياتها من مساكن وأحياء محددة إلى مدن ومحافظات بكاملها، بينها أحياء سمّيت على التصاميم المنشورة مباشرة.

3.2. التجريد من الإنسانية وتسويغه:

في 18 منشوراً، نصياً وبصرياً، وُصفت الجماعة المستهدفة بمفردات مهينة واستخدمت صور المسوخ و”الزومبي” ورؤوس الحيوانات والوجوه المشوّهة لتمثيل أبنائها. (انظر الجدول رقم 1).

بالمقابل، تؤدي بعض المنشورات وظيفة “تسويغية” مفصلية رغم قلتها: أحدها يستحضر نصوصاً دينية وتاريخية في سياق تأكيد العداء التاريخي بين الطوائف، وآخر يماثل بين الحملة واجتثاث النازية في ألمانيا والفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وبهذا التسويغ يتحول العزل في خطاب الحملة من خيار إلى واجب.

3.3. العزل في تفاصيل الحياة اليومية:

هنا تتركز الكتلة الأكبر من المنشورات: 38 منشوراً (40.9%) تغطي مختلف نواحي الحياة: من الزواج والنسل ابتعد عن النساء النصيريات، اختر أخوال أولادك بعناية، إلى إلقاء التحية لا تلقِ على العلويين التحية ولا تردّها.

وتمتد القواعد إلى الطعام والذبائح لا تأكل لحم مذبوح من باطني نصيري أو درزي، والطب والتمريض وطب الأسنان، والتعليم، وتنتهي بفصل المقابر: لا تدفنوا موتى النصيرية مع مقابركم.

والخطاب الجندري صريح: تحذير النساء من صالونات التجميل “العلوية” بدعوى إمكانية تعرضهن للتصوير والابتزاز اللاحق، مع عبارة انتبه على نسائك. وتحضّ منشورات أخرى على تلقين هذهالروايةللأطفال، وتشكك بشهادات أبناء الفئة المستهدفة وتحصيلهم العلمي. وتمتد المقاطعة الاقتصادية إلى عمال البناء وباعة الماء والخضار وسيارات الأجرة، وإلى الدعوة إلى إغراقأي منشأة علويةبالتقييمات السيئة، وأيضاً إلى تعميم أرقام سائقي سيارات الأجرة من الطائفة العلوية على نطاق اجتماعي واسع، وهو ما قد يبلغ حد الدعوة إلى التشهير المنظم.

3.4. الإنكار بوصفه بنية خطابية:

يكرّس الحساب 18 منشوراً (19.4 في المئة) لنفي الطائفية عن الحملة وتأكيد سلميتها، وكثيراً ما يقع النفي والإقرار في المنشور الواحد: فالمنشور المثبت أعلى الحساب ينفي “الكراهية التحريضية“، ثم يقر بأن الحملة “استهداف اجتماعي اقتصادي لحواضنهم خاصة من الأقليات”. في حين أعلن المنشور التأسيسي أن الحملة تهدف إلى  “عزل اجتماعي سنّي”. ورغم استهداف الحملة المتكرر لرجل الأعمال السني “محمد حمشو” (المعروف بعلاقاته الوطيدة مع نظام الأسد سابقاً) والتنويه إلى هذا معتبرة إياه دليلاً على لا طائفيتها، تعود في منشور آخر يفسر “أسباب نفوذ محمد حمشو” بأن “أمه علوية”. وفي المحصلة، يحمل 43 منشوراً (46.2%) استهدافاً طائفياً صريحاً[3] ما يجعل الإنكار سمة بنيوية في الحملة.

4. من الفضاء الافتراضي إلى الشارع:

تناولَ القسم السابق من التقرير مضمونَ الخطاب ونطاقه بالعدّ والتصنيف. أما هذا القسم فيعرض أجزاء من الشهادات التي جمعتها “سوريون”، والتي وثقت انتقال شعارات الحملة إلى الشارع، علاوة على أثرها الملموس والمباشر في التجارب المعاشة لأشخاص بعينهم. جاء في شهادة “ريما”، وهي طبيبة من حمص:

“لم أعر الحملة اهتماماً في البداية حين رأيت منشوراتها في وسائل التواصل… لكني فوجئت في اليوم التالي باعتصامات في مدينة حمص. كانت اعتصامات تدعو لمقاطعة تامة للعلويين: تحريم الزواج من الفتيات العلويات؛ ومنع العلويين من المرور من بعض الشوارع؛ وعزل العلويين عن بقية المكونات في سوريا…”

ويتقاطع ما سبق مع ما ورد في شهادة “سلمى” (وهي معالجة نفسية من حمص)، وقد أشارت إلى انتقال الحملة إلى الشارع: “رأينا مظاهرات وكان الأشخاص المحتشدون يحملون لافتات ‘قاطع أنت لست شجرة’”، وذكرت أن عائلات علوية تعرفها غادرت منازلها في مدينة حمص نحو الريف نتيجة الخوف خلال فترة نشاط الحملة.

في حين وثقت شهادة “ندى” (معلمة من اللاذقية) خسارة اقتصادية تزامنت مع الحملة، إذ امتنع بعض ذوي طلابها من الطائفة السنية عن إرسال أبنائهم الذين كانت تدرسهم “دروساً خاصة” إليها، ولم يسددوا المستحقات المالية المترتبة عن الشهر السابق (أيار/مايو). وذكر “عمار” (صاحب محل تجاري من طرطوس، مواليد 1970) أن الحملة دفعته إلى إغلاق محله في وقت أبكر من المعتاد، والتزام منزله، والحذر الشديد في الحركة بعد مغيب الشمس، الأمر الذي أثر سلباً على أوضاعه المعيشية. ووصف “زياد” (طالب جامعي من حمص)، حالة عدم الأمان التي عاشها خلال فترة نشاط الحملة بقوله:

“كانت المشاعر مختلطة بين الخوف والقلق. فشعورك بأنك الآن حديثُ الشارع ومستهدفٌ ومباح، يجعلك تشعر بقدر كبير من الخوف واليأس في الوقت نفسه. لا سيما اليوم، حيث لا يوجد رادع للمعتدي ولا حماية قانونية [للضحية]”

أما “وليد” (وهو طالب ماجستير من طرطوس)، فقد وصف الأثر المضاد الذي أحدثته الحملة في سلوكه بقوله:

“لم أكن يوماً شخصاً عنصرياً، ولكن يبدو أن مفتعلي هذه الحملات يرغبون بجر كافة أطياف الشعب السوري إلى مستنقع العنصرية والطائفية. وتجربتي الشخصية تثبت أنهم ينجحون في ذلك، فقد بدأت فعلاً أحرص على حصر تعاملي مع الباعة وأصحاب المحلات العلويين”

تتضح في شهادة “وليد” حدود هذا الخطاب وخطره معاً. وقد لا تكفي الشهادات لقياس مدى استجابة الجمهور للحملة، لكنها تكشف قدرتها على تعميق شعور المستهدفين بالخوف ودفع بعضهم إلى الانكفاء داخل دوائرهم الطائفية، مما يفاقم الانقسام المجتمعي.

5. استجابة رسمية متفاوتة: قدرة سريعة على التوقيف وغياب استجابة معلنة للحملة:

خلال حزيران/يونيو 2026 وثقت “سوريون” ثلاث عمليات توقيف نفذتها الأجهزة الأمنية استجابة لنشر “محتوى مسيء” عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتظهر في الحالات الثلاث قدرة الأجهزة الأمنية على التحرك السريع وإنفاذ القانون في ثلاث محافظات سورية على الأقل (طرطوس واللاذقية والحسكة):

ويلاحَظ أن أول هذه الاعتقالات جرى في اليوم الرابع من عمر الحملة؛ أي أن أدوات الرصد والتوقيف كانت فاعلة ونشطة في الفترة الزمنية نفسها. لا يتناول هذا التقرير مدى قانونية التوقيفات الثلاث أو ضرورتها وتناسبها، ولا يعتبرها نموذجاً ينبغي تكراره؛ وإنما يستشهد بها لإظهار قدرة الأجهزة المختصة على رصد المحتوى المنشور وتحديد أصحابه والتحرك بشأنه خلال فترة زمنية وجيزة.

في المقابل، لم يرصد التقرير -حتى تاريخ إعداده- أي إجراء أو ملاحقة أو بيان رسمي معلن بشأن حملة “لست شجرة”، رغم أن حساباتها ما زالت قائمة بمحتواها الكامل حتى تاريخ التوثيق.[4] وتراجعُ إيقاع النشر بعد منتصف حزيران/يونيو لا يزيل الضرر القائم؛ فالمحتوى التحريضي باقٍ يُعاد تداوله وتم تصديره عبر منصات أخرى. لا سيما أن الشهادات الموثقة تظهر أن الخطاب انتقل إلى السلوك اليومي والشارع قبل تراجع النشر الرقمي. ومن اللافت أن الحملة نفسها لم تُحجم عن مخاطبة السلطات؛ بل قدمت ما اعتبرته “بلاغات علنية”: بحق أفراد إلى وزارة الإعلام، وبحق صفحات في وسائل التواصل إلى وزارة الداخلية. ووجهت “تحية إجلال” إلى وزارة الداخلية بعد إعلانها اعتقال أحد المتهمين بارتكاب مجزرة البيضا.

لم تفصح الحملة عن هوية القائمين عليها. وقد رصدت “سوريون” مقطع فيديو نُشر عبر حسابات تحمل اسم “أبو دجانة بن غياث” في يوتيوب وفيسبوك، قال المتحدث فيه أن “صاحب الفكرة وصاحب أول تصميم هو صديق له، وهو ناشط سنّي من اللاذقية معروف بحسابات باسم “مراقب الشام””، وأن “الحملة شعبية بامتياز لا صلة للحكومة السورية بها”. ولم تتمكن “سوريون” من التحقق المستقل من هذا الادعاء، ففي حين تحققت من وجود حسابين على فيسبوك (رابط 1 ورابط 2) بهذا الاسم أنشئا عامي 2010 و 2015 ولم تتمكن من الوصول إلى محتواهما، كما تعذر الوصول إلى حساب مماثل على إكس، وذلك بعد أن أظهر البحث أنه قد تم سابقاً إنشاء عدة حسابات بالاسم نفسه، ثم جرى حذفها بشكل متكرر (انظر الصورة أدناه). وتظهر “بيانات الشفافية” أن صفحة فيسبوك “أبو دجانة بن غياث” تدار من ألمانيا، وتحظى بأكثر من 52 ألف متابع/ة.

الصورة رقم 2. لقطة شاشة تظهر فيها عدة منشورات تشير إلى حسابات محذوفة باسم “مراقب الشام” على منصة إكس.

رغم ذلك، ترى “سوريون” أن غياب هوية القائمين على الحملة غير كافٍ لتبرير غياب الاستجابة الرسمية؛ فالإجراءات غير المشروطة بمعرفة الهوية لم تُستخدم هي الأخرى: لا إدانة رسمية علنية، ولا إعلان عن تحقيق، ولا طلب موجه إلى المنصة لإزالة المحتوى. وقد أثارت الظاهرة جدلاً واسعاً في الشارع السوري، وحظيت بتغطية إعلامية ملحوظة، بما يرجّح وصولها إلى علم الجهات الرسمية ويجعل من الصعب اعتبارها ظاهرة مجهولة أو محدودة التداول.[5]

تكشف الوقائع تفاوتاً واضحاً في الاستجابة الرسمية للمحتوى المنشور عبر وسائل التواصل؛ فقد تحركت الأجهزة المختصة سريعاً في ثلاث وقائع منفصلة، بينما لم يرصد التقرير أي إدانة أو تحقيق أو تدبير رسمي معلن بشأن حملة منظمة تضمنت دعوات متكررة إلى الإقصاء والتمييز على أساس طائفي.

6. التكييف القانوني:

لا يفقد التعبير حمايته القانونية لمجرد كونه صادماً أو مهيناً أو مثيراً للجدل؛ غير أن هذه الحماية لا تمتد على النحو ذاته إلى الدعوة إلى الكراهية الدينية أو الطائفية عندما تبلغ حدّ التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف. ويكفل الإعلان الدستوري السوري حرية الرأي والتعبير في المادة 13، ويعدّ الحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً لا يتجزأ منه بموجب المادة 12. كما تُلزم المادتان 7 و10 الدولة بحفظ السلم الأهلي، ومنع إثارة النعرات والتحريض على العنف، وضمان مساواة المواطنين أمام القانون دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو النسب. كما تجرّم المادة 307 من قانون العقوبات السوري كل عمل أو كتابة أو خطاب “يُقصد منه، أو ينتج عنه، إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة”.

ويتوافق هذا الإطار مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ إذ توجب المادة 20(2) حظر كل دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

ولتحديد ما إذا كان خطاب معين قد بلغ عتبة التحريض المحظور، تقترح خطة عمل الرباط اختباراً يقوم على ستة عناصر مترابطة: السياق الاجتماعي والسياسي، وصفة المتحدث ومدى تأثيره، والقصد، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال ترتب ضرر عليه، بما في ذلك قرب وقوعه. ولا يكفي توافر عنصر واحد منفرداً، بل يجب تقييم الخطاب في مجمله وفي سياقه الفعلي، مع اعتماد عتبة مرتفعة قبل اللجوء إلى العقوبات الجنائية.

وبتطبيق هذه العناصر على حملة “لست شجرة”، يتضح أولاً أن الخطاب نُشر في سياق بالغ الحساسية، أعقب أعمال عنف وانتهاكات حديثة ارتُكبت على أساس الهوية الطائفية، وسبقها ورافقها انتشار لخطاب الكراهية والتحريض. وفي مثل هذا السياق، لا يمكن التعامل مع الدعوات إلى عزل طائفة بأكملها أو تفكيك أحيائها بوصفها تعبيراً مجرداً منفصلاً عن مخاطر التمييز والعنف القائمة على أرض الواقع.

أما من حيث القصد، فإن التكرار المنهجي للمنشورات، واعتماد تصاميم موحدة، وتحديد الفئات والمناطق المستهدفة بالاسم، ونشر قواعد تفصيلية للمقاطعة والعزل، تشير مجتمعة إلى أن المحتوى لم يكن تعليقاً عابراً أو تعبيراً انفعالياً منفرداً، بل نشاطاً تحريضياً يرمي إلى التأثير في سلوك الجمهور تجاه أشخاص محددين على أساس هويتهم الطائفية. ويعزز هذا الاستنتاج إصرار الحملة على الدعوة إلى الامتناع عن التعامل مع العلويين في مجالات الزواج والتجارة والطبابة والتعليم والنقل والسكن والدفن، إلى جانب التشكيك الجماعي في أهليتهم العلمية والمهنية وتجريدهم من الإنسانية.

ويُعد مضمون الخطاب من أكثر عناصر التقييم دلالة؛ فالحملة لم تقتصر على التعبير عن العداء أو تبني أوصاف مهينة، بل دعت الجمهور على اتخاذ تدابير تمييزية محددة ضد أفراد بسبب انتمائهم الطائفي. كما نشرت خرائط وأسماء أحياء وتجمعات سكانية، ووصفت بعضها بـ”المستوطنات”، ودعت إلى “تفكيكها اجتماعياً واقتصادياً”. ويحوّل ذلك الخطاب من مجرد وصم طائفي إلى دعوة عملية إلى حرمان فئة من السكان من المعاملة المتساوية ومن المشاركة الطبيعية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وفيما يتعلق بمدى الانتشار وصفة المتحدث، لم تكشف الحملة هوية القائمين عليها، كما ظل عدد المتابعين المباشرين لبعض حساباتها محدوداً نسبياً، وهو ما يحول دون تقييم نفوذ أصحابها بصورة كاملة. غير أن نشاطها امتد إلى منصات متعددة، وأُعيد تداول تصاميمها ووسومها، وحظيت بتغطية إعلامية واسعة وظهور في المجال العام؛ ما وسّع نطاق وصول الخطاب إلى ما يتجاوز الأعداد المسجلة على الحساب الأصلي.

أما عن احتمال الضرر، فتكشف التوثيقات أن خطاباً مماثلاً لدعوات الحملة ظهر في التعاملات اليومية، وأن الحملة أسهمت في توليد الخوف لدى أشخاص من الفئة المستهدفة ودفع بعضهم إلى الانكفاء داخل دوائرهم الطائفية. وفي ضوء السياق السوري الراهن، يجعل ذلك خطر التمييز والعداوة الناجمين عن الخطاب خطراً متوقعاً وليس افتراضاً بعيداً.

وعليه، ترجح “سوريون” أن العديد من المنشورات، ولا سيما تلك التي دعت صراحة إلى مقاطعة أشخاص وحرمانهم من الخدمات والمعاملات وتفكيك تجمعاتهم بسبب هويتهم الطائفية، يتجاوز نطاق التعبير المسيء ليبلغ مستوى الدعوة إلى الكراهية التي تشكل تحريضاً على التمييز والعداوة بالمعنى المقصود في المادة 20(2) من العهد الدولي.

ويعتبر استخدام عبارات مثل “المستوطنات” و “تفكيك الاحياء اجتماعيا واقتصاديا” تحريضا يتجاوز خطاب الكراهية العادي، بل يحمل مؤشرات التحريض على التهجير القسري، وهذا ما أكده أحد الشهود بأن عائلات تركت منازلها بالفعل خوفا من العواقب، كما ان الدعوة إلى “عزل اقتصادي واجتماعي ومنع الإيجار والبيع والطبابة والتعليم”، يُعد انتهاكاً مباشراً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية المحمية دستورياً، كالحق في العمل والملكية وحرية التنقل والنشاط الاقتصادي.

7. توصيات إلى الحكومة السورية الانتقالية وسلطاتها المختصة:

تقتضي مواجهة الحملة استجابة مؤسسية شاملة تحمي الفئات المستهدفة، وتمنع انتقال التحريض إلى ممارسات تمييزية أو أعمال عنف، من دون تحويل مكافحة خطاب الكراهية إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير. وينبغي أن تجمع هذه الاستجابة بين التحقيق والمساءلة عند بلوغ العتبة القانونية، والتدابير الوقائية والحمائية، والتواصل مع المجتمعات المتضررة، ووضع سياسات طويلة الأمد لمواجهة خطاب الكراهية وضمان تطبيق القانون دون تمييز.

  • إصدار إدانة رسمية واضحة وعلنية للدعوات إلى العزل والتمييز على أساس الهوية الطائفية، والتأكيد أن المسؤولية عن الجرائم فردية، ولا يجوز نقلها إلى جماعات أو أحياء أو أسر بأكملها.
  • فتح تحقيق مهني ومحايد بإشراف قضائي مستقل في هوية القائمين على حملة “لست شجرة” وفي المنشورات التي قد تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، وحفظ الأدلة الرقمية، وإعلان نتائج التحقيق.
  • وضع إطار قانوني دقيق يحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، وفق المادة 20(2) من العهد الدولي واختبار خطة عمل الرباط، مع ضمان عدم استخدامه لمعاقبة النقد أو التعبير الصادم أو غير المرغوب فيه. (وهي توصية سبق أن قدمتها “سوريون” في تقريرها عن دور خطاب الكراهية في مجازر الساحل ولم تنفذ بعد، علماً أن حالات الاعتقال الثلاث الموثقة في هذا التقرير تظهر أن غياب التشريع الخاص لم يحل دون التحرك حين توافرت الإرادة).
  • اعتماد استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على العقوبات، وتشمل التوعية العامة، والتربية على المواطنة والمساواة، ودعم الخطاب المضاد، وإشراك وسائل الإعلام والقيادات الدينية والمجتمعية ومنظمات المجتمع المدني، ورصد مؤشرات التحريض والتدخل المبكر لمعالجتها.
  • مخاطبة إدارات منصات التواصل الاجتماعي عبر قنوات رسمية وشفافة لإزالته بعد حفظ نسخ من المحتوى التحريضي، وطلب تقييد أو إزالة المنشورات التي تنتهك معايير حقوق الإنسان.
  • ضمان التطبيق المتساوي وغير التمييزي للقانون، ونشر معايير واضحة تحكم تعامل الأجهزة الأمنية والنيابة العامة مع المحتوى المنشور عبر الإنترنت، إلى جانب بيانات دورية عن التحقيقات والإجراءات المتخذة، بما يتيح الرقابة العامة ويحدّ من الانتقائية.
  • تقييم المخاطر التي تواجه الأشخاص والأحياء والتجمعات التي سمّتها الحملة، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ عن التهديدات والتشهير ونشر البيانات الشخصية، وضمان تواصل السلطات المحلية مع السكان المعنيين بما يعزز شعورهم بالحماية ويمنع انتقال الخطاب إلى أفعال تمييزية أو عنيفة.

[1] بلغ عدد متابعي الحساب في إكس 1508، مع حسابات رديفة رصدتها “سوريون” مباشرة خلال حزيران/يونيو 2026: قناة على تلغرام (492 مشتركاً)، وقناة على يوتيوب (42 مشتركاً وخمسة مقاطع)، وحساب على تيك توك (16 متابعاً)، إضافة إلى حسابين على إنستغرام وفيسبوك.

[2] ملاحظة: قد يندرج المنشور الواحد تحت أكثر من محور؛ لذا فإن مجموع المنشورات في الجدول أعلاه يتجاوز المجموع الحقيقي (وهو 93 منشور).

[3] اعتُبر المنشور متضمناً استهدافاً طائفياً صريحاً إذا ذكر الطائفة المستهدفة بالاسم (مثل العلويين أو النصيرية أو الدروز)، أو دعا إلى عزلها أو مقاطعتها أو وصمها، سواء ورد ذلك في نص التصميم أم في التغريدة المرافقة له. ويُسجَّل هذا المؤشر بصورة مستقلة عن محاور التصنيف الواردة في الجدول رقم (1)، إذ قد يندرج المنشور الذي يتضمن استهدافاً طائفياً صريحاً ضمن أيٍّ من تلك المحاور.

[4] باستثناء حسابها في منصة فيسبوك الذي حذف خلال فترة إعداد التقرير في منتصف حزيران/يونيو. ولا وجود لأي معطيات تشير إلى أنه حُذف استجابةً لطلب رسمي من الحكومة السورية. بينما ترجح “سوريون” أن سبب الحذف يعود إلى التبليغات وقرار منصة فيسبوك.

[5] نورد على سبيل المثال لا الحصر:

المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

× Zoomed Image
Scroll to Top